عن صحيفة العرب إبراهيم الجبين /نُشر في 18/01/2015،/

ليست سوى ألمانيا الشرقية، التي تربّت على الثقافة الاشتراكية، ووحدة المجتمع والعدالة والمساواة، ليست سوى تلك الدولة القديمة الفقيرة التي قيل إن ألمانيا اشترتها من العالم، كي تحقق حلم الوحدة بين أرجاء الدولة الاتحادية الألمانية، ولتشيع فيها المستوى الاجتماعي والاقتصادي ذاته الذي عرفه سكان ألمانيا الغربية، هي اليوم من يرفع الشعارات المعادية للأجانب واللاجئين، وبالأخص المسلمين منهم.

في مدينة درسدن التي تطوّر الأمر فيها قبل أيام قليلة إلى قتل أحد المسلمين، على يد المتعصبين، ظهرت حركة بيغيدا، وهي اختصار لعبارة “مواطنون أوروبيون ضد أسلمة الغرب”، وحده اسم تلك الحركة يقول كل شيء، إذن هم مجموعة من الأوروبيين، لديهم صفة المواطنة، التي تستدعي في الأّذهان الحقوق والأصالة، وهم ضد، في مواجهة، على النقيض، وفي حرب مع ما سمّوه أسلمة الغرب، أي صبغه بصبغة الإسلام، وقد تعني هذه الأخيرة كل المعاني المتصلة بالمسلمين في الغرب، التزايد السكاني، منح تأشيرات الدخول، منح الجنسيات، الاختلاط، التعليم، العادات والتقاليد، العمالة، الحجـاب إلى آخر القائمة.

الاثنين الأسود

توافق ناشطو بيغيدا بداية الأمر على التظاهر كل يوم اثنين، للتعبير عن رفضهم لأفواج اللاجئين الذي تدفقوا من مناطق النزاع في العالم، العراق والصومال وأخيراً سوريا، وقد بدأت تلك التظاهرات بأعداد متواضعة، ثم برز نشاط مكثف لناشطيها عبر استعمال وسائل التواصل الاجتماعي، الفيسبوك والتويتر، وكذلك عبر توزيع المناشير والكتيبات والأسطوانات في الشوارع وعلى المارة، تلك المنتجات تتحدث عن خطورة أسلمة أوروبا، وعن ضرورة حفظ الهوية الألمانية، وإن كانت اللغة المستخدمة في تلك الوسائل، مختلفة عن اللغة النازية المعروفة تاريخياً، ولكنها ليست منفصلة عنها تماماً.

سارع المجتمع الألماني والحكومة إلى اتخاذ موقف واضح مضاد لحركة بيغيدا، وخرجت مظاهرات مضادة في وجه العنصريين، للتأكيد على قيم المجتمع المدني الألماني المؤمن بالتعدّد والتسامح والتنوع، واستنفرت ميركل وحزبها لمحاربة الخطاب العنيف،على الأقل لفظياً، الذي بدأت بيغيدا باستخدامه، ولم يكن قد وصل عدد متظاهري بيغيدا في درسدن حتى الأسبوع الثاني من هذا الشهر يناير ـ كانون الثاني إلى أكثر من ثمانية عشر ألف متظاهر، لا يشكلون سوى نسبة ضئيلة جداً من أكثر من ثمانين مليون ألماني.

مبادئ بيغيدا

بدأت بيغيدا كصفحة فيسبوك، أسسها الألماني لوتز باخمان، وهو متخصص في الطبخ، تمت إدانته بعدة جرائم من قبل، لم يكن أقلها إدمان وتجارة المخدرات، وبسبب تلك الإدانة حوكم باخمان ودخل السجن، قبل أن يخرج ويؤسس حركته السياسية، التي تقول إنها تدافع عن مبادئ العالم الغربي اليهودية والمسيحية، في الحياة، وأنها ضد العنصرية، وضد التطرف الديني، وضد اضطهاد المسلمين المعتدلين “المندمجين”، ولكن تلك الشعارات هي ذاتها الشعارات التي تستعملها كل الحركات العنصرية في العالم، لا سيما الحركة النازية في الثلث الأول من القرن العشرين، شارك في أول مظاهرات بيغيدا خمسمئة شخص، ثم انخرط في صفوفها طيف متعدد من مختلف الأحزاب السياسية الكبيرة الألمانية، فاستشعر قادة تلك الأحزاب الخطر، حين تمكنت حركة غير فكرية، من سرقة أعضائها وإسماعهم النغم الذي يطربون له، خاصة حين بدأت بيغيدا ترفع صورة للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وهي ترتدي الزي الإسلامي وقد كتب تحتها “سيدة ميركل هنا الشعب”.

ثم بدأت أفواج من مشجعي كرة القدم الشباب (الهوليغنز) بالانضمام إلى بيغيدا، وتمكنت من جذب دعم حزب البديل السياسي الألماني، ورئيسه بيرند لوكيه المعادي لليورو والذي يزاحم بيمينيته الأحزاب العريقة في ألمانيا، ويرفض فكرة الاتحاد الأوروبي، ويعرف عنه انغلاقه الشديد، بالإضافة إلى المجموعات النازية المتفرقة في ألمانيا، والتي باتت تقف خلف بيغيدا بقوة اليوم.

بيغيدا بعد شارلي إيبدو

جاءت أحداث شارلي إيبدو، والهجوم الإرهابي الذي تعرّضت له الصحيفة الساخرة، على يد الجزائريين الكواشي، لتصب الزيت على نار بيغيدا، وكأنها كانت الوقود المطلوب لإشعال طاقتها وزيادة أعداد المنضوين تحت لافتاتها، فبدأت الحركة باستثمار شارلي إيبدو للتدليل على صحة مخاوفها من أسلمة الغرب وخطر الإسلام على المجتمعات الأوروبية، وبدأ صراخ بيغيدا يعلو، “استفق أيها الغرب، الإسلام قادم”، و”نحن الشعب”، وبدأت الحركة بشرح التهديد الذي ترى أن القيم الأوروبية تتعرض له على يد هؤلاء القادمين من الشرق الأوسط، ووصل عدد المشاركين في مظاهرة ما بعد شارلي إيبدو من أعضاء بيغيدا إلى أكثر من خمسة وعشرين ألف متظاهر.

داعش أوروبا عابرة الحدود

ما أثار مخاوف الأحزاب السياسية الألمانية، هو الكيفية التي تنتشر بها بيغيدا، التي تحطّم الحدود، كما فعل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) فبعد أن كانت محصورة في مدينة دريسدن، توسعت مظاهراتها إلى مدن ألمانية مختلفة، ثم انتقلت إلى دول أخرى خارج ألمانيا، كالنرويج والدنمارك والنمسا والسويد وسويسرا، لتصبح بيغيدا حركة عابرة للحدود، قد تؤدي يوماً إلى تحطيم الاتحاد الأوروبي ذاته، وهو الأمر الذي ترفضه بشدة التيارات السياسية والمجتمعية الكبرى في أوروبا، التي ترى أن بيغيدا تهدف إلى “تحويل العنصرية إلى واقع سياسي”، ولفت الأنظار إلى بيغيدا كراهيتها الشديدة للإعلام، وشتمها للصحافة باستخدام العبارة النازية القديمة” صحفيون كاذبون”، مما دفع الإعلام في ألمانيا إلى تغطية تظاهرات الحركة، لرد التهمة عن نفسه، فتسبب بتضخيم حجم بيغيدا بدلاً عن محاصرتها، كما يصف سياسيون وخبراء ألمان.

فمدينة درسدن التي شهدت ولادة الحركة، تعدّ الأقل بين المدن الألمانية استيعاباً للاجئين والأجانب، ومع ذلك فقد خرج باخمان مؤسس بيغيدا ليحتج على المخصصات المالية للاجئين، وتلك المخيمات التي تأويهم، ولكن درسدن ذاتها، قامت بالتظاهر ضد بيغيدا فخرجت مظاهرات في وجه الحركة العنصرية عدّت قرابة ثلاثين ألف ألماني، رفضوا الكراهية والعنصرية والعداء للعرب والمسلمين، وعزّزت تصريحات ميركل الحادة تجاه بيغيدا من قوة نفور المجتمع الألماني من الحركة حين قالت: “لا تتبعوا أولئك الذين ينظمون هذه المظاهرات لأن قلوبهم باردة وملأى بالتعصب والكراهية”، ثم انضم إلى ميركل عدد كبير من النشطاء والمشاهير لوقف مدّ بيغيدا، حيث نشرت جريدة بيلد الألمانية واسعة الانتشار بياناً يرفض العنصرية والكراهية ويدين بيغيدا وقّعه عدد كبير من الشخصيات العامة.

ولكن درسدن لم تعد وحدها، فقد امتدت المظاهرات إلى كولن وشتوتغارت وبرلين، وكان موقف الكاتدرائية المسيحية في كولن صارماً حين قامت بإطفاء أنوارها استجابة لمطلب شعبي كبير قال:” أطفئوا الأنوار في وجه العنصريين” في الوقت الذي حاولت بيغيدا التظاهر قرب الكاتدرائية، وكذلك فعلت أمام مصانع فولكس فاغن الشهيرة في مدينة درسدن، ولكن هذا لم يمنع بيغيدا من التمدّد، في تمدّد مشابه لما حصل مع داعش، فقد أعلنت بيغيدا أنها قد باتت موجودة حتى في أسبانيا، وجاء في تغريدة لبيغيدا أسبانيا: “ليس للإسلام مكانٌ في المجتمعات الحرة والديمقراطية مثل المجتمعات الأوروبية”.

وسرعان ما افتتحت صفحة فيسبوك أسبانية لبيغيدا، وبات عدد معجبيها أكثر من ألفي شخص، وأصبح عدد الملاحقين لحسابها على تويتر قرابة الألف شخص، وصرّح الناطق باسمها لوكالة الصحافة الفرنسية بأن بيغيدا تعدّ “لمظاهرة في أسبانيا حيث سيأتي أعضاء بيغيدا ألمانيا، سوف ننشر على تويتر تاريخ المظاهرة وسوف نعلنه عبر الإيميل”.

مخاوف بيغيدا والمستقبل

تتخوف بيغيدا من منافسة المهاجرين المسلمين للألمان الأصليين على سوق الوظائف، وعلى أموال الضمان الاجتماعي والصحي، بينما يواجه سكان الشرق الأوسط نيران الأنظمة التي تحكمهم، ونيران التطرف الذي برز للأسباب العميقة والتي لا تنفصل عن التدابير الأمنية الاستخباراتية الغربية والشرقية، والظروف الصعبة التي تدفعهم إلى الهجرة إلى أوروبا، ليواجهوا تطرف بيغيدا، والإجراءات الأمنية التي ستلحق بمرحلة ما بعد حادثة شارلي إيبدو، ورغم التطمينات التي تؤكدها المستشارة الألمانية ميركل والمسؤولون الألمان، الذين شاركوا في تظاهرة كبيرة عند بوابة براندنبورغ، كتبت عنها الصحافة الألمانية “مسلمو ألمانيا يوحدون البلاد ضد التطرّف والعنصرية”، وشارك فيها الرئيس الألماني يواخيم غاوك الذي كرر الدعوة إلى التوحد في الحرب على التشدد. وقال: “أراد الإرهابيون تفريقنا لكن المسلمين والأقليات الأخرى والمهاجرين هم جميعاً جزء من ألمانيا، ولا نسمح بتفريقنا”، وأضاف في إشارة واضحة إلى فلسفة التنوّع المجتمعي التي تؤمن بها الطبقة السياسية الألمانية: “كلنا ألمانيا”، وشاركت معه المستشارة ميركل، ورئيس المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا أيمن مزيك الذي أكد في كلمته على تنديد المسلمين بما حصل في باريس، وأضاف بالفرنسية: “نحن أحمد أيضاً” بعد أن قال “كلنا شارلي”، وأضاف مزيك قائلا: “لدينا رسالة من ألمانيا سواء كنا مسيحيين أو يهوداً أو مسلمين، يجب أن نقف ضد العنف والإرهاب”.

مئة ألف شاركوا في تظاهرة برلين الكبرى ضد بيغيدا والتطرف معاً، سبقتها تأكيدات المسؤولين الألمان بأن المسلمين لا يشكلون منافساً للعاطلين عن العمل من الشعب الألماني، كما أكد فرانك يورغ فايسه رئيس مركز العمل في ألمانيا حين اعتبر أن: “المهاجرين لا ينافسون الألمان العاطلين عن العمل في الحصول على وظائف، معتبرا أن معظم المهاجرين هم متعلمون ولديهم خبرات مهنية، وبأن الدولة الألمانية لديها نقص كبير في العديد من المهن التي تحتاج إلى تعلم وكفاءة، وبأن وجود المهاجرين يشكل رافدا مهما لشغل هذه الوظائف”، وقد أفصحت بعض استبيانات الرأي عن نتائج لافتة، تستحق التوقف، حين اعتبرت أن قرابة الثلاثين في المئة من الألمان (العينة التي تم استطلاع رأيها من قبل شركة فورسا) يؤيدون حركة بيغيدا.

لتبدو الصورة بشكل أوضح، أن كثيراً من الأطراف تدفع المسلمين في أنحاء العالم، دون أن تقصد، إلى تطوير خطابهم ، والارتقاء بشكل حياتهم وتطلعاتهم إلى ما هو أبعد من انغلاق حركات الإسلام السياسي والتطرف والأصولية والفكر السلفي الجامد، في كل مذهب من مذاهب الإسلام وفي كل أرض يسكنونها على الكوكب الصغير.