حكم بـ 3 إعدامات و مؤبدين في الإستعمار واعتقل وعذب في الإستقلال من أجل الكرامة والديمقراطية :

منفذ أكبر عمليات المقاومة ضد الإستعمار الفرنسي، أول عامل للحسيمة وأول رئيس للغرفة التجارية بالدارالبيضاء

info_1232015104220AM1

كان في 77 سنة من عمره، حين قبل أن أجلس إليه لأحاوره، رفقة نجل الشهيد محمد الزرقطوني، الأخ عيد الكريم الزرقطوني (بعد اتصالات ولقاءات متعددة سابقة معه، ظل يرفض فيها إجراء أي حوار صحفي)، ببيته بزنقة الفقيه الجباص بحي الأحباس بالدارالبيضاء. وفي ذلك الحوار اكتشفت محمد منصور آخر، غير ذلك الذي كبرت على صورته، مقاوما وقائدا اتحاديا من طينة الشرفاء الزهاد. اكتشفت طراوة روحه الطيبة، تلك التي تكون للخلص من الرجال، الذين تسبقهم دمعتهم حين يتحدثون عن رفاقهم الذين سقطوا شهداء في الطريق صوب الحرية والكرامة والتقدم. فكان يقدم بذلك مثالا عن معنى جيل مغربي ولد في أول القرن العشرين، مع بداية الحماية (ولد رحمه الله سنة 1922)، يعتبر تاريخيا، جيل النهوض المغربي، بالمعنى التاريخي للكلمة. وهو الجيل الذي أنضجت لحظته التاريخية تلك، فطاحلة من الأسماء المؤسسة للمغرب الحديث، سواء في الدولة أو في المجتمع، يستحيل أن يهب التاريخ نظائر لها. وهو الجيل، الذي كم هو مؤلم، أن سوء قدر السياسة بتوابلها المغربية الخاصة والمثيرة، قد أضاع على المغرب حسن استثمار قوتهم التاريخية تلك، كجيل ناهض، متوتب، وفي، نظيف ونزيه ووطني، من أجل استحقاق مصالحة تاريخية مع شروط التقدم والإنخراط في دورة الإنتاج العالمية من موقع القوة المساهمة لا من موقع التبعية.
محمد منصور، هرم، يصعب جديا الإحاطة بسيرته بالشكل المنصف تاريخيا، على الأقل لسببين: أولهما أن الرجل صموت جدا، يرفض بحزم، البوح أبدا بالكثير من التفاصيل الدقيقة كشهادة أمام التاريخ، بسبب من ثقافته السلوكية، التي ظلت تتأسس على أن ما كان يقوم به، كان يقوم به بنكران للذات من أجل الصالح العام. ثانيهما طبيعة السرية التي حكمت عمله النضالي ضد الإستعمار وفي أجزاء كثيرة من زمن الإستقلال من أجل العدالة الإجتماعية ودولة الحق والقانون والحريات. لكن ما لا اختلاف حوله، هو أن الرجل كان حاضرا، في كل المحطات المفصلية لتاريخ المغرب الحديث، على امتداد القرن 20 كله، من موقع المشاركة في صناعة القرار السياسي الوطني والنضالي، من موقعه كمناضل يتجاور عنده العمل الميداني مع التخطيط الإستراتيجي، منذ التحاقه بلجن التزيين التابعة للحركة الوطنية، حتى تراجعه عن أي مسؤولية سياسية بعد مغادرة رفيقه الكبير عبد الرحمن اليوسفي المشهد السياسي المغربي. وإذا كانت هناك من خصلة ظلت مميزة عند محمد منصور فهي خصلة الوفاء. الوفاء لرفاق الطريق الخلص، الوفاء للفكرة الوطنية، الوفاء لقرار نظافة اليد، والوفاء للمبدئي في العلائق والمسؤوليات، مما يترجم بعضا من عناوين الجيل الذي ينتمي إليه رحمه الله، الذي يتصالح لديه الإلتزام السياسي مع السقف الوطني، وأن السياسة ليست مجالا لبروز الذات، بل مجالا لتطوير الجماعة في أفق بناء، تقدمي وحداثي (الحداثة هنا هي في تلازم المسؤولية بين الحق والواجب).
كنت وأنا ألج إليه، في مرات متعددة، إلى بيته بدرب الأحباس، إذا ما كان في الدارالبيضاء عائدا من أرضه الفلاحية (أرض الأجداد) من منطقة أولاد حريز، كنت أستشعر أنني ألج إلى معنى مغربي خالص، حيث مداخل الحي العتيقة، بأقواسها التقليدية، والباب الخشبي للمنزل بلونه البني الفاقع، وأدراجه المرصوفة بقطع الزليج الصغيرة، بألوانها الفاتحة البهية، الخضراء والصفراء، تتقدمها قطعة خشبية عند كل درج. قبل أن تلج إلى براح صالون مغربي عتيق دافئ، حيث يجلس الرجل بلحيته البيضاء، مع قليل انحناءة في الكتفين، وعينين صغيرتين جدا، تكتشف كم هما صافيتين حين يزيل نظاراته الطبية، وفيهما سر طفولة لا تنضب أبدا. فتدرك أن نفس الرجل صافية، لأن نظرة العين تكون دوما ترجمانا عن الدواخل. وفي نظرة عينيه طيبة بلا ضفاف، وهدوء عميق، ترجمانا على أن نفسه الداخلية هنية بدرجات عالية جدا. أي أنه يتحقق لديها ذاك الشئ الذي نطلق عليه عادة: راحة الضمير. وفي إحدى تلك اللقاءات، التي قلت له فيها، بعد إصراره الطويل على رفض تسجيل ما كان يبوح لي به من معلومات، وفي مرات عدة حضر معي الأخ عبد الكريم الزرقطوني: “يا أخ منصور، حرام عليكم كل هذا الصمت، أليس من حقنا عليكم كجيل أن نعرف الحقيقة من مصادرها الموثوقة. ألن تكونوا بذلك قد تمارسون جريمة على المستقبل، حين سيتحدث الكثير من الأدعياء وتسكتون أنتم، فيكون ما تبقى من أثر مكتوب هو شهادة الأدعياء. حينها من سيعمم الحقيقة، بعد أن ترحلوا بأسراركم؟. فصمت طويلا، ثم قال لي: “على بركة الله”. فكان الذي كان.
الذي كان، ليس حجم المعلومات الغنية غير المسبوقة حينها، التي تشرفت بنشر أغلبها الكثير، في كتاب ” الشهيد محمد الزرقطوني.. سيرة حياة” (الصادر في طبعتين سنوات 2000 و 2003)، بل تفاصيل التذكر. تلك التي جعلتني أتسمر كثيرا في مكاني وأنا أرى دمع الرجل ينزل غزيرا على لحيته البيضاء، وهو يتذكر الشهيد أحمد الراشدي بالسجن (الذي اكتشف متأخرا قرابته العائلية معه من جهة والده)، ثم في تفاصيل أخرى وهو يتذكر لحظاته الحميمة مع الشهيد محمد الزرقطوني، ثم وهو يتذكر المقاوم الوطني الصلب بلعيد (المجهول المصير في عهد الإستقلال، إلى اليوم) وأيضا الشهيد عبد اللطيف بنقدور، الحرفي النجار، ذلك الشاب الذي اعتقل رفقة المقاوم كينكو بالحي المحمدي وهما أصلا من درب السطان بسبب عملية ضد شرطي فرنسي، وحين سيق للإعدام بحي العنق بالدارالبيضاء قبالة المحيط الممتد، التفت في ثقة وصلابة إلى قاضي التحقيق الفرنسي الخطير، المستقدم من الجزائر، جيليزو، وقال له جملة مزلزلة : “جيليزو، إني أنتظرك هناك في الجهة الأخرى، لن أتزحزح حتى تصل بدورك إلى هناك”.. حينها تكتشف معدن الرجال، لأنه صعب أن لا يزلزلك دمع رجل في 77 من عمره حينها، وهو يتذكر ليس إخوته أو عائلته، بل يتذكر رفاقه في طريق الوطنية والفداء. فتقول مع نفسك في مكان ما: أي طينة من الرجال هؤلاء؟. أليس الإيمان بالفكرة أعلا عندهم من حسابات الذات؟. ألم يصنعوا تاريخهم وسيرتهم العطرة، التي حين نتمثلها نحن اليوم كأجيال مغربية، نكمل بها، لأنها عنوان على أننا كمغاربة سلالة رجال من طينتهم. ألم يصنعوها بروح الفداء، تلك التي تعني ليس الذهاب إلى الموت من أجل الموت، بل الذهاب إلى الصعاب من أجل الحرية والحياة. ولن أنسى حين، التفت إلي في لحظة حوار، كما لو للتأكيد المنبه، كي يقول لي: “أتمنى إن مت أن لا يعرف أحد قبري. فهذا كله زائل وزائد. وما قمنا به من عمل، قمنا به لله وللشعب ولكرامة المغرب والمغاربة. نحن مجرد أفراد من هذا البلد، قمنا بالذي أملاه علينا ضميرنا”. مضيفا، أن من بين ما كان متفقا عليه بينه وبين المجموعة الضيقة لقيادة المقاومة الأولى بالدارالبيضاء (سعيد بونعيلات، محمد الزرقطوني، عبد الله الصنهاجي ومحمد منصور)، أنه لو قيض لهم العيش حتى رؤية استقلال المغرب، لأنهم كانوا يتصورون أن معركتهم ضد الإستعمار ستطول أقله لعشر سنوات، وأن مصيرهم هو الإستشهاد، فإنهم سيمرون في استعراض أمام الملك الوطني محمد الخامس بلباس أبيض، ثم يعودون إلى مواقعهم العادية كمواطنين غفل مثل باقي الناس. أليس في هذا ملامح صوفية وطنية عالية القيمة، ميزت ذلك الجيل الناهض لمغرب صدمة الإستعمار.

محمد منصور، بهذا المعنى، هو ابن لجيل جديد مغربي إذن، برز وظهر بالدارالبيضاء. الذي جعل بسيرته وأفعاله ومبادراته، مدينة الدارالبيضاء الحديثة التأسيس، التي بالكاد أكملت 30 سنة من تأسيسها حينها، تستلم مشعل صناعة القرار السياسي المغربي من مدن تاريخية كلاسيكية، مثل فاس والرباط ومراكش وتطوان. لأنها المدينة التي بدأ يجرب فيها المغاربة، الحداثة السياسية، وأيضا معنى ميلاد طبقة عمالية من الحرفيين والتجار والصناع وعمال الميناء. من هنا أهمية الإنتباه لسيرة الراحل محمد منصور، الذي ولد سنة 1922 ببرشيد، قبل أن ينتقل رفقة عائلته وهو صغير جدا إلى الدارالبيضاء، ليلج إلى الجامع قبالة مركز البريد بدرب البلدية بدرب السلطان، قبل أن تستقر عائلته بزنقة بني مكيلد بدرب سبانيول وهناك ولج المدرسة النظامية، قبل أن يضطر لمغادرة كرسي الدراسة، بسبب وفاة والده وهو لما يزل بعد صغيرا. فولج باكرا سوق الشغل، حيث تعلم حرفة النجارة بدرب البلدية، مع الحرص على إتمام دراسته بالليل. وتدرج في حرفة النجارة (التي ستصبح مجالا للتلاقي أكثر مع الشهيد الزرقطوني الذي امتهن بدوره حرفة النجارة حين انتقل من المدينة القديمة إلى درب السلطان، بعد أن دخل مرحلة السرية سنة 1952)، حتى أصبح ملما بشبكة الفئات الحرفية والصناعية بالدارالبيضاء. مما ترجم معنى انتقال القرار السياسي للمقاومة إلى الدارالبيضاء، التي بدأت تبرز كصوت سياسي وطني قيادي جديد بمغرب الأربعينات في مواجهة الإستعمار. وهذا له معناه في كل دراسة تاريخية، مهتمة بالجدور الإجتماعية للحركة الوطنية المغربية (أطروحة المؤرخ المغربي الراحل محمد زنيبر السلاوي).
ما هي أوجه محمد منصور الوطنية إذن؟.
هي متعددة، ومتكاملة. فهو سليل التجربة الشبابية للجن التزيين وللكشفية، زمن الإستعمار، التي فيها تأطير سياسي ببعد وطني ومغاربي وعروبي. مثلما أنه في الآن ذاته، قائد من قادة الصف الأول لحركة المقاومة المسلحة ضد الإستعمار، بكل ما كان يستلزمه ذلك من شروط السرية والجرأة والدقة والوفاء. وهو أيضا رجل المسؤولية السياسية التي جعلته من رجالات الحركة السياسية الوطنية التقدمية المغربية منذ أواسط الخمسينات إلى بداية الألفية الجديدة. أليس هو أحد مخططي ومنفذي كبرى العمليات الفدائية ضد الإستعمار الفرنسي، مثل قنبلة المارشي سنطرال يوم 24 دجنبر 1953، بعد نفي الملك الوطني محمد الخامس يوم 20 غشت 1953 (صادف ذلك النفي يوم عيد الأضحى، فردت المقاومة يوم 24 دجنبر الذي هو يوم أعياد الميلاد المسيحية). ثم تفجير القطار “الدارالبيضاء ? الجزائر” بعد مغادرته نفق الرباط باتجاه سلا، وكيف أنه وضع القنبلة الأولى في مرحاض الدرجة الأولى، بينما وضع مقاوم آخر قنبلة ثانية بمرحاض الدرجة الثانية، وكان القطار مليئا بالجنود والضباط المسافرين في عطلة رأس السنة، وأن سعيد بونعيلات بالتنسيق مع الزرقطوني هو الذي أخدهم من الرباط بعد مغادرة القطار. ثم قنبلة مركز البريد (الكولي بوسطو)، التي لم تنفجر وافتضحت بسبب الدخان المتصاعد منها. وهي بعض من العمليات القوية والنوعية للمقاومة، التي زلزلت الوجود الفرنسي بالمغرب، ما جعل تلك المجموعة تقرر طبع منشور بالفرنسية توزعه يليل بالمدينة الأروبية بالدارالبيضاء، تطلب من الأروبيين مغادرة المغرب حتى تبقى المواجهة مفتوحة فقط مع الجيش والشرطة الفرنسية المحتلة. وهي العمليات التي انتهت باعتقاله في بداية 1954، بعد اعتقال مساعده في محله التجاري. ورغم علمه باعتقال مساعده، فإنه قرر عدم الفرار، بل عاد إلى منزله بذات طريقته في المشي، التي كان يتندر بها عليه الشهيد محمد الزرقطوني، حين كان يأتيه دوما من خلاف ويضع يده على كتفه، قائلا له ذات مرة: “أنت سي محمد منصور ستقع في الأسر بسهولة، لأنك دائما تمشي حانيا رأسك وفي طريق واحدة مستقيمة” (ضحكا حينها بينهما، وبكى بحرقة حين تذكرها أمامي رحمه الله). وحين سألته عن شكل مشية الزرقطوني، أكد لي أنه كان رحمه الله فارع الطول، نحيفا جدا، حيويا، وكان كثير الإلتفات، كأن رأسه لا يتبث فوق كتفيه، عكسه هو.
حين اعتقل نقل إلى الرباط، حيث تعرض لتعذيب وحشي لم يعترف فيه بأي شئ مهم، لأن تقنية الإعتراف بينه وبين رفاقه كانت تلزم تحمل التعذيب لأيام حتى يصل خبر الإعتقال، فتتحرك المجموعات لتغيير الأماكن ونقل الأسلحة إلى أماكن جديدة. لكنه أثناء المحاكمة سيفجر قنبلة اعتراف زلزل المحكمة. كان يتابع بتنفيذ عملية المارشي سنطرال (الحقيقة أنه حمل فقط رفقة الزرقطوني المرحوم بنموسى كي ينفذها)، وكانت السلطات الإستعمارية تتابع مجموعة فدائية أخرى بعملية القطار بين الدارالبيضاء والجزائر العاصمة. حين طلب الكلمة فجأة وشرع يحاضر في القضاة والمحامين، حول مشروعية نضالهم المسلح ضد الإستعمار الفرنسي، وحين واجهه القاضي بالقول إن ما قاموا به مندرج في باب الإرهاب، أجابه بهدوء: “وماذا يمكن أن نسمي ما كنتم تقومون به ضد الإحتلال النازي لفرنسا وباريس؟ أليس دفاعا عن حرية بلدكم؟ إنه نفس ما نقوم به من أجل بلدنا.ثم إنكم تحاكمون أناسا آخرين أبرياء في ملف مفبرك بالكامل، هو ملف عملية القطار. فهم أبرياء. فأنا من نفذ العملية”. وشرع يقدم التفاصيل الدقيقة للعملية بشكل موثق مما أبهر الحضور والصحافة، التي خرجت بمقالات ساخنة حول تلك المرافعة التي قام بها. خاصة حين بكى أحد القضاة الفرنسيين، وحين قام أحد المحامين وصرخ أمام المحكمة: “سيدي الرئيس، لقد جئنا اليوم لنحاكم، فحوكمنا وتعلمنا درسا”. رغم ذلك صدرت ضده ثلاثة أحكام بالإعدام وحكمان بالمؤبد. وبقي في السجن المدني بالدارالبيضاء، حتى ماي 1956، حتى بعد نيل المغرب لاستقلاله (زاره حينها كل من إدريس السلاوي وعامل الدارالبيضاء وحين تساءل أمامهما عن السبب في بقائه معتقلا مهددا بالإعدام، أخبروه أن السجن لا يزال تابعا للجيش الفرنسي، فقال لهم: كيف تقولون أن المغرب استقل؟)، وسيتم تهريبه من السجن من قبل مجموعة سعيد بونعيلات في ذات الليلة التي قررت مجموعة فرنسية قتله داخل السجن (حكى لي رحمه الله، كيف أن مراقب تذاكر أروبي، لمحه يدخل إلى مرحاض القطار ونظر إليه نظرة شك، لكنه رغم ذلك أشاح بناظره ولم يسأله أي شئ). ومنها التحق بالشمال ضمن وفد لحل مشاكل جيش التحرير، وتوصلوا إلى حل كل المشاكل القائمة هناك بالناظور، وربط الصلة والتنسيق مع جيش التحرير الجزائري، بل وحملت شحنات أسلحة من المغرب إلى الجزائر، قبل أن تغير المعادلات عملية اغتيال الشهيد عباس المسعدي، التي سعى الكثيرون إلى إلصاقها لحسابات خاصة بالشهيد المهدي بنبركة وهو بريئ منها كما ظل يؤكد منصور رحمه الله.
مباشرة بعد عملية الإغتيال تلك، استدعاه وزير الداخلية المحمدي إلى مكتبه بالرباط، وأخبره أنه قد تم تعيينه عاملا على إقليم الحسيمة، لكنه رفض المنصب، فطلب منه أن يقول ذلك بنفسه لولي العهد مولاي الحسن. وفعلا التقى منصور ولي العهد وأخبره باعتذاره عن ذلك المنصب، فأجابه سموه أن عليه إقناع الملك الوطني محمد الخامس بذلك. فتوجه إلى القصر ليعبر عن ذات الموقف لجلالته، لكنه وجد أمامه المسؤول عن البرتوكول بناني، الذي ترجاه أن يغير لباسه العسكري الكاكي ويلبس اللباس الرسمي لأن مجموعة العمال الجديدة كانت واقفة للقاء الملك، فاعتذر وترجاه أن يضع على الأقل ربطة عنق سلمها له، فقبل. وحين وقف أمام الملك رفقة أولئك العمال وشرع محمد الخامس رحمه الله يوجه لهم تعليماته حول دقة المطلوب منهم، في تلك المرحلة الدقيقة من بناء المغرب الحديث، خجل المرحوم محمد منصور من إبداء رأيه فأصبح عاملا بقوة الظروف على إقليم الحسيمة. لكنه سرعان ما سيغادر ذلك المنصب بسبب أحداث الريف، سنة 1958، التي لم يكن حاضرا فيها بسبب كونه كان بالدارالبيضاء استعدادا لمؤتمر الحزب. وحين عاد رفقة وزير الداخلية اكتشف أن معلومات المنتسبين للجيش متناقضة وغريبة، حيث يخبرون الوفد الرسمي أن السكان منتفضون ضد حزب الإستقلال ويطالبون بإسقاط الحكومة، وحين التقوا هم مباشرة بالسكان أكدوا لهم أن مطالبهم اجتماعية بالأساس وأنهم لم يطالبوا لا بحل حزب الإستقلال ولا بإسقاط الحكومة، بل أخبروهم أن عناصر من الجيش هم الذين كانوا يطالبونهم بالإنتفاض والصعود إلى الجبال لأن الحكومة سقطت. بعدها غادر منصبه كعامل وعاد إلى الدارالبيضاء وإلى حدود لقائي به رحمه الله منذ سنوات قليلة (2011)، لم يتصل به أحد رسميا ليخبره أنه معفي من مسؤوليته كعامل عن إقليم بالحسيمة. بمعنى عمليا أنه لم يصدر أبدا قرار بعزله أو إعفائه من مهامه.
بعد عودته إلى الدار البيضاء، وانخراطه بقوة ضمن الحركة الإتحادية الوليدة من موقع القيادة، سيترشح للغرفة التجارية والصناعية، وسيفوز فيها رفقة المرشحين الإتحاديين سنة 1960، وسيتم انتخابه أول رئيس لتلك الغرفة الهامة بالمغرب المستقل. وبعد أن طعن الإستقلاليون في تلك لإتنخابات، وأعيدت الإنتخابات، فاز الإتحاديون بعدد أكبر من المقاعد من الإنتخابات المطعون فيها. وتكامل ذلك مع فوزهم ببلدية الدارالبيضاء باكتساح وترأس المرحوم المعطي بوعبيد للمجلس البلدي للمدينة (كان المعطي بوعبيد رحمه الله، حينها لا يزال اتحاديا قبل أن يصبح في ما بعد رئيسا لحزب الإتحاد الدستوري المعروفة ظروف تأسيسه من قبل وزير الداخلية ادريس البصري في بداية الثمانينات وأصبح وزيرا أول للحكومة التي زادت في أسعار المواد الغدائية وقمعت انتفاضة الدارالبيضاء يوم 20 يونيو 1981). وسيطال الإعتقال محمد منصور وهو رئيس الغرفة التجارية والصناعية وعضو برلماني عن مدينة الدارالبيضاء في انتخابات 1963 التشريعية، ضمن الحملة التي جرفت الإتحاديين في ما يعرف بمؤامرة 16 يوليوز 1963، ونقل إلى المعتقل السري دار المقري بالرباط، حيث مورس عليه تعذيب وحشي، كما أكد لي رحمه الله، من قبل أوفقير وجماعته، تسببت له في إعاقة مستديمة بأذنيه تطلبت علاجا طويلا بعد ذلك من قبل الدكتور عبد الهادي مسواك، المسؤول السياسي في قيادة الحزب الشيوعي المغربي (التحرر والإشتراكية بعد ذلك، التقدم والإشتراكية اليوم). فقال لي بمرارة: عذبت في الرباط سنة 1954 وعذبت بوحشية أكبر في الرباط سنة 1963.
بقي منصور هو منصور، رجلا وفيا لسيرته الوطنية وصار من أقرب المقربين للقائد الإتحادي عبد الرحيم بوعبيد، وانتخب عضوا بالمكتب السياسي للإتحاد الإشتراكي للقوات العشبية بعد المؤتمر الإستثنائي في 11 يناير 1975، إلى جانب الشهيد عمر بنجلون ومحمد اليازغي والمرحومين الدكتور عبد اللطيف بنجلون والمفكر محمد عابد الجابري. إلى أن طاله الإعتقال مرة أخرى سنة 1981، في شتنبر، بعد بلاغ المكتب السياسي الشهير للإتحاد ضد فكرة الإستفتاء بالصحراء المغربية التي قبلها الملك الراحل الحسن الثاني في القمة الإفريقية لنيروبي، حيث قضى فترة بسجن لعلو بالرباط إلى جانب عبد الرحيم بوعبيد ومحمد اليازغي ومحمد الحبابي ومحمد الحبيب الفرقاني قبل صدور الحكم بسنة على بوعبيد واليازغي والحبابي وإطلاق سراحه هو رفقة الفرقاني. وبقي عضوا بالمكتب السياسي بعد كل المؤتمرات الإتحادية، إلى أن استقال منه بعد استقالة اليوسفي الإحتجاجية بعد تزوير الإنتخابات غير المباشرة لسنة 1993، وإفشال مشروع التناوب الأول، تضامنا مع رفيقه الكبير سي عبد الرحمان اليوسفي، ولم يستأنف مهامه في قيادة الحزب سوى مع عودة اليوسفي من منفاه الإختياري بفرنسا سنة 1995. وبقي تيرمومتر تفاعله الحزبي والسياسي مرتبطا بترمومتر اليوسفي، عنوانا لجيل سياسي مغربي، بأخلاق سياسية ونضالية وطنية رفيعة، عنوانها النزاهة ونظافة اليد وجرأة الموقف، إلى أن لقي ربه فعليا، راضيا مرضيا، كما تعلمنا الآية القرآنية الكريمة.

*عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

الاربعاء 3فبراير 2015