الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية
كلمة الكاتب الاول في
الجمع العام للمؤسسة الاشتراكية للدراسات والأبحاث
يوم الخميس 15 يناير 2015

الاخوة والأخوات الأعزاء،

ضيوفنا الكرام،

unna

أود في البداية أن أتقدم اليكم جميعا بخالص الشكر والامتنان على تلبيتكم لدعوتنا وتشريفنا بحضوركم معنا في هذا الاجتماع الهام الذي يشكل محطة أساسية في تنفيذ احدى التزاماتنا الأساسية بخصوص استعادة المبادرة في المجال الفكري وفي مجال ربط السياسة بالمعرفة، لأنه كما لا يخفى عليكم فان اعادة الاعتبار للسياسة لا يمكن أن يتم إلا بناء على ربط العمل السياسي بالعقل و بالإنتاج المعرفي، وعلى ربط الفعل السياسي بالمجهود الفكري وبمستجدات البحث العلمي.

اننا في المدرسة الاتحادية بقدر ما نعتبر أن المعرفة بدون سياسة قد تكون مجرد خبرة جوفاء، فإننا في نفس الآن نعي تمام الوعي أن السياسة بدن معرفة هي مجرد ممارسة عمياء، وبالتالي فان الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لايمكن أن يجدد مشروعه وأن يسنهض قوته، وأن يكون في مستوى انتظارات الوطن والمواطنين، بدون أن يستند الى اجتهادات فكرية في مرجعيته الاشتراكية الديمقراطية، وبدون أن يتشبع بثقافة سياسية جديدة مبنية على النظر العقلي وعلى البحث العلمي، ومنتجة للبدائل الممكنة، المدعمة بالخبرات المتخصصة وبالأبحات التشخيصية والدراسات التقويمية.

وإذا كنا اليوم نسعد بإتاحة هذه الفرصة لتبادل الرأي وتعميق النقاش حول هذا الترابط الجدلي بين المعرفة العلمية والممارسة السياسية، فإننا في نفس الآن نتوخى أن يكون هذا الاجتماع مناسبة طيبة لإعطاء الانطلاقة نحو خلق فضاء مستقل للتفكير والإنتاج المعرفي، فضاء قائم بذاته متكامل في أركانه، فضاء تستطيعون من خلاله المساهمة الناجعة في الترشيد الفكري لبرامجنا السياسية الاتحادية، والمساهمة الوازنة في انتاج الأفكار الخلاقة وإعداد المشاريع التنموية ، التي ما أحوجنا اليوم اليها في زمن التحولات المتسارعة، وفي زمن التغيرات العميقة التي تجعل السياسة مجالا للاجتهاد والابتكار بامتياز.

وإذا كنا اليوم نوطد عزمنا بوضوح ودون تردد أو التباس من أجل انشاء مؤسسة للأبحاث والدارسات مستقلة الكيان تقدمية التوجه ، فان ما يضاعف من عزمنا هو أن تكون هذه الخطوة الثابتة التي نخطوها اليوم، مندرجة في صميم الدينامية العامة التي يشهدها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية منذ مؤتمره الوطني التاسع ، وفي صميم أجواء الانبعاث الشامل الذي يعيشه حزبنا بعد سنوات من الانهاك الذي أصابه جراء تحمله الشجاع لكلفة الانتقال السياسي العسير ببلادنا .

لقد قطعنا حقيقة أشواطا هائلة وحاسمة في استعادة المبادرة، وتمكنا فعلا من استرجاع زمام المبادرة على مستوى امتداداتنا الاجتماعية وعلى مستوى مسؤولياتنا التمثيلية وعلى مستوى التزاماتنا الوطنية، وها نحن اليوم نجتمع من أجل تنفيذ قرار أساسي من قرارات مؤتمرنا الوطني التاسع، وهو القرار المتعلق بإنشاء مؤسسة بحثية مستقلة تضطلع بإنتاج البرامج والأفكار التي تمكن الحزب من تجديد مشروعه المجتمعي في ضوء التطورات التي تحفل بها الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية داخل وخارج بلادنا، مؤسسة رائدة ذات شخصية معنوية تنكب كذلك على اعداد وانجاز برامج للتكوين والتأهيل لفائدة الأطر الاتحادية، بغاية تعزيز قدراتها والرفع من كفاءاتها، لتستطيع تحمل مسؤولياتها الحزبية و الانتدابية على أحسن وجه .

ولعل بعضكم يتساءل في هذه اللحظة لماذا لم نكتفي بتفعيل واعادة هيكلة المؤسسة الاشتراكية للأبحاث والدراسات التي أنشأناها في أعقاب المؤتمر الوطني السابع والتي حملنا مسؤولية رئاستها لأخينا الدكتور محمد جسوس رحمة الله عليه، انه تساؤل مشروع ومطروح في صميم هذه اللحظة التأسيسية، ونحن من جهتنا لابد أن نوضح أن هذه المؤسسة جاءت في صيغتها وطرق اشتغالها استجابة لسياق خاص في حياتنا الحزبية والوطنية ، وأنها أدت مهمتها المنوطة بها قدر المستطاع، سواء فيما يخص تنشيط الحوار الداخلي حول البرامج الاقتصادية والاجتماعية للاتحاد الاشتراكي ، أو فيما يخص اشراك المثقفين والباحثين في فتح بعض الملفات الكبرى التي تستأثر باهتمام الراي العام الوطني.

لكننا أدركنا في غمار هذه التجربة ، ومن خلال اطلاعنا على تجارب أحزاب اشتراكية ديمقراطية صديقة، وكذلك بفضل المشاورات الناضجة التي أجرينا مع عدد من أطرنا وكفاءاتنا الاتحادية، أدركنا أن طبيعة العمل الحزبي وخصوصية البحث العلمي ونوعية التحديات المطروحة أمامنا ، كل ذلك أصبح يفرض علينا اعادة النظر ليس فقط في صيغة المؤسسة العائلية ، ولكن أيضا في صيغة المؤسسة الحزبية.
وفي سياق هذه المراجعة كان واضحا أن “المؤسسة الاشتراكية للأبحاث والدراسات” لم تكن في الحقيقة مؤسسة بمعنى الكلمة لا في وضعها النظامي ولا في منهجية عملها، وانما كانت مجرد هيئة حزبية ضمن هيئات وهياكل الحزب المتعددة، لا تتوفر على ادارة مستقلة ومسؤولة، ولا على ميزانية خاصة ومضبوطة ، ولا على برامج تعاقدية ومنتجة.

لذلك فان قناعتنا اليوم هي أن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في حاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى الى مؤسسة بحثية مستقلة، تربطه بها علاقة تعاقدية قوامها الشراكة والدعم والمصاحبة، علاقة تقوم على أساس احترام المسافة الضرورية بين الممارسة الحزبية والعمل الفكري، وتنطلق من المرجعية الفكرية والقيمية المشتركة والمتمثلة في مبادئ الديمقراطية والنزعة الانسانية والتوجه الحداثي العقلاني، اضافة الى الرصيد الاشتراكي الديمقراطي في مجال الحكامة والتنمية والعدالة الاجتماعية وحقوق الانسان.

أخواتي اخواني الأعزاء،

لا شك انكم تلاحظون كيف يتزايد الاهتمام بمراكز الأبحاث والدراسات على الصعيد العالمي وبشكل واضح وملحوظ في العقود الأخيرة من نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين،. فقد أصبحت هذه المراكز تمثِّل أحد الدلائل الهامّة على تطور الدولة وتقييمها للبحث العلمي واستشرافها آفاق المستقبل؛ وذلك وفق المنظور المعرفي لتطور المجتمعات الإنسانية عمومًا، وانطلاقا من اعتبار تلك المراكز ركنا أساسيا في المنجزات الحضارية والنهضوية والثقافية، وعنوانا للتقدم وأحد مؤشِّراته الأساسية في التنمية ورسم السياسات العمومية.

لقد أصبحت عملية دراسة القضايا والمشكلات التي تواجه المجتمع والدولة وتحليلها، من أهم الأدوار التي تضطلع بها المؤسسات البحثية عموما؛ إذ تهدف من خلالها إلى معرفة أسباب الظواهر الاجتماعية والوقائع السياسية، والى استشراف الآفاق وبلورة الرؤى والمقترحات العلمية المتعلّقة بها، ووضع الحلول المناسبة لها، بل ان هذه المراكز البحثية أصبح لها دور رائد ومتقدم في قيادة السياسات العالمية، وصارت أداة رئيسة لإنتاج العديد من المشاريع الاستراتيجية الفاعلة.

وفي العديد من الأقطار الديمقراطية المتقدمة أصبحت مؤسسات الأبحاث ومراكز الدراسات جزءا لا يتجزّأ من المشهد السياسي والتنموي، وقد لا نبالغ إذا قلنا إن لها دورا أساسيا في نهوض الأمم وتَقدُّم الشعوب نحو تحقيق أهدافها، وقد ارتقت تلك المؤسسات المدنية إلى حدّ أصبحت فيه أحد الفاعلين في رسم التوجهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية وأحد المؤثِّرين فيها، وأحد المشاركين في وضع الحلول لها؛ وذلك من خلال توظيف البحث العلمي في خدمة قضايا المجتمع، بتقديم الرؤى وطرح البدائل والخيارات، بما يدعم عمليات صنع القرارات ورسم السياسات.

واذا استعرضنا بعض التجارب المعاصرة سنجد في هذا السياق تنامي المؤسسات البحثية القريبة من الأحزاب السياسية وخصوصا منها الاشتراكية -الديمقراطية، بحيث أنها اكتسبت خبرةً واسعةً ونجاحا باهرا ومكانة عالمية مرموقة، كمؤسسة فريدريك ايبرت القريبة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني ومؤسسة جان جوريس القريبة من الحزب الاشتراكي الفرنسي ومؤسسة ايدياس القريبة من الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، ومؤسسة أولف بالم القريبة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي السويدي، وكلها مؤسسات أصبحت تؤدّي دورا بارزا في إعداد الدراسات، وتحليل السياسات العامة والقضايا الهامة، وتحديد أولويات القضايا الاستراتيجية، وأضحى لها تأثير مباشر وغير مباشر على صنع القرار السياسي لدى هذه الأحزاب وعلى مدها بما يسعفها من مشاريع وأفكار وبدائل .

غير أن الدور الذي اضطلعت به بعض المؤسسات البحثية القليلية في المجتمع المغربي، هو دور مختلفٌ عمّا هو عليه الأمر في المجتمعات الغربية؛ وذلك بسبب المعيقات والمصاعب والتحديات التي تواجهها، مما جعلها لا تتبوّأ مكانها الحقيقي، ولا تمارس دورها الحيوي في المشاركة في صنع القرار أو في تقديم ما يلزم من رأي استشاري ومن دراسات رصينة، ليس بسبب عجزها عن أداء هذا الدور، ولكن أساسا بسبب ابتعادها عن منطق المؤسسة واشتغالها تارة بمنطق العائلة وتارة أخرى بمنطق الحزب.

اننا في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية نسائل اليوم أنفسنا أين نحن من تلك الأطروحات والاجتهادات التي ابتكرتها الحركة الاشتراكية-الديمقراطية العالمية التي نحن جزء لا يتجزأ منها، وما موقع السياسات العمومية التي نهجناها في اطار حكومة التناوب التوافقي من مرجعيتنا الاشتراكية الديمقراطية، سواء في مجال البيئة والتربية و الثقافة، أوفي مجال الاقتصاد و الهجرة والعدالة .

اننا نحتاج كذلك الى تدقيق المشروع الاقتصادي الاجتماعي الذي سيحقق التنمية الضرورية لبلادنا في هذه الظرفية بالذات، المتميزة بغياب أية رؤيا واضحة لدى الحكومة الحالية، كما نحتاج الى تقديم النموذج البديل لسياسة الارتجال التي تطبع برامج محاربة الفقر و الأمية .

ولابد أيضا أن نتوفر على مقاربة شاملة وناجعة في مجال التهيئة اللغوية في بلادنا وفي مجال تدبير التوع الثقافي، ولا بد انطلاقا من مرجعيتنا التقدمية الحداثية أن نقدم البديل الأنجع للمدرسة العمومية المستجيبة لحاجيات المجتمع ولمتطلبات العصر.

كل هذه المواضيع و غيرها تشكل في ضوء الدستور الجديد و ما يطرح علينا من مستلزمات تشريعية، قضايا ملحة تستوجب الحلول والبدائل.، ولكنها قبل ذلك تستوجب تفعيلا للمعرفة العلمية وللتأطير الفكري والبحث التخصصي ، ونحن نعتبر أن مؤسسة الأبحاث والدراسات بالمواصفات العامة التي أشرت اليها، هي المجال الأمثل لإنتاج المعرفة الضرورية، وللربط بين الوقائع الميدانية، والتحليل النظري، والخيار السياسي.

لقد قررنا في قيادة الحزب أن نترك لكم المجال واسعا ومفتوحا للتفكير وللاجتهاد والتوافق حول الصيغة المثلى لإخراج هذه المؤسسة الى الوجود ، وسوف نضع رهن اشارة هذه المؤسسة مقرا لائقا وادارة مداومة وميزانية مناسبة ، وذلك في نطاق برنامج تعاقدي يدقق الالتزامات ويوضح الأهداف و الوسائل.

نحن لا نحتاج اليوم أيتها الاخوات أيها الاخوة الى هيئة فكرية تابعة للتنظيم الحزبي، و لا نراهن في نفس الوقت على لجان بحثية هاوية ، ولا حتى على دوائر أكاديمية مغلقة، اننا نراهن أشد ما يكون الرهان على تعبئة تقدمية لذكاء جماعي في نطاق مؤسسة مستقلة.

وان الكفاءات البارزة والشخصيات المرموقة الحاضرة معنا اليوم لقادرة على ربح هذا الرهان وعلى تحقيق المراد.

ولكم جزيل الشكر على انتباهكم

1