أود، في البداية، أن أؤكد أن عبارة “كلب الصيادة”، لم أستعملها لا بقصد الشتيمة والقذف ولا بنية التحقير والتشهير ولا رغبة في الإهانة والاحتقار. فهي لا تحمل، في ذهنني، مفهوما قدحيا، بقدر ما هي وصف لحالة، بل لمهمة أعتقد أن عمود “نيني” اليومي “شوف تشوف” يقوم بها في كثير من الأحيان. وسأحاول أن أبين ذلك من خلال بعض الأمثلة. لكن قبل ذلك، لنوضح المعنى اللفظي والوظيفي لهذه العبارة.
يمكن قراءة كلمة “الصيادة”، في لهجتنا المغربية، بصيغتين مختلفتين: إما “الصْيَادَة” (بالسكون على الصاد والفتحة على الياء) أو “الصّيَّادة”(بتشديد الصاد والياء). وتؤدي الكلمة في القراءة الأولي معنى فعل الصيد وفي القراءة الثانية تحيل على فاعلي فعل الصيد؛ وهم الصيادون.
وسواء قرأناها بالصيغة الأولى أو الثانية، فإن عبارة “كلب الصيادة” تفيد نفس المهمة الموكولة إلى هذا الحيوان الأليف المعروف بالوفاء وإسداء الخدمات لصاحبه. وحتى نقرب الفكرة للقارئ، وبالأخص الذي لا يعرف شيئا عن الصيد وعلاقته بالكلاب، نبادر إلى القول بأن وظيفة كلب الصيد تختلف عن وظيفة كلب الحراسة، سواء تعلق الأمر بحراسة المنازل أو حراسة الماشية…
وتخضع كلاب الصيد (أو القنص) لتداريب خاصة حتى تقوم بالأدوار المنتظرة منها. فإذا كان الصياد (أو الصائد) التقليدي ـ سواء كان يعيش من هذا النشاط (مهنة الصيد) أو كان يمارسه كهوايةـ يدرب كلبه (أو كلابه) على الإمساك بالطريدة أو، على الأقل، إنهاكها حتى يتمكن هو منها، فقد أصبحت كلاب الصيد اليوم- بفعل استعمال السلاح في القنص وبفعل تطور هذا النشاط الذي أصبح رياضة، يتعاطاها الأثرياء أساسا- تقوم بدور “التحياح”(أي إخراج الوحيش والطيور من مخابئها) لتكون الطريدة في متناول بندقية الصياد؛ وتقوم أيضا بدور جمع الطرائد.
والطريدة قد تكون طائرا كان “يطير بجناحيه” أو حيوانا كان “يمشي على أربع”، فأصابه الصياد برصاصة قاتلة. وقد يحدث أن يصاب كلب الصيد، وهو يقوم بمهامه، سواء كحياح أو كجامع للطرائد، بشظايا الرصاص المستعمل من قبل الصيادين (رصاص بندقية الصيد) المنتشرين بالغابة، فيصبح ضحية المهام الموكولة إليه.
وهذا ما يحدث بالضبط لبعض الصحافيين الذين يكتبون تحت الطلب أو الذين يقدمون خدماتهم للغير (بمقابل أو بدونه) لتصفية الحسابات، سواء كانت سياسية أو شخصية. وغالبا ما يقع في هذا المطب الصحافيون الذين يعتمدون الإثارة أسلوبا أو خطا تحريريا؛ فالباحث عن الإثارة كصياد النعامة “يلقاها يلقاها”.
لا تهمني الإثارة، هنا، إلا بقدر ما هي قابلة لأن تتحول إلى مصيدة، يقع فيها صائدها، فينطبق عليه المثل المغربي “شاف الربيع ما شاف الحفى”. فالصحافي الباحث عن الإثارة قد يستفيد من خدمات جهات أو أجهزة لترويج أخبار مثيرة ومعطيات خطيرة، تجلب القراء وتستهوي فضولهم، فترتفع المبيعات ويكبر الدخل.
ولكون الجهات المسربة للأخبار المثيرة لها حساباتها الخاصة، فهي التي تستفيد، في الواقع، من خدمات الصحافي ومنبره الإعلامي. وبمعنى آخر، فهي توظفه لأهدافها حين تسرب له معلومات دقيقة وخطيرة (قد تكون صحيحة وقد تكون مزيفة)، حول أشخاص ذاتيين أو حول مؤسسات عمومية أو خاصة. وبما أن الصحافي، لثقته في المصدر، قد يعتقد بأنه يقوم بخبطة صحفية (“همزة”) بنشر تلك المعلومات، دون تحرٍّ، فيقع في المحظور؛ ذلك أن كشف تلك المعلومات، قد يجره أمام القضاء وما يستتبع ذلك من أحكام ربما تكون ثقيلة؛ فتنطبق عليه مقولة “انقلاب السحر على الساحر”.
وبما أن لكلٍ مآربه، فقد يحدث أن تتعارض المصالح، فتنقلب الأدوار ويصبح صديق الأمس عدوا والمزوِّد بالأخبار مُتهِما؛ وتصبح روح الانتقام هي السائدة في العلاقات. وتكون الحلقة الأضعف، في هذه الحالة، هو الصحافي. وهذا ما حصل، في اعتقادنا، لـ”رشيد نيني” الذي تم العمل على “تأديبه” بقضاء سنتين وراء القضبان، بعد أن حُبك ملف إدانته بدقة.
ولفهم ذلك، يجب استحضار بعض المعطيات الخاصة بـ”نيني” الصحافي (أما “نيني” الشخص، فلا يهمني). لا أعتقد أن هناك من يشك في القدرة التعبيرية للصحافي “رشيد نيني” وسيولة قلمه؛ فعموده اليومي “شوف تشوف” دليل على ذلك. لكن، بالمقابل، قليلين هم الذين يؤمنون بقدرته الشخصية وإمكانيته الذاتية، كصحافي، في الوصول إلى تلك المعلومات الدقيقة التي كان يقدمها، قبل اعتقاله، في عموده اليومي بجريدة “المساء”؛ إذ يستحيل على الصحافي أن يصل إلى نوع المعلومات السرية والدقيقة التي كان يكشفها “نيني”، لو لم يكن مصدره في ذلك جهة نافذة لها حسابها الخاص في كشف تلك المعلومات (تصفية حسابات؟ وضع طعم لكشف مستور؟… لا ندري).
ويبدو أن “نيني” قد استمرأ اللعبة، فلم يكتف بمصدر واحد؛ بل عدد مصادره، أو على الأقل اتخذ مصدرا آخر (أقوى من الأول أو أقل منه قوة ؟ لا أدري؛ لكنهما، بكل تأكيد، متعاديان) إلى جانب المصدر الأول، دون قراءة العواقب. لقد أراد أن يلعب على الطرفين باستغلال التناقضات واستثمارها لصالحه، معتقدا أنه أذكى من الجميع؛ فما كان من الجهة القوية إلا أن قررت أن تلقنه الدرس، فحبكت ملف إدانته، كما أشرنا إلى ذلك أعلاه.
وبما أن المعني بالأمر قد استوعب الدرس من “التأديب”، فقد أراد أن يبيض صفحته ويحسن سيرته، فشرع في بعث رسائل حسن السلوك للجهات التي يهمها الأمر. ولإرضاء نلك الجهات، فقد أخذ يطلق النار على كل من يعتقد بأنه مزعج لها. ولا أجد من تفسير آخر غير هذا لتحامله على أحزاب الحركة الوطنية، وأساسا حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المعارضين.
يكفي المرء أن يقرأ ما كتبه، في عموده اليومي بجريدة “الأخبار” التي يديرها، في مقالين منفصلين، عن “غرق” حزب الاستقلال وعن “موت” حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ليدرك الرسائل الواضحة والمرموزة التي أراد بعثها للجهات النافذة. ولتكون الرسائل “قوية”، كان لا بد من إظهار الموشى بهم بأنهم خطيرين ومتهورين، قد يتسببون في زعزعة الاستقرار لكونهم يمدون أيديهم “لأعداء” الدولة ويؤلبونهم عليها.
وهكذا، فكل ما يصدر عن حزب الاستقلال من مواقف، سواء عبر عنها الأمين العام لهذا الحزب أو شبيبته أو برلمانيوه أو صحافته، فهو، بالنسبة لـ”نيني”، إعلان حرب وخوض معارك مع الدولة بالوكالة، يديرها “شباط”. وهو ما يشكل، بالنسبة إليه، “دليلا” على الإفلاس و”برهانا” على أن الحزب العريق قد تحول إلى حزب غريق.
ولتكون الرسالة أقوى، فلا بد من التحضير لإعلان وفاة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الحليف الإستراتيجي لحزب الاستقلال. وهكذا، فبعد أن كتب “نيني” في ختام مقاله بعنوان “الحزب الغريق”- الذي “من المحتمل أن يصل به ‘شباط’ إلى المحطات الانتخابية عاريا بعد نتف كل ريشه”- بأن “شبيه شباط”(كذا) “يقود الاتحاد الاشتراكي نحو الهاوية”، أفرد لهذا الأخير مقالا بعنوان “باحماد لشكر” (“الأخبار”، الثلاثاء 27 يناير 2015).
وبوقاحته المعهودة، فقد شبه الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي- الذي يعرف دينامية حقيقية، سياسيا ودبلوماسيا وفكريا وثقافيا وإعلاميا وتنظيما، بعد مؤتمره الوطني التاسع- بـ”الحاجب السلطاني باحماد، الذي عندما مات السلطان الحسن الأول أركبه على فرسه وسار به كاتما الخبر عن الجميع، إلى أن فاحت رائحة جثة السلطان واضطر با حماد إلى إعلان وفاته”. ثم يردف قائلا: “والواقع أن حزب الاتحاد الاشتراكي مات عمليا عندما أطاح إدريس جطو بعبد الرحمان اليوسفي من حكومة التناوب…”. وبعد أن يصفي حساباته مع بعض القادة الاتحاديين، يعود ليشبه الأستاذ “إدريس لشكر” بـ”باحماد” قائلا بأن “الفائز بمنصب الكاتب الأول للحزب، ظل يحمل جثة الحزب ويطوف بها فوق الحصان، تماما كما فعل با حماد، لكي يقنع الجميع بأن الحزب حي يرزق، والحال أن الجميع يعرف أن الحزب مات منذ أعلن عبد الرحمان اليوسفي ذلك من بروكسيل بقراره اعتزال الحياة السياسية.”
وبعد ذلك، تأتي الرسالة الأهم؛ وهي الرسالة الحقيقية التي يريد “نيني” بعثها: “واليوم مع شعور لشكر بالعزلة السياسية إلى جانب شبيهه في المحنة شباط، يحاول هذا الأخير (من منهما يقصد؟ فكلمة “الأخير” تحيل، في اللفظ، على “شباط” وفي السياق، تحيل على “لشكر”. فهل هو خطأ في التعبير أم خلط مقصود؟) التلويح بآخر الأوراق التي في يده لكي يخيف الدولة ويذكرها بأنه لازال قادرا على إحداث الألم بتحريك السكين في الجرح، وذلك باللجوء إلى سياسة ‘تغليض الهضرة'”.
لن أناقش “نيني” في ما كتبه لأن ذلك سيحتاج إلى صفحات وصفحات. فكلامه (وهو عبارة عن أحكام جاهزة ومتحاملة، يكذبها العقل والواقع) كله مغالطات وافتراءات، لا يتسع المجال، هنا، لدحضها وتسفيهها.
لكن، باسم حرية التعبير التي لا أنازع “نيني” حقه فيها، أعطي لنفسي الحق بأن أتهمه ليس فقط بالارتزاق؛ بل بالعمالة لجهات معينة، يريد إرضاءها لنيل شهادة حسن السلوك؛ وذلك على حساب أخلاقيات المهنة التي تتطلب احترام قيم الموضوعية والنزاهة الفكرية وغيرهما. وأعتقد أن العنوان الذي اخترته لهذا المقال يوفي بالغرض ويناسب “الوظيفة” التي تعلمها “نيني” من سجنه.

السبت 7 فبراير 2015