انتصرت الحكمة وبعد النظر في طي صفحة التوتر بين المغرب وفرنسا، بعد أن قام جلالة الملك بزيارة إلى باريس، تزامنت تزامنا بمعان كثيرة، مع عودة التعاون القضائي بين البلدين.
وجاء انتصار الحكمة والمصالح برسالة قوية الدلالات، لا سيما وأنها وردت بناء على قراءة موضوعية لما مر في المدة التي عرفت فيها العلاقات نزلة برد طيلة سنة.
فقد تابع الرأي العام الوطني في المغرب بقلق بالغ سوء التقدير الذي قوبلت به إرادته في نسج روابط خاصة مع الحليف الفرنسي، ولم تستسغ الوطنية المغربية التعامل مع بلادنا، سواء في الجانب الديبلوماسي أو القضائي .. أو الأمني بالطريقة التي تم به ذلك التعامل، عبر سلوكات طالت رموز ديبلوماسية وأمنية وعسكرية ووطنية إجمالا، خلفت جروحا في المشاعر الوطنية.
فكانت بلادنا مضطرة، دفاعا عن الكرامة وعن السيادة الوطنية، إلى اتخاذ القرارات التي كان لابد منها،
ولا شك أن الطبقة السياسية المغربية، وعلى رأسها مناضلو وقيادات حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، لديهم القناعة بأن الانطلاقة الجديدة، تعززت بتفاهم أعمق وأقوى، بعد أن وضحت بلادنا مواقف كان لا بد من توضيحها واتخذت المواقف التي كان لابد من اتخاذها، ونعني بذلك تحديد علاقة الندية والسيادة بين الحليفين الاستراتيجيين، و بناء الانطلاقة الجديدة على الوضوح والتبادل في تعميم المصلحة وتوسيع دائرة التشاور والمساواة في العلاقات بخصوص القضايا المتنازع حولها،
ونفس الوعي والإدراك تبينا لدى الطرف الفرنسي، بتقدير جديد لمصلحة البلدين، في الرد على الإرهاب، ومضاعفة التعاون الأمني والرفع من التعاون القضائي بعد توضيح الطبيعة الحقيقية لهذا التعاون بما يحفظ للقضاء الوطني نديته، وقوته ومساواته مع القضاء في العالم، ومع فرنسا بالضبط.
من المعروف دوليا أن العلاقة بين المغرب وفرنسا تتجاوز الخطاطات المتعارف عليها، إلى علاقة متميزة، ربطت بين التاريخ والثقافة واللغة والشراكة الدولية في العديد من القضايا، منها قضايا محاربة الإرهاب في الساحل وفي إفريقيا ودعم السلام في الشرق الأوسط ، وتقارب وجهات النظر في قضايا الوحدة الوطنية والدفاع عن الشرعية، حيث ما كانت في حاجة إلى الدفاع عنها،
وهو أمر لن يتلقى ترحيب ورضى النخب والشعبين في ضفتي الشمال والجنوب فقط، بل يتعداها إلى تفهم وترحيب من طرف المراكز العالمية للقرار، وفي العواصم التي تهتم بالسلام والتعايش في مناطق التوتر المنتشرة في أكثر البلدان اشتعالا، من سوريا إلى الشرق الأوسط مرورا بليبيا والساحل ودول إفريقيا الباحثة عن مشروع للتنمية والدمقرطة.
وليس صدفة أن زيارة ملك البلاد ، كانت مناسبة للحظة مليئة بالرمزية، اغتنمتها بلادنا لكي توجه رسائل عميقة إلى المجتمع الفرنسي، وإلى نخبه وإلى العالم الغربي برمته، ولا سيما في الظرفية التي تعيشها بلاد الأنوار، عندما قامت بلادنا من خلال الأميرة للا مريم، بتوشيح ثلاثة من رجال الدين، الإسلامي، المسيحي واليهودي.
إن الوصول إلى الحكمة، التي آثرناها أعلاه، كان يحتاج الى إرادة ، ولا شك أنها تحققت في التجاوب، من أعلى هرمي الدولتين، في المبادرات والسعي إلى عودة المياه إلى مجاريها، والحفاظ على الثابت من المصلحة المتبادلة والوعي المشترك، على قاعدة تجديد الصداقة المغربية الفرنسية باستمرار.

*الاربعاء 3 يناير 2015