أصبح من المستحيل الاطمئنان إلى السلوك الحكومي، بخصوص التدبير العقلاني والمقنع للاستحقاقات السياسية القادمة، وذلك للفارق الشاسع والرهيب بين النوايا المعلنة، في التغني بالتمسك بالدستور الجديد، والحرص على التفعيل السليم لمقتضياته؛ وبين الواقع العملي الذي ضاحى له عنوان واحد هو التطبيع مع التراجعات وترسيم انتهاك الحكومة لهذا الدستور.
آخر فصل في هذا الانتهاك الصارخ هو استيلائها على الوظيفة المؤسسة التشريعية في سن التشريعات المتعلقة بالانتخابات، حيث أقدمت على تأسيس ما سمي باللجنة المركزية لتتبع الانتخابات أسندت رئاستها لوزيري الداخلية والعدل والحريات، كما أسندت رئاسة لجانها الإقليمية إلى العمال ووكلاء الملك، الذي لم ينفه رئيسها أمام البرلمان.
ومن حق الرأي العام على الأحزاب الوطنية، توضيح ما أحاط بما سمي بالمشاورات بينها وبين الحكومة في شخص وزيري الداخلية والعدل والحريات ، ولا سميا الاجتماع بمقر وزارة الداخلية الذي استدعيت لحضوره أحزاب بشأن العمليات الانتخابية المقبلة. ومن واجبالأحزابالسياسية الحاضرة، دفاعا عن صدقية الاقتراع المقبل أن تخبر الرأي العام أنها قادةالمعارضة فوجئوا بتحول إطار الاجتماع إلى ما سمي بلجنة مركزية لتتبع الانتخابات، حيث تم عرض وثيقة لا تحيل على مصدرها وترتكز حسب ما صرح به وزيرا الداخلية والعدل والحريات إلى قرار المجلس الوزاري المنعقد بتاريخ 14 أكتوبر 2014 في شأن السهر على سلامة العمليات الانتخابية.
غير أن الحكومة قامت بالالتفاف على مضامين التوجيهات الملكية – وهي تعنى بالسهر على سلامة العمليات الانتخابية في إطار تفعيل القوانين الانتخابية وحسن أداء اللجان المنصوص عليها قانونا- بدون الحديث عن تأسيس اللجنة المركزية ولجانها الإقليمية. وهذا بحذ ذاته مظهر صارخ للتراجعات التي طبعت التدبير الحكومي في ملف الاستحقاقات، وتخليه عن مكتسبات سابقة عن دستور 2011 نفسه، وهنا نذكر بأن اللجنة الوطنية للانتخابات المحدثة بموجب الظهير عدد 1.97.97 المؤرخ في 23 من ذي الحجة 1417 الموافق ليوم فاتح مايو 1997 ينص الشهير المؤسس لها بشكل صريح على أن اختصاص هذه اللجنة ينحصر في العمليات الانتخابية التي تمت في إطار دستور 1996؛ وهو ما يؤكد على أن الحكومة التي تحت تحن إلى ما قبل الدستور الجديد.
وفضلا عما سبق، فإن إحداث هذه اللجنة المركزية يشكل أمرا خطيرا للاعتبارات التالية :
الاعتبار الأول: أن اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات لا يمكن أن تحل محل اللجنة الوطنية لتتبع الانتخابات المحدثة بموجب الظهير أعلاه اعتبارا لكون هذه الأخيرة كان وجودها القانوني مرتبط بالعمليات الانتخابية المنجزة في ظل دستور 1996؛
الاعتبار الثاني : أن التوجيهات الملكية لوزيري الداخلية والعدل بشأن السهر على سلامة العمليات الانتخابية تعني تفعيل اللجان المنصوص عليها في القوانين الانتخابية ولا تعني إحداث ما سمي باللجنة المركزية ولجانها الإقليمية
الاعتبار الثالث : أن اللجنة الوطنية لتتبع الانتخابات المحدثة بموجب نفس الظهير، كانت رئاستها تسند للرئيس الأول للمجلس الأعلى ( محكمة النقض حاليا) أما وزيري العدل والداخلية فكانا مجرد أعضاء فيها، كما أن اللجان الإقليمية والمحلية كانت تسند رئاستها للقضاة وليس للوكلاء العامين للملك ووكلاء الملك والعمال والولاة؛ في حين أن ما سمي باللجنة المركزية للتتبع الانتخابات فإن رئاستها أسندت للوزيرين المذكورين ولجانها الإقليمية للعمال ووكلاء الملك؛ وبالتالي فلا توجد أي علاقة قانونية بين اللجنة الوطنية لتتبع الانتخابات وما سمي باللجنة المركزية لتتبع الانتخابات.
إننا، في حقيقة الأمر نتابع أطوار فصل جديد من التراجعات، التي تحاول الحكومة تقديمها الى الرأي العام بلبوسات قانونية لا تنطلى على أحد.

* الخميس 6 فبراير 2015