أكيد أن انصرام ثلاثة أعوام من عمر حكومة، بات المكتوون بنيرانها يلقبونها ب”حكومة الفضائح”، كان زمنا كافيا لاستفاقة السيد بنكيران من دوخة الانبهار، التي أقلته إلى أعالي البحار منذ أن وجد نفسه فجأة يتبوأ مقعد ربان السفينة، في ظل دستور هيأ له من الصلاحيات ما لم يتأت لأحد قبله، والشروع في ترجمة مضامين شعارات حزبه، المرفوعة إبان انتخابات 25 نونبر 2011 السابقة لأوانها، والوفاء بتعهداته الشخصية المرتبطة أساسا بمحاربة الفساد والاستبداد. غير أن الأمور سارت عكس مطامح المغاربة، وتحطمت آمالهم على صخور الواقع المر، حين تنكر لما التزم به من وعود، رافعا بدل ذلك شعار: “عفا الله عما سلف” لطمأنة المفسدين والمستبدين، والتستر على زلات بعض أعضاء حكومته…

فالأوضاع الاجتماعية في تفاقم مرعب، وتعيش على وقع احتقان متنام واحتجاجات سلمية متصاعدة، لم تجد الحكومة حيالها من حيلة لمواجهتها عدا اللجوء إلى القمع والقوة المفرطة في استعمال العنف، ضد المعطلين من حملة الشهادات العليا، وتشغيل آلية الاقتطاع السريع من رواتب الأجراء والموظفين المضربين.

وضدا عن الدستور، ألغى الرجل من مفكرته مفهوم المقاربة التشاركية، وبحس تحكمي وعناد مفرط، استفرد بالملفات الكبرى: المقاصة والتقاعد، واتخذ قرارات لاشعبية أضرت بالقوة الشرائية للطبقات المسحوقة والمتوسطة، عبر توالي الزيادات في المحروقات، وإلهاب أسعار المواد الاستهلاكية، بدعوى ضعف ومحدودية الموارد المالية، وغضه الطرف عن التملص الضريبي والأموال المهربة إلى الخارج، وتواصل المضاربات في كافة القطاعات خاصة في قطاعي الفلاحة والعقار وتفشي الفساد واقتصاد الريع… وبإغلاقه باب الحوار الاجتماعي، اضطرت ثلاث مركزيات نقابية وازنة إلى إضراب عام يوم: 29 أكتوبر 2014…

وكالمصابة بالشلل وخلل في السمع والبصر، أفلست الحكومة في تدبيرها شؤون البلاد ومصالح العباد، وحولت مدفعيتها جهة العمل النقابي وخنق الحريات الفردية والجماعية، بالتراجع عن المكتسبات والسعي إلى وضع قانون منع تنظيم الإضراب والاحتجاج السلمي، لتجريد الشغيلة من أهم أسلحتها الشرعية في حماية حقوقها وصون كرامتها، تشويه صورة المعارضة وإخراس أقلام الصحافة المستقلة، الملتزمة بقضايا المواطنين وليس تلك المنشغلة بتلميع حذاء رئيسها، والحد من حريتها في مراقبة عمل الوزراء وكافة الموظفين العموميين، متلفعة بفصول المتابعة الخاصة بالسب والقذف. وهكذا وجدت نفسها تلوذ بالمفرقعات الإعلامية لملء فراغاتها المتعددة، وصرف أنظار المواطنين عن أحوالهم البئيسة، في محاولات يائسة لإقبار الحقائق الناطقة بفشلها الذريع.

ففي الوقت الذي كان الناس يتساءلون حول مدى صحة ما تناهى إلى علمهم من أخبار، عن نية السيد مصطفى الرميد وزير العدل والحريات، في وضع قانون يجرم النقر على علامة “الإعجاب”، “j’aime” تحت أي مادة إرهابية عن قصد أو بدونه، باعتباره نوعا من الإشادة بالإرهاب، تباغتنا الحكومة بهدية مسمومة للاحتفاء بالسنة الميلادية الجديدة 2015، وهي عبارة عن خبر وارد بجريدة “الأخبار” الصادرة يوم الاثنين: 29 دجنبر 2014 بالعدد 653 الصفحة 12، أثار ليس فقط استغراب قرائها، بل كل المهتمين بالشأن العام وغيرهم من المواطنين. إذ في سابقة تعد الأولى من نوعها في تاريخ الحكومات المتعاقبة، يرفع ثلاثة وزراء دفعة واحدة دعاوى قضائية ضد مدير نشر هذه الجريدة السيد: رشيد نيني، متهمينه بالسب والقذف على خلفية مقالات سابقة أكدت الوقائع صحتها.

وتتعلق الشكاوى الثلاث بالتقصير والفساد في التسيير، تخص الأولى وزير النقل والتجهيز واللوجستيك السيد: عزيز الرباح، حول ما كتب عن وجود شبهات في عينات مختارة من قبل شركة أجنبية مكلفة بإنجاز الطريق السيار لآسفي الجديدة، فيما تهم المتبقيتان كل من وزير الشباب والرياضة السيد محمد أوزين، وزميلته في حزب “الحركة الشعبية” الوزيرة المكلفة بالبيئة السيدة: حكيمة الحيطي، ذلك أنه رغم فقدان الأول مصداقيته إثر تورطه في فضيحة ملعب الأمير مولاي عبد الله، خلال احتضان المغرب بطولة كأس العالم للأندية البطلة في كرة القدم، كبدت الدولة خسائر معنوية ومادية كبيرة تجلت في تسويق صورة سيئة عن بلادنا أمام المنتظم الدولي، رغم صرف 22 مليار سنتيم على إعادة تأهيل الملعب، وما ترتب عن قرار نقل المباريات المبرمجة في الرباط إلى مراكش، باتفاقه مع زميلته على رفع دعوتيهما، حول صفقات عمومية مبرمة بين قطاعات وزارية وجهات حزبية…

والأدهى أن رئيس الحكومة، أبدى موافقته الفورية على مقاضاة مدير الجريدة، دون تجشيم نفسه عناء التأكد من صحة أو زيف المعلومات الواردة في المقالات المعنية، ولا التساؤل بجدية وحيادية عما إذا كان من السهل على شخص في مستوى السيد رشيد نيني، الذي يعد من بين الصحافيين المغاربة القلائل المشهود لهم بالنزاهة والكفاءة، الساعين دوما إلى تنوير الرأي العام وفضح المفسدين، أن يختلق ملفات فساد وهمية للإساءة إلى آخرين، فهو يدرك أن اكتساب الشهرة والرفع من مبيعات الجريدة، لا يأتيان أبدا من ضرب المصداقية والتعرض للمساءلة والاعتقال. وبلا شك أن السيد بنكيران يتضايق مما يرد في العمود اليومي “شوف تشوف”، وإصرار صاحبه على إثارة ملفات حساسة حول أعضاء حكومته وسيرها، في حين أنه لا يعمل إلا على الاستجابة لنداء الضمير وليس لوسوسة العفاريت.

أليس السيد بنكيران من قال يوما بأن الفساد منظومة شائكة ومعقدة، لا يمكن تفكيك خيوطها ودك قلاع الاستبداد، إلا إذا تضافرت جهود جميع مكونات المجتمع كل من موقعه؟ فما الذي قام به مدير الجريدة عدا التنبيه للاختلالات القائمة، في محاولة جادة لتطهير البلاد من أدران الفساد القاتلة؟ ثم ماذا لو بادر المتضررون من “الإساءة”، إلى إصدار بيانات حقيقة مدعمة بالوثائق إلى الجريدة نفسها، وترك الحكم للمواطنين بدل الاختفاء وراء القضاء؟ فما يؤكد تطبيعه مع الفساد، أنه لم يقف عند حدود مقولته الشهيرة: “عفا الله عما سلف”، وإنما زاد بابتلاع لسانه عن فضائح عدة أبرزها شكولاتة الوزير عبد العظيم الكروج المكلف حاليا بالتكوين المهني، انهيار قنطرة إبان فيضانات الجنوب الشرقي لم يمض على إنجازها سوى أربعة شهور، وأغمض عينيه عن فضيحة ” الكراطة والبونج”، حين اعتبرها دون مستوى الكارثة الوطنية لولا تدخل الملك الحاسم لامتصاص غضب الشعب، فضلا عن معاقبة شاب بريء في قضية التبليغ عن تبادل المنح بين السيدين: صلاح الدين مزوار وزير المالية الأسبق، ونور الدين بنسودة الخازن العام للملكة، وها هو اليوم يبارك تقديم “ضحية” أخرى للمحاكمة، بدل محاسبة اللصوص الحقيقيين الذين نهبوا ثروات البلاد وأفقروا العباد !

فليتصدى شرفاء هذا الوطن، النابضة قلوبهم بحبه، والحريصون على خدمة الصالح العام، لهذه الحرب الشعواء ضد الحريات، تحصينا للمكتسبات وحفاظا على سمعته من التلويث في الداخل والخارج، وليستمر السير قدما نحو انتزاع المزيد من الحقوق وتحقيق الأمن والرخاء والاستقرار…