الدين في سياقه العام, هو جملة العقائد والرؤى والتصورات ولأفكار والمبادئ والرموز والطقوس التي يؤمن بها الإنسان ويعمل عبرها دائما على إعادة هيكلة نفسه وحياته المادية والروحية وفقا لأهداف متعالية وغايات نهائية قد حُددت له بشكل مسبق من قبل الإله. والدين أي دين له وظائف بالنسبة لحياة الإنسان, أهمها ربط الإنسان بالإله والعمل على نشر وتطبيق تعاليمه وأحكامه أولاً, ثم الحفاظ على حياة هذا الإنسان بكل دلالاتها وماله وعرضه ثانياً. بيد أن هذه الوظائف أو المقاصد الدينية تتمدد أو تستطيل كي تدخل في كل حياة الإنسان ومظاهرها في حالة التدين الذي يعني فهم الإنسان (الفرد والمجتمع) وممارسته للدين بناءً على تفسيره وتأويله للنص الديني المقدس بما يتوافق ومصالح هذا الإنسان المادية والمعنية, وكذلك الحفاظ على هذه المصالح وتنميتها وتطويرها.
من هذا المنطلق في فهمنا للدين والتدين, نستطيع التأكيد هنا على أن التدين هو محاولة أو محاولات دائمة من قبل الإنسان لخلق حالات من التطابق بين واقعه المتغير والمتحرك والمتبدل باستمرار, وبين سلطة النص الديني المقدس المفروض عليه من خارج التاريخ.
إن هذا السعي الدائم من قبل الإنسان لخلق حالات التوافق هذه بين مصالحه وحاجاته المستمرة والمتجددة دائماً, وبين النص الديني الثابت, جعلته يتجه في طريقين اثنين هما:طريق الجبر الذي لا خيار فيه لهذه الإنسان إلا الخضوع لسلطة هذا النص المقدس, والسير وفق أوامره التي فهمها أو فسرها وأولها له أجداده من السلف, وبالتالي العمل دائماً على ليّ عنق الواقع في كل حركته وتبدله كي ينسجم مع هذا النص المقدس, حتى لا تكون هناك بدعة في حياة الإنسان التي ستؤدي بدورها إلى الضلالة فالكفر. أو السير في طريق حرية الإرادة الإنسانية وتسخير العقل لإعادة النظر دائماً في النص المقدس, من خلال حكم العقل على هذا النص المقدس كي يفتح دلالاته اللامحدودة, على كل قضايا الحياة, خدمة لمصالح الإنسان وحاجاته التي لا تنضب.
أمام هذه المعطيات يتبين لنا كما أن للدين وظائفه , فللتدين وظائفه أيضاً يمارسها الإنسان في حياته, وتتحد طبيعة صحتها أو خطأها وفقاً لدرجة وعيه وتفسيره أو تأويله للنص الديني, ولمصالحه وموقفه من الحياة والآخرة معاً

أما أهم وظائف التدين فهي:

أولاً الوظيفة اللاهوتية للدين: وهي وظيفة تحدد طبيعتها ودلالاتها ودرجة عمقها علاقة الإنسان بالدين ذاته, لذلك فهي تتمظهر واضحة في حديثه وعلاقاته مع الآخرين وسلوكياته وطريقة لباسه وممارسته للطقوس الدينية. فهي عند المؤمن البسيط لا تتعدى تأدية الفرائض الدينية من صوم وصلاة وزكاة وصيانة لسانه وفرجه, وإن استطاع الحفاظ أيضاً على حقوقه وحقوق الآخرين المادية والمعنوية. أما عند الرجل الذي نذر نفسه لدينه وربه, فهي تأخذ بعداً وشكلاً آخر أكثر تطرفاً, وغالباً ما تتجلى هذه الحالة عند المتصوفة العرفانيين. فالمتصوف يعتبر الوظيفة الدينية لديه ذات أبعاد روحية ومعرفية (غنوصية), تدفع الإنسان إلى التخلي عن كل ما هو محسوس في هذه الحياة, كي يتفرغ كلياً لعبادته ومناجاته لله التي تُوصل البعض إلى مرحلة الشطح أو التطرف فكراً وسلوكاً, إن كان من حيث لباسه, أو حديثه, أو تفكيره, أو موقفه من الحياة المادية, أو النظر في حاجاته ورغباته, أو في رؤيته الفلسفية تجاه الله. هذه الرؤية التي توصل البعض إلى مرحلة وحدة الوجود, أو التوحد مع الله. وتاريخ التصوف ألعرفاني يعطينا نماذج لهذا النوع من التطرف نجدها عند الحلاج وذي النون والسهروردي ورابعة العدويّة وابن عربي. فمثل هؤلاء تركوا الحياة بما فيها وسلكوا طريق الجوع والتقشف ولبس الصوف والتوجه نحو الله بروحهم التي تسامت عن كل محسوس وغريزي. الأمر الذي جعل الكثير من معاصريهم, وبخاصة من كان لهم وظائف دينية تخدم السلطات الحاكمة, يجدون في هؤلاء المتصوفة خطراً على الدين نفسه من جهة, وخطراً على سلطة الحاكم الذي غالباً ما كان مستبداً, كونهم قد لمسوا عندهم مواقف تميل للفقراء والمحرومين والتضحية من أجلهم, وهذه المواقف تُهدد معاقل الحكام ومن يُسبح بحمدهم من جهة ثانية. وهذا ما أدى إلى قتل الكثير من هؤلاء الرجال المتصوفة تحت ذريعة الشذوذ والتطرف والشطح في علاقة الإنسان بربه.

ثانياً: التوظيف السياسي للدين: هي وظيفة متعددة الأغراض, يمكننا تحديد أبعادها في التالي:

1- الوظيفة الدعوية: وهي وظيفة يقوم بها رجال دين متخصصون في دراسة العقيدة وأصولها وأحكامها الشرعية, وغالباً ما يوظف هؤلاء الدعاة الذين يفسح لهم المجال واسعاً لنشاطهم الدعوي في الجوامع وقنوات الإعلام, من أجل نشر فكر ديني محدد غالباً ما يصب هذا الفكر نهاية المطاف في خدمة القوى السياسية الحاكمة ومنحها الشرعية.
2- الوظيفة المدخلية: وهي وظيفة يؤديها أيضاً نخبة من رجال الدين المتخصصين في فهم العقيدة بكل أبعادها, وهذه الوظيفة تتجسد في خدمة مؤسسات الدولة الدينية, فهم موظفون دولة يؤدون وظائف دينية خدمة لهذه الدولة وما تمثله من قوى طبقية.
3- الوظيفة الجهادية السلفية: وهي وظيفة تؤديها قوى اجتماعية غالباً ما تكون ذات طابع تنظيمي أو حزبي, تعمل خارج نطاق الدولة, وتتخذ في حركتها التنظيمية والجهادية طابعاً سرياً.
تنطلق وظيفة هذا التيار, من أن هناك خالقاً لهذا الكون بكل ما فيه وعلى رأسه الإنسان, الذي خلقه الله فسواه فعدله, وبالتالي رسم له طريقه في لوح محفوظ من ولادته حتى مماته, وهو الذي أنزل عليه القرآن ليبين له ماذا له من حقوق وما عليه من واجبات, وبالتالي ما عليه إلا أن يطبق ما جاءه في هذا القرآن, الذي عرفت فيه الأجيال الأولى من الصحابة الصراط المستقيم, وعليه الاقتداء بهم والخلاص من كل مفاهيم الجاهلية (الوضعية) التي ابتدعها الإنسان وادعى بأنه قادر بها أن يحدد مصيره بنفسه . ومن خلال هذا المنطلقات جاءت الحاكمية ومن هم مسؤولون عن تطبيقها من النخب التي نذرت نفسها لفهم هذه العقيدة والعمل على تطبيقها فكراً وممارسة ولو بحد السيف.
4- الوظيفة الجهادية العقلانية: نجد في هذا الاتجاه تياراً آخر في هذه الوظيفة الجهادية, وهو التيار أو الاتجاه المقاوم, الذي اتكأ دينياً على العقل وحرية الإرادة الإنسانية, والقدرة على فتح النص المقدس بكل دلالاته الإنسانية, حيث وجد في الدين منهجاً إنسانياً وروحياً قابلاً لفهم الحياة في كل مستجداتها ومستوياتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية, وأهم قضية هي القدرة على تطبيق مقاصد الدين الأساسية في حفظ حياة الإنسان وماله وعرضه وأرضه. تُمثل هذا الاتجاه في الحقيقة, تجربة حزب الله المقاوم في لبنان.

ثالثاً: الوظيفة الاجتماعية (السوسيولوجية):

وهي وظيفة تقوم على أسس أخلاقية في الغالب, حيث أن الأخلاق الدينية هنا ذات طابع معياري, وهي صالحة لكل زمان ومكان, كونها ذات طابع رسم حدودها النص المقدس, وبالتالي فإن التمسك بها وتأديتها, تضفي طابع المصداقية على من يتمثلها. من هنا تأتي وظيفة الدين الاجتماعية, ذات طابع براغماتي (نفعي), إما لإرضاء الله والحصول على مكافأة الجنة, أو لإرضاء المجتمع وتحقيق منافع شخصية حياتية. فكم من إنسان حج إلى بيت الله كي يستغل صفة (الحاج) التي تعطيه مصداقية أمام المجتمع وعلاقاته. وكم من إنسان كان منحرفاً في أخلاقه فتاب إلى الله, واستطاع بتوبته تبيض أخلاقه بتربية دقنه وحمل سبحته ومسواكه, أو في صلاته وصيامه…إلخ.

رابعاً: الوظيفة الثقافية:

وهي برأي الوظيفة الأكثر تعقيداً, والأكثر خطورة على حياة الفرد والمجتمع, كونها تشكل حاجزاً أمام إبداعات الإنسان. فالثقافة كما نعرفها هي كل ما قام الإنسان بإنتاجه تاريخياً عبر علاقته مع الطبيعة المجتمع من قضايا مادية وروحية بما فيها قابليات الإنسان ومهاراته الفكرية والعضلية التي اكتسبها عبر تلك العلاقة التاريخية. وإذا كان الدين بمفهومه السلفي يسمح بممارسة النشاطات العملية للثقافة في الزراعة والصناعة والتجارة, إلا أنه يحد كثيراً من ممارستها عبر إبداعات الإنسان الروحية أو المعنوية, كالفن والأدب والفلسفة وتشغيل العقل ومهاراته في التحليل والتركيب من أجل ابتداع الحلول الكفيلة لتخليص الإنسان من العذابات التي يولدها لنفسه أثناء إنتاجه لخيراته المادية, حيث يتحقق ضياعه وغربته واستلابه وتشييئه عبر هذا الإنتاج.
لقد حارب الدين بفهمه السلفي هذا, الفن الذي يمثل جسد الإنسان, كون هذا التجسيد برأيهم يمثل حالة وثنية قام الإسلام بمحاربتها, وبذلك قتلوا إبداعات الإنسان الفنية تحت مفهوم الحرام. وهذا ينطبق على تناول الفلسفة التي تحرك عقل الإنسان الذي يميز من خلاله بين الصح والخطأ, فقالوا إن الفلسفة تؤدي إلى الإلحاد, وكذلك حاربوا الفن القصصي, تحت ذريعة أن القرآن يقص علينا أحسن القصص.. وهكذا بمثل هذه الوظيفة القمعية للثقافة بإسم الدين, قد تم القضاء تاريخياً على أهم إبداعات الإنسان ومهاراته التي هي وحدها من يستطيع العودة به دائماً إلى مرجعيته الإنسانية, ليفسح في المجال واسعاً أمام ثقافة كره الحياة والتعصب والشعور بالتفوق على الأخر المحتلف ليس في الدين فحسب, بل وفي العقيدة ذاتها التي تحولت إلى مذاهب وفرق عدّة. هذا إضافة إلى اجترار ثقافة أحادية الجانب تجاوزها الزمن منذ ألف عام ونيف, هذه الثقافة التي أُعطيت صفة التقديس, وتحولت مع مرور الزمن إلى جزء من التكوين النفسي والأخلاقي والوجداني والمخيالي للفرد والمجتمع, الأمر الذي جعل الكثير من المسلمين يعيشون حالات من الانفصام والازدواجية ما بين قيم العصر الذي يعيشونه, وهي القيم التي تفرض نفسها بالقوة على حياتهم اليومية المباشرة, وبين قيم الماضي التي تغذي قلوب وعقول الناس عبر المدرسة والإعلام والجامع, كي تعمل دائماً على إعادة إنتاج عالم الغيب بديلاً من عالم الشهادة, عالم كره الحياة بدلاً من عشقها, عالم حور العين وسواقي الخمر والعسل واللبن, وجنان الخلد, بدلاً عن عالم الأرض التي أمر الله تعالى أن يكون الإنسان فيها خليفة له.

كاتب وباحث من سورية/ لنشرة المحرر

14 يناير 2015