تعرف منطقة الساحل والصحراء، منذ خمسين سنة، تمظهرات سياسية وأمنية هي تعبير عن هشاشة بناء الدولة، فكثيرة الدول التي قسمت بمقص الاستعمار، دون مراعاة الخريطة الإثنية والتقاسم العادل للثروات الطبيعية وأشياء أخرى، وأدى هذا إلى خلق دول لا يتجاوز نفوذها العاصمة، وإلى غياب وظائف الدولة في مجموع التراب، الشيء الذي ولد أزمات إثنية وسياسية وأمنية عصفت بأنظمة من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر.
وإذا كانت الصراعات الإثنية قد شكلت حطب الحروب التي هزت المنطقة طيلة النصف الثاني من القرن العشرين، وما زالت بؤر منها قائمة، فإن العشرية والنصف من بداية القرن 21 عرفت ظهور « الحركات الجهادية» كظاهرة لها جذور متعددة، في شمال مالي حيث حشرت الدولة الجزائرية نفسها ، و»رعت» اتفاقات ، آخرها اتفاق 2006، قضى بانسحاب إدارة وجيش الدولة المالية من الشمال، فملأته إمارة الصحراء التابعة للقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي منذ شهر يناير 2007، وانخرط فيها الآلاف من شباب «منطقة الصحراء الوسطى» وتطورت التنظيمات الجهادية بشكل سريع لأنها كانت تملك « استراتيجية هوياتية» تعتمد اختراق النسيج الإثني والقبلي ، فظهرت «حركة أنصار الدين»، ثم تولدت عن هذه « الدينامية الجهادية « «حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا» وتكون عمودها الفقري من شباب من موريتانيا، ومن مخيمات الحمادات، ومن أطر سياسية وعسكرية من البوليزاريو، وجاءت بعدها إمارة المرابطين والموقعين بالدماء….
ومع عواصف « الربيع العربي» تحول الجنوب الليبي إلى حاضنة لحركات جهادية، شكلت حلقة ربطت لأول مرة بين الحركات الجهادية في الشرق والغرب، ومستقرا لجماعات التهريب والهجرة وتجارة الأسلحة والمخدرات، والرهان الآن في منطقة الصحراء الوسطى حول من يسيطر على محور يدر ملايير الدولارات، هو محور يربط غات في الجنوب الغربي الليبي بكيدال في الشمال الشرقي المالي، مرورا بالأراضي الجزائرية والنيجرية، حيث مقايضة سلاح نظام القذافي بالكوكايين الوافد من أمريكا اللاتينية عبر بوابات الأطلسي.
وزادت الأمور سوءا حين تقوت شوكة بوكو حرام في شمال نيجريا نتيجة مشاكل هيكلية بين الشمال والجنوب في نيجريا، فتمددت هذه الحركة منذ العام 2009، ليصل نفوذها اليوم إلى الضفاف الجنوبية لبحيرة التشاد، وقد تكون الضحيتان القادمتان دولتا النيجر والتشاد، وإذ ذاك «سيشرق» مجال جهادي جديد يربط بين الغابة الاستوائية وضفاف المتوسط، وسيغرق الجيران في عاصفة ستأتي على الأخضر واليابس، وهذا ما تنبهت إليه رئيسة المفوضية الإفريقية الآتية من دولة جنوب إفريقيا والمنفذة لاستراتيجيات بلدها، عبر توظيفها لملف نزاع الصحراء و الخلاف المغربي الجزائري، لعزل إفريقيا جنوب الصحراء عن إفريقيا الشمالية، لكن حسابات عدد من الأطراف في المنطقة تسير بمبادرة الاتحاد الإفريقي إلى النفق المسدود.
في هذا السياق، وارتباطا بمجال الساحل والصحراء، تتساقط الأطروحات المؤيدة لقيام دولة في «الصحراء الغربية»، لأنها ستعيد إنتاج مجال تأزم، والمنطقة غير قادرة آنيا ومستقبلا على تحمل المزيد، وسيادة المغرب في الصحراء عامل استقرار للمنطقة الغربية من المجال الأطلنتي ، هذا ما تؤمن به الدول الكبرى، ومن هذه المصلحة تؤيد مشروع المغرب للحكم الذاتي، إذ تدرك أن سيادة المغرب على الصحراء هي في نفس الوقت استقرار للمغرب الذي يشكل العمق الأمني الاستراتيجي لأوربا الغربية ولحوض البحر المتوسط.
ومن المؤكد أن الموقف المغربي المبدئي، في قضية الصحراء، والذي يعتبر حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، من أشد المدافعين عنه، ينطلق أيضا من هذه المعطيات التي تشير إلى أن هناك مخططا لتقسيم الأوطان، ولتكريس التجزئة، وإدامة الصراعات القبلية والإثنية وغيرها من حالات التشرذم، بما لا يخدم استقرار المنطقة وأمن الشعوب، وهنا لا بد أن نستحضر الدور السلبي الذي تلعبه سياسة الدولة الجزائرية، التي تعمل كل ما في وسعها لاستمرار النزاعات المفتعلة، وعرقلة بناء المغرب الكبير، الذي يمكن أن يشكل أهم حاجز لمنع مخطط التقسيم بين دول شمال إفريقيا وجنوب الساحل، والحد من نزيف التطاحنات التي تمزق المنطقة.

الجمعة 30 يناير 2015