تجتهد الحكومة، من خلال بعض وزرائها ورئيسها، في الهبوط السريع بمستوى النقاش السياسي، إلى درجة تبعث على القلق والاستغراب. وقد تابعنا فصولا عديدة ومتواترة عن هذا التسابق المحموم في تبخيس الخطاب، وتتفيه المعقولية المتوجبة في التبادل السياسي والفكري بين الفاعلين السياسيين من كل ألوان الطيف الموجودة في الحقل الوطني.
ولم يكن التحلل الكامل من الرزانة المطلوبة، كماشاهده المغاربة كلهم مباشرة من قبة البرلمان، سوى أحد تمظهرات هذا النزوع المتزايد نحو الإفلاس التام للغة والمضمون السياسيين .
كان حريا بالحكومة أن تقدم عرضا مقنعا عن التواصل السياسي كما يجب أن تكون عليه المناقشات – والنقاش كما نعرف هو طريق الشعوب للتربية السياسة والمدنية-، وكان حريا بها أن توفر على المغاربة الإسفاف الذي يحط من قدر السياسة ويزيد من هشاشة الوضع الديموقراطي، ويوقظ النزعات المعادية للديموقراطية وانفتاح الفضاء العام، ويغذي التوجهات التي تبخس من السياسة.
وحقيقة الأمر أن تبخيس السياسة والإنتاج الوطني، كان بدوره من مكونات الخطاب الحكومي، عندما أصبح الهاجس الأكبر لدى رئاستها، ولدى جزء من الأغلبية، هو تعويض التدافع بين الأفكار بالتنابز والشخصنة المعيبة، التي تفرغ العمل المدني من حمولته التثقيفية والتكوينية والبيداغوجية.
هذا التنازل الطوعي السياسوي عن السقف الأخلاقي المطلوب في النقاش العمومي، يأتي، للأسف في الوقت الذي .. تحرر فيه الخطاب التداولي من فظاظة اللغة المخزنية، ومن التقليدانية ومن أحجبة الخشب التي كانت تقتل الخيال السياسي، وتعطل ملكات العقل النقدي ، وتعيق الارتقاء الى مستوى إبداع اللغة والقاموس السياسي السليم الذي يسير مع المرحلة، أي مرحلة البناء المعنوي للمواطنة والانخراط السياسي الملتزم بقضايا الوطن والمواطنين، وليس الالتزام الطائفي الذي يشوش على المرحلة الحالية أو الانخراط الرجعي الذي يكرس الدونية بين المواطنين والمواطنات، ويعزز النكوصية في الفضاء العمومي .
وعوض أن تسهر النخبة الحكومية على تعميم القاموس السياسي الدستوري الجديد وترسيخه في المجال العام، نراها تسارع إلى قتله ومسخ ملامحه، وذلك بخروجها مباشرة إلى التدني.. والى الانجرار الغرائزي نحو الضحالة.
والحال أن تعميم الضحالة، كجزء من قتل السياسة والإنتاج النبيل الذي يمكن تقديمه للمجتمع، يتزامن مع العزوف الملحوظ عن الانخراط السياسي، ويقلص دائرة المشاركة المواطنة في النقاش وتراجع قيم العقل، والرزانة والسمو الأخلاقي، وسيادة اللغة السوقية،.
ونحن نشدد من جديد على أن سلامة اللغة السياسية ليس جزئية غير ذات بال، بل إنها من صميم التثقيف السياسي والتكوين المواطن،ومسؤولية الحكومة ثابتة ثبوتا علنيا، ويسجل التاريخ أن المرحلة التي نعيشها تنتج بشكل لافت الفقر اللغوي للسياسة، من أقوى نقطة في الهندسة الدستورية، وهي الحكومة وما تحتله من مكانة في الصرح الدستوري. ومن هنا خطورة ما يحدث في الفضاء العام وتلويثه بالخطاب المتهالك الذي لن يزيد سوى من زعزعة الثقة في السياسة ببلادنا.