عن موقع فلاش بريس

14 يناير 2015

وهكذا تحول شعار «محاربة الفساد والاستبداد» إلى «عفا الله عما سلف»، وأصبح الحزب الفاسد حليفا سياسيا، وتحول المنافقون إلى أصدقاء والأصدقاء إلى أعداء، وحتى رفيق درب بنكيران الحميم عبد الله باها لم يسلم من تقلب مزاج هذا الأخير، وقبل أن تحل أربعينية الراحل بدأ يذكر مساوئه بعدما ضاق ذرعا بذكر الجميع لمناقبه. فعوض لقب «الحكيم» ألصق به لقب «العسري»، وعوض المتعقل والمتزن ألصق به الثقيل والرجل الذي لم يكن ينجح في كل شيء يضع فيه يده التي لم يكن يتحكم فيها جيدا.
حتى الشجاعة أصبح لها معنى آخر مع بنكيران، خصوصا بعدما اعتبر سعادته ما قام به الوزير السابق في الشباب والرياضة، أوزين مول حفرة الزين الذي أعفاه الملك، شجاعة سياسة كبيرة.
والكارثة أن رئيس الحكومة لم يغير فقط من معنى كلمة الشجاعة، بل إنه حور مغزى بلاغ الديوان الملكي الذي يتحدث عن إعفاء وزير الشباب والرياضة انسجاما مع الفصل 47 من الدستور، فيما رئيس الحكومة في كلمته بمناسبة انعقاد المجلس الحكومي تحدث عن استقالة وزير الشباب والرياضة.
وفي الوقت الذي يتحدث بلاغ الديوان الملكي عن تحمل وزير الشباب والرياضة، إلى جانب الشركة، للمسؤولية الإدارية والسياسة لفضيحة ملعب مولاي عبد الله، نجد أن رئيس الحكومة يتحدث عن المسؤولية السياسية التي تحملها وزير الشباب والرياضة بشجاعة سياسية كبيرة عندما استقال من وزارته.
أمام هذه الواقعة يمكن تخيل أمرين لا ثالث لهما، إما أن رئيس الحكومة لم يقرأ جيدا بلاغ الديوان الملكي، وإما أنه قرأه جيدا وفهمه جيدا ويتغابى.
والهدف طبعا من هذا التغابي هو إبعاد رقبة أوزين من حبل القضاء، حتى يحافظ على حلفائه الحركيين داخل حكومته، ولا يضطر إلى رؤية حزب حليمة والعنصر يغادر تاركا مكانه في تعديل حكومي لحزب جديد قد يكون الأصالة والمعاصرة.
لقد كان المفروض في رئيس الحكومة، وانسجاما مع احترام القانون والدستور، أن يقول إن إعفاء وزير الشباب والرياضة جاء نتيجة للبحث الذي أنيط بالدرك الملكي والذي أثبت أن وزير الشباب والرياضة يتحمل المسؤولية السياسية والإدارية للفضيحة التي شوهتنا أمام العالم.
وبعد ذلك على وزير العدل والحريات أن يأمر النيابة العامة بتفعيل المتابعة القضائية مع الشركة والمواطن أوزين الذي لم يعد يحظى بمنصب وزير، خصوصا وأن بلاغ الديوان الملكي كان واضحا وأشار إلى أن الإعفاء جاء نتيجة لمسؤولية الوزير في ما حصل.
لكن يبدو أن السيد رئيس الحكومة فالح فقط في إعطاء الأوامر لوزيره في العدل من أجل تحريك المتابعة القضائية ضدنا كلما اشتكى إليه وزير مما نكتب حوله، وآخرهم أوزين نفسه الذي أعطاه رئيس الحكومة الإذن بمقاضاتنا، وأمر وزيره في العدل بمراسلة وكيل الملك بالدار البيضاء من أجل البحث معنا حول ما كتبناه بصدد أوزين وفضائحه.
ومن حسن الحظ، و«رضاة الوالدين»، ها هو البحث القضائي وبلاغ الديوان الملكي يعطينا الحق ويعصف بأوزين من منصبه. ولو أن أمرا أعطي للدرك الملكي للبحث بشأن ما نشرنا حول وزير التجهيز الرباح وصفقات وزارته مع الأتراك وشركاتهم، ومع وزيرة البيئة حكيمة حيطي، لكانت الأبحاث ستعطينا الحق، ولكان الوزيران انتهيا متابعين عوض متابعتنا نحن.
وهكذا عوض أن يأمر رئيس الحكومة وزيره في العدل بمتابعة المواطن أوزين بعدما أشار بلاغ الديوان الملكي بوضوح إلى مسؤوليته في ما حدث، فضل هذا الأخير أن يعطيه شهادة البراءة، بل إنه أعطاه شهادة حسن السيرة والسلوك عندما وصف خروجه المذل من الحكومة بالشجاعة السياسية.
وإذا كان ما قام به أوزين شجاعة سياسية بنظر رئيس الحكومة، فنحن صراحة لا نعرف كيف يكون الجبن السياسي.
وكل ما نعرفه أن الشجاعة السياسية هي ما يعوز رئيس الحكومة ووزراء حزبه. فقد هددوا طوال سنوات من إقامتهم في الحكومة بتقديم استقالاتهم في حال عدم استطاعتهم محاربة الفساد، وها نحن نرى كيف رفعوا جميعهم باستسلام الراية البيضاء في وجه المفسدين، وأصبحوا لا يجرؤون على التطاول سوى على الضعفاء والبسطاء وكل من لا حول ولا قوة لهم، ومع ذلك عضوا على المقاعد بالنواجذ وأخرجوا عيونهم من محاجرها في وجه كل من يطالبهم بالتحلي بالشجاعة السياسية وتقديم استقالتهم.
ولطالما سمعنا رئيس الحكومة بنفسه يقول إنه لولا وجود عبد الله باها إلى جنبه لكان قدم استقالته وسحب حزبه من الحكومة، وها قد رحل عبد الله باها إلى دار البقاء، فما الذي لازال يشد رئيس الحكومة ووزراءه إلى مقاعدهم الوثيرة؟
سيقول لنا إن ما يشده هو الشجاعة السياسية، فالشجاعة السياسية بالمفهوم الكيراني هي قبول الذل وتجرع الهوان والتطبيع مع الفساد وأباطرته، ونفخ الأوداج أمام الميكروفونات في التجمعات العامة، وتهديد الطبقة العاملة والوسطى بالويل والثبور وعظائم الأمور.
وإذا كان رئيس الحكومة يخلط بين الجبن السياسي والشجاعة السياسية، فليسمح لنا أن نوضح له أن الفرق بين الاثنين مثل الفرق بين السماء والأرض.
الشجاعة السياسية هي تلك التي تحلى بها عبد الرحيم بوعبيد، رحمه الله، عندما وافق المغرب على شروط إجراء استفتاء لتقرير المصير في الصحراء المغربية. فرفض بوعبيد الموافقة على هذا الأمر، فألقي القبض عليه وحوكم بسنة حبسا قضى منها شهرا في ميسور. وفي المحاكمة، قال عبد الرحيم بوعبيد «هذه المحاكمة سيكون لها تاريخ، فأنتم لكم الأمر، ونحن نقول رب السجن أحب إلي من أن ألتزم الصمت وألا أقول رأيي في قضية مصيرية وطنية»، وها قد أعطى الزمن لعبد الرحيم بوعبيد الحق سنوات بعد رحيله.
الشجاعة السياسية هي تلك التي قام بها امحمد بوستة، أطال الله في عمره، عندما رفض المشاركة بحزب الاستقلال في حكومة تصرف فيها إدريس البصري وكريم العمراني بالتزوير، في وقت كان فيه الحسن الثاني رحمه الله قد أعطى ضمانات بشفافية الانتخابات.
الشجاعة السياسية هي تلك التي تحلى بها سليل قبائل شتوكة آيت باها الأحرار، المناضل بنسعيد آيت إيدر، عندما فضح وجود معتقل تازممارت من قلب البرلمان، في وقت كان فيه جميع زعماء الأحزاب لا يفتحون أفواههم إلا عند طبيب الأسنان، ممتنعين عن الخوض في هذا الموضوع رغم علمهم بوجود المعتقل البشع. 
والشجاعة السياسية أخيرا هي تلك التي كان على رئيس الحكومة وحزبه أن يتحلوا بها ويضعوا المفاتيح ويغادروا الحكومة عندما اقتنعوا بأنهم لن يطبقوا شعارهم الذي جاؤوا من أجله، والذي هو «محاربة الفساد والاستبداد».
أما الجمع بين المنصب الوزاري وامتيازاته من راتب وتعويضات وخدم وحشم وسيارات، وبين البكاء والعويل والشكوى من التماسيح والعفاريت، فليس من الشجاعة السياسية في شيء، بل هو التجسيد الحي للجبن والنفاق والانتهازية والوصولية السياسية.
نقول عن وزير إنه شجاع سياسيا عندما يبادر إلى تقديم استقالته بمحض إرادته، بمجرد ما يرى أن هناك من يعرقل تنفيذه لبرنامجه الوزاري، أو لأنه يرى أن رئيسه في الحكومة يفرض عليه القيام بأشياء تتعارض مع قناعاته الشخصية والسياسية.
أما عندما تتم إقالة وزير لثبوت مسؤوليته في فضيحة، كما هو الحال بالنسبة لأوزين، فهذه لا تسمى شجاعة سياسية، يا سعادة رئيس الحكومة، بل جريمة سياسية يجب أن يخضع مرتكبها للمتابعة القانونية انسجاما مع الفصل الدستوري الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة.
فكن شجاعا ولو لمرة واحدة في ولايتك يا سعادة رئيس الحكومة، وطبق القانون والدستور، وإذا لم تستطع فأغلق فمك على الأقل، وذلك أضعف الإيمان.