من المتوقع أن يحقق الاقتصاد الوطني معدل نمو مرتفع خلال السنة الجارية، مقارنة مع السنة المنصرمة. فحسب العديد من المؤسسات المالية والاقتصادية الوطنية والدولية، فإن معدل نمو الاقتصاد الوطني للسنة الجارية سيتجاوز 4.8 في المائة. هذا المعدل المرتفع تقف وراءه عدد من العوامل الإيجابية المرتبطة بالأساس بالتساقطات المطرية الهامة، التي ستساهم بكل تأكيد في نجاح الموسم الفلاحي المقبل ، خصوصا على مستوى الإنتاج الزراعي، كما أن تراجع أسعار البترول بنسبة راوحت 60 في المائة ستعمل على تقليص فاتورة الطاقة بشكل كبير. إضافة إلى كل ذلك فنمو الاقتصاد العالمي سيصل إلى نسبة 3 في المائة حسب توقعات البنك الدولي، مع انتعاش هام على مستوى الاتحاد الأوروبي، الذي يعد الشريك الاقتصادي الأول للمغرب، سواء على مستوى المبادلات التجارية أو الاستثمارات .
أكيد أن النمو الاقتصادي بالمغرب لا يزال مرتبطا بشكل كبير بعوامل أخرى، خارجية وداخلية، لا علاقة لها بطبيعة السياسات العمومية المتبعة، بمعنى أن الانفراج الاقتصادي الذي سيميز سنة 2015 لا علاقة له بالاختيارات الحكومية أو بمنهجيتها المتبعة. وفي هذا السياق يطرح سؤالان أساسيان لاستيعاب التقلبات الكبيرة التي يعرفها معدل النمو ببلادنا والتي تجعله بين سنة وأخرى ينتقل من النصف إلى الضعف: الأول مرتبط بفعالية النموذج الاقتصادي المتبع وقدرته على إنتاج معدلات نمو مرتفعة ومسترسلة في الزمان. وهذا الأمر له ارتباط بالنموذج الاقتصادي المتبع في حد ذاته، وبقدرة الحكومة على ضخ الإصلاحات العميقة والجدية، في إطار الحوار والتشاور، التي من شأنها تحقيق ذلك بعيدا عن المقاربات المحدودة المفعول. أما السؤال الثاني فهو مرتبط بمدى قدرة الحكومة على ترجمة هذا النمو المرتفع، الذي من المتوقع أن يتحقق خلال السنة الجارية، إلى مناصب شغل جديدة وإلى تحسين للقدرة الشرائية للأسر التي تدهورت على مسار الثلاث سنوات الأخيرة.
هنا لا بد من التأكيد على أن المسار التقشفي المتبع من قبل الحكومة، والذي سمح لها بتحقيق بعض المكاسب الظرفية على حساب الأسر والمقاولات، هو مسار يعاكس تماما التوقعات الإيجابية لهذه السنة، بل يمكن أن يعمل على تقليص إمكانيات النمو المتاحة.
إن الاختلافات بين وداخل البلدان الأوروبية، ألمانيا من جهة وفرنسا وإيطاليا، وخاصة اليونان، من جهة أخرى، بعد الانتخابات الأخيرة، وبداية النقاش داخل الاتحاد الأوربي، حول مدى فعالية الخيار التقشفي الذي تنهجه عدد من الحكومات، خصوصا بعد أن أظهر محدوديته في إخراج اقتصادياتها من الركود الذي تعرفه، يؤكد أن هناك خلافات تزداد هوتها بل وأصبحت تهدد مستقبل الاتحاد. بالمقابل عرف اقتصاد الولايات المتحدة انتعاشا كبيرا، حيث تمكنت خلال ظرف وجيز بعد الأزمة المالية لسنة 2007، التي مرت منها، من تحقيق أحد أعلى معدلات النمو الذي لم يسجل نظير له على مدى العشر سنوات الأخيرة.
لا يزال الاقتصاد الوطني يفتقد إلى قاعدة مادية متينة، وذلك في غياب استراتيجية شمولية واضحة، تجعل من إنتاج القيمة المضافة على جميع المستويات وفي أهم القطاعات، هدفا أساسيا بمعنى استراتيجية ترمي إلى تقوية النسيج الاقتصادي الوطني، وإلى تحصينه من تقلبات العوامل الخارجية وحصر آثارها السلبية على النمو الاقتصادي.
 الثلاثاء 27 يناير 2015