مصطفى المتوكل / تارودانت

الاربعاء 22 يناير 2015

جاء في الحديث …”أن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏استعمل عاملا على الصدقة فجاءه العامل حين فرغ من عمله فقال يا رسول الله هذا الذي لكم وهذا أهدي لي فقال النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فهلا قعدت في بيت أبيك وأمك فنظرت أيهدى لك أم لا ثم قام النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏عشية بعد الصلاة على المنبر فتشهد فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد فما بال العامل نستعمله فيأتينا فيقول هذا من عملكم وهذا أهدي لي فهلا قعد في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا  ‏ …”

  …لقد عمل الوطنيون المغاربة بعد الاستقلال وخاصة بحزب القوات الشعبية وضعوا مبادئهم وافكارهم الصادقةوبنوها على  ايمانهم باقرار العدل والمساواة وتكافؤ الفرص والقطع مع السياسات الاستعمارية والتبعية …ونادوا بتحرير الانسان والارض والاقتصاد من كل ما من شانه ان يتسبب في تفقير الشعب والمساس بحقوق الطبقة العاملة وعموم الاجراء والاجهاز على امال الفلاحين الصغار والشبيبة المغربية …

وفي تشخيصهم العام  الذي ساهم في وضعه مجموعة من  الوطنيين والوطنيات والمجاهدين والمجاهدات  وعلماء الشريعة وخيرة الاطر المثقفة  ..نبهوا الى خطورة كل اشكال الطبقية المنبنية على الاستغلال الجشع للقدرات المالية والاقتصادية للوطن ..كما اثاروا مخاطر اقتصاد الريع والربح غير المشروع ..ودافعوا وعملوا بكل اخلاص من اجل بناء دولة المؤسسات التي لايمكن ان تتحقق الا اذا قامت على الديموقراطية الحقة والعدالة والكرامة وتكافؤ الفرص ..وحذروا من الكيد والظلم وطبخ الملفات ضد كل من  يسعى من اجل المصلحة العامة وكل من ينخرط في مواجهة الافساد والاستبداد والتسلط واستغلال النفوذ …

ومن بين القضايا التي وقف عليها الاتحاديون والاتحاديات منذ الستينات ما عبروا عنه في سؤال سياسي راشد هو …”من اين لك هذا” ..والذي وجههوه الى كل من يهمهم  ويعنيهم الامر   وبالاخص كل من يوجد بالمسؤوليات العمومية صغرت او كبرت بجميع الاسلاك والقطاعات ..يسعون من وراء هذا  الى  الربط بين حقيقة الاجرة او المداخيل التي يتوفر عليها اي كان بعد استلامه للمسؤولية ووضعيته كذلك المالية والاجتماعية القبلية ثم  ما حدث من تحول في معيشته ورصيده او ارصدته وممتلكاته سواء في اسمه او اسم زوجته او ابنائه على الاقل …ولم يطرح هذا المطلب الموضوعي الا بسبب وجود داع لذلك سجل ولوحظ بالواقع يجعل المحلل والمراقب غير قادر على تفسير الاغتناء والاثراء الذي يحصل عند البعض دون وجود مصادر واضحة ومشروعة  لذلك …وتشبث الاسرة الاتحادية وكل الوطنيين والقوى الحية  بهذا المطلب له ما يسنده عقليا واخلاقيا وشرعيا …ويعبر موقفهم ذاك الذي نادوا به منذ عقود وما زالوا  عن غيرة وطنية وحب لهذا البلد وللمصالح العامة العليا التي تحقق للشعب رخاءه وتحمي حريته وانسانيته وتحفظ عزته ومكانته …

 من هنا يحق لنا ان نتساءل …ما  الفائدة من التصريح بالممتلكات الذي اقر  منذ عقود ان لم يتبعه وضع اليات للمراقبة التي تقارن بين ما قبل زمن المسؤولية واثناءها  بالاوضاع بعد انتهاء المسؤولية ؟ وهل ما حصل طبيعي ونتاج منطقي لمداخيل وموارد مشروعة ام لا ؟

وفي علاقة بالموضوع  فالمسؤولية  تخضع لمنهجيات واليات وقوانين وحتى اعراف في اسناد ها او الاعفاء منها …ومن هنا يمكن ان نسوق  مثالا من الحديث النبوي الشريف الذي اعتبر الامام الذي يكرهه الناس متعسفا على المصلين حيث جاء في الحديث …  : ثلاثة لا ترفع لهم صلاة … وذكر منهم : ورجل أم قوما وهم له كارهون . .. والامر ينصب هنا على اداء العبادات وقد يمتد في سياقات المعنى بالقياس غير المخل بجوهر النص الى مجالات اخرى…

واعتبر الحق سبحانه وتعالى   بقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ ..ان  جميع الامانات   المالية والمعنوية والشرعية والسياسية والادارية بالاسرة والوظيفة تجاه  الجماعات او الافراد او الامة او الانسانية كافة ومع كل انواع المخلوقات ومع الله بدءا وانتهاء ..كلها تكليف مؤقت  يتعلق الامر بعمر الانسان المقدر الى وفاته او بالعمر الافتراضي المحدد في اية مسؤولية يجب ارجاعها لاهلها طوعا لانها ليست ملكا بل تكليفا مرحليا يتداول عليه الناس منذ الازل الى ان تقوم الساعة …ومن هنا امر الله  بان نحافظ على الامانات فقال  ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ الأنفال..والتقي من يفرح ويسعد  عندما يرفع عنه عبء المسؤولية ..ولنا في التاريخ الانساني والاسلامي امثلة عديدة لنبلاء ما اساؤوا عندما حملوا مسؤولية ما بل احيانا اكرهوا عليها وما ظلموا احدا  عندما طلب منهم الابتعاد عنها او تركها بل شكروا الله وحمدوه …

فرغم ان ابا ذر الغفاري  “ض” من خيرة الصحابة  فقد اجابه الرسول ” ص”  على طلب   أن يوليه إمارة قائلا  : ((يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة لخزي وندامة إلا من أخذها بحقها ووفى الذي عليه فيها)) …

..ونختم هذه المقالة بما وصف به الرسول الكريم “ص” تضييع الامانة حينما ربطها بقيام الساعة مجيبا على سؤال ..متى تقوم الساعة : “إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة، وفسر ذلك بان  إضاعتها يكون باسناد  الأمر إلى غير أهله..