إن معظم أنظمة دول العالم الثالث, غالباً ما تدعي قواها الطبقية أو حواملها الاجتماعية – بغض النظر هنا عن مرجعياتها, بعد استلامها السلطة, بأنها ستعمل على ممارسة شعارات الديمقراطية والعلمانية والتقدمية وتكريس المواطنة في واقع دولها ومجتمعاتها بما يتناسب ومصالح شعوبها وطموحاته, بيد أنها مع مرور الأيام تبدأ العمل في الحقيقة على خلق صيغ من هذه الشعارات بما يتناسب واستمرارية بقائها هي وحدها في السلطة, ومحاصرة بقية قوى الشعب السياسية عدا تلك التي تمارس نشاطها السياسي بما يخدم استمرارية هذه السلطة ذاتها, أما من يرفض هذه الاستمرارية من القوى السياسية المعارضة أو المختلفة معها, فهي قوى تعتبر مناوئة ومعادية للشعب ومصالحه بنظرها. هذا في الوقت الذي تدفع فيه قواها الانتهازية للعمل وبجد أيضاً على إضعاف كل الولاءات الأخرى في الوطن عدا الولاء للقوى الحاكمة, أو من يسيطر القوى فعلاً في الحزب أوالدولة, او في الاثنين معاً, وذلك بغية الحفاظ على استمرارية الولاء لها من قبل الشعب أولاً, ثم إعطاء القدرة للسلطة ذاتها أن تمارس سلطاتها على جميع مظاهر حياة الجماهير وطاقاتها ثانياً, مستخدمة من أجل ذلك الكثير من أساليب التجهيل لوعي الجماهير, وممارسة القمع المباشر وغير المباشر على حياتهم الفكرية والعملية معاً. فكان من أبرز نتائج هذه السياسة القائمة على ممارسة التجهيل والقمع, على اعتبارهما أكثر وسائل الردع والمنع وضوحاً, وبخاصة هنا ممارسة (القمع) الذي ينتج عنه بالضرورة الخوف والرعب بين الجميعً, حيث استطاعت هذه الأنظمة أن تجعل من هذا الخوف حالة شمولية حتى على من هم في أعلى مواقع السلطة نفسها, حيث تجدهم يخافون من بعضهم, او ممن ممن يشعرون بأنه يختلف معهم في الرأي قليلاً حتى ولو كان من صلب النسيج السياسي الذي ينتمون إليه.
إن سياسة التجهيل والتخويف والقمع المبرمجة, سيرافقها بالضرورة أيضاً, ظواهر سلوكية وفكرية واجتماعية ونفسية تعمل على خلق أجواء من انعدام الثقة بين المواطنين, وبالتالي المساهمة في انتشار وتجذير روح الرياء والكذب والتزلف والوشاية والانتهازية في وعيهم ونفسياتهم وسلوكياتهم .
وعلى الرغم من أن مجتمعاً تسود مثل هذه القيم والسلوكيات بين أفراده غير قادر في يوم من الأيام على تحريك ثورة جماهيرية ضد حكوماته, إلا أنه في المقابل أيضاً, من رابع المستحيلات أن تستطيع أنظمة أوصلت شعوبها إلى مثل هذا الدرك الأسفل من القيم, أن تستمر في سلطتها من خلاله أيضاً, وإن استمرت, فمن رابع المستحيلات أن تجعل منه أمة لها مكانتها في التاريخ.
لا شك أن أكثر الأمراض الاجتماعية خطورة, هي تلك التي تنشأ عادة عن تشوه تدريجي لكل ما هو عادي وطبيعي لدى الإنسان, إن هذه الأمراض التي تنشأ عادة عن زرع مثل تلك القيم الفاسدة في صلب نسيج المجتمعات وتعميمها, ستشكل مع مرور الأيام أمراضاً ذات أبعاد سرطانية في المجتمع, ليس من السهل بمكان بعد تفشيها أن تجد لها العلاج لتجاوزها أو الشفاء منها, وبالتالي فهي السياسة ذاتها وأمراضها السرطانية ستدمر الدولة والمجتمع.

كاتب وباحث من سورية/ لنشرة المحرر

5 يناير 2015