عن موقع منبر الدكتور محمد الجابري

 

المقـدمـة

لقد شهدت السنوات الأخيرة تراكما مهما في الكتابات المهتمة بالانتقال الديمقراطي الذي عاشته عدة دول، وهو الأمر الذي قـد يسمح بظهور فرع  جديد في علم السياسة يسمى transitologie* La. ويرى الأستاذ ..Guy Hermet أن الانتقال الديمقراطي يعتبر براديغما حديثا في علم السياسة، ظهر سنة 1975 موازاة مع التجربة الإسبانية.. وإذا كان الانتقال الديمقراطي كمفهوم لم يتبلور إلا حديثا في علم السياسة، فإن وجوده كحدث سياسي أقدم من ذلك بكثير، إذ على سبيل المثال، بالنسبة لفرنسا ابتدأ الانتقال الديمقراطي سنة 1787، ولم يتمم إنجازه إلا سنة 1900، وذلك من خلال تدعيم الجمهورية الثالثة. وفي إنجلترا ابتدأ الانتقال الديمقراطي مع إصلاح القانون الانتخابي سنة 1832، ولم ينجز بصورة كاملة إلا سنة 1918 مع العمل بنظام الاقتراع العام…من هنا، يمكن القول أن الجديد بالنسبة للانتقال الديمقراطي هو علاقته بالزمن، بحيث إذا كانت عملية الانتقال الديمقراطي تتطلب قرنا ونصفا في الديمقراطي ات الرائدة، فإنها لا تستمر في الأنظمة الجديدة إلا خمس أو ست سنوات..

فالانتقال الديمقراطي يعتبر مسلسلا حقيقا للتغيير يتم بواسطته الانتقال من وضع سياسي إلى آخر يدخل تغييرات على الوضعية الاقتصادية والاجتماعية وعلى المؤسسات القائمة والفاعلين السياسيين. “ويعتبر الانتقال الديمقراطي عملية معقدة وصعبة كشفت التجارب أنها تتطلب تضحيات كبيرة، وتسببت في مقاومات وصراعات بين القوى القديمة والجديدة، وبين مراكز النفوذ وشبكات المصالح، الأمر الذي يفرض على الأطراف تقديم عدد من التنازلات والتفاوض على مجموعة من التوافقات”… كما يفيد بكوننا أمام كيفية جديدة لوعي المجال السياسي، وأمام أسلوب جديد لممارسة السياسة والسعي إلى السلطة.. ويستعمل مفهوم الانتقال الديمقراطي لوصف التحولات الجذرية التي تقع في نظام سياسي يتميز بطبيعته الشمولية، وهذه التحولات قد تأخذ أشكالا متعددة، وتتم على مستويات مختلفة، حسب تجارب الانتقال الديمقراطي التي عرفتها بعض المجتمعات في الربع الأخير من القرن الماضي.. كما يمكن وصف الانتقال الديمقراطي بكونه مسلسلا يتم فيه العبور من نظام سياسي مغلق ولا يسمح بالمشاركة السياسية، أو تكون فيه الحقوق المرتبطة بالمشاركة السياسية مقيدة، إلى نظام سياسي مفتوح يتيح مشاركة المواطنين ويتيح تداول السلطة..

فالأساس في عملية الانتقال الديمقراطي هو الانفتاح المتزايد على المجتمع وعلى القوى الفاعلة فيه، وعلى مطالبه الأساسية المتصلة بثلاث مجالات: الديمقراطي ه، حقوق الإنسان والاقتصاد، وهذا مقابل تخلي النظام السياسي عن احتكار السلطة ومركزة القرارات في دوائر ضيقة وفق منهجية لا تتأسس على فلسفة النقاش العمومي والتفاوض والتوافق، بحيث يتيح للإرادات المختلفة أن تظهر، والطاقات الفردية والجماعية أن تنطلق وتعبر عن نفسها.. ونتيجة ذلك هي إدماج كل الطاقات والموارد البشرية الوطنية في المشروع النهضوي وهو ما يعتبر مكسبا وإثراء له، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، السماح بحدوث حركية اجتماعية تتولد عنها حركية سياسية بالمعنى الذي يفيد بحصول تغييرات على مستوى بنية المجتمع، وهو الأمر الذي يعتبر مؤشرا قويا على حصول تغيير سياسي حقيقي سواء على مستوى منظومة القيم أو المنظومة القانونية والمؤسساتية.

وإذا أردنا تصنيف أشكال الانتقال الديمقراطي، فيمكن حصرها في ثلاثة:

الانتقال التوافقي الذي يتميز بحصول توافق بين السلطة القائمة والقوى الحية أو قوى التغيير؛

الانتقال الاستردادي، حيث تقوم السلطة القائمة، وبسرعة، بتحويل مطالب الشعب لفائدتها؛

الانتقال الجبري، حيث أن السلطة القائمة، وبعد رفضها السابق للتغيير، ينتهي بها الأمر، ومن دون حصول قناعة لديها، إلى الرضوخ للتغيير.

وقد شكل مشروع الانتقال الديمقراطي أحد الرهانات المركزية لحكومة التناوب بقيادة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، إلا أنه بالمقابل لم يشكل رهانا ملكيا واضحا. وتجدر الإشارة بهذا الصدد إلى أن “الملك الراحل الحسن الثاني قد تحدث عن التناوب والعفو العام والمصالحة وعن إنقاذ المغرب من السكتة القلبية ..، والملك الحالي تحدث عن المجتمع الديمقراطي الحداثي وعن المفهوم الجديد للسلطة، ولم يتحدثا عن الانتقال الديمقراطي كمشروع اجتماعي يستلزم في الحالة المغربية، وفي كل حالة أخرى، إصلاحا دستوريا حقيقيا وتغييرات جذرية على المستويين الاقتصادي والسياسي.

وتعتبر التجربة الإسبانية في إنجاز الانتقال الديمقراطي مثالا نموذجيا، مع العلم أن تحقيق هذا المشروع الطموح لم يتطلب إلا ست سنوات (من 1976 إلى 1982). وتجدر الإشارة هنا إلى أنه حين تطول عملية الانتقال أكثر من اللازم، فإنها تفشل، لأنها تتيح الفرصة لمراكز النفوذ القديمة لإعاقة التجربة ومقاومتها، خصوصا وأنها تكون في الغالب الأعم مراكز منظمة ومهيكلة، كما تصيب قوى التغيير بالضعف والوهن والإحباط، الشيء الذي يجعلها تتراجع وتقدم تنازلات غير مقبولة. كما تفقد الحماس الشعبي المرافق عادة للبدايات. إذن، وليتحقق الانتقال الديمقراطي ، لا يجب أن تكون هناك عوائق تعرقل مسار التحول. والمقصود بالعوائق هنا، كل الفاعلين والمؤسسات والعوامل والوضعيات التي تحول دون وصول التحول إلى مداه.

ولتوضيح الصورة أكثر، يمكن القول أن الانتقال الديمقراطي يطرح ثلاثة أسئلة: الانتقال من أين؟ وإلى أين؟ ثم كيف؟ والسؤال الثالث هو المرتبط بأجرأة هذا الانتقال وبالأجهزة والآليات الفاعلة فيه. وهذه الأخيرة متعددة، نجد على رأسها الأحزاب السياسية، وذلك بالنظر للدور المحوري الذي أصبحت تلعبه في الأنظمة الديمقراطي ة.

وبالنظر إلى الفشل الذي يعتري، إلى حد الآن، مشروع الانتقال الديمقراطي بالمغرب، فالأكيد أن العلة في ذلك يمكن ملامستها على مستوى الفاعلين والآليات السالفة الذكر. وبناء عليه، فإن الإشكالية التي سنسعى لمعالجتها في هذه الورقة تتحدد فيما يلي: ما هي الظواهر والسلبيات والممارسات التي تشكل، على مستوى الأحزاب السياسية المغربية، عوائق للانتقال الديمقراطي ؟ وبتعبير آخر، إلى أي حد تحمل الأحزاب السياسية في ذاتها عوائق الانتقال الديمقراطي ؟ هذا ما سنسعى لمقاربته أولا على مستوى بنية وهيكلة الأحزاب، وثانيا على مستوى ممارستها السياسية.

عوائق الانتقال الديمقراطي على مستوى بنية وهيكلة الأحزاب

تعتبر العلاقة بين الديمقراطي ة والحزب السياسي علاقة متميزة، تطبعها التفاعلية والحتمية. ومن ثم، لا يمكن للديمقراطية أن تترسخ كمنظومة شمولية في حالة غيابها أو ضعفها على مستوى المنظومة الحزبية. وبالتالي، فإن إصلاح ودمقرطة هذه الأخيرة يعتبر مدخلا أساسيا ومحوريا في مقاربة دمقرطة هياكل ومؤسسات الدولة وبنيات المجتمع، ومن ثم في إنجاز أي مشروع نهضوي طموح مثل الانتقال الديمقراطي . فما هو واقع وتجليات أزمة الديمقراطي ة داخل الأحزاب المغربية؟

أزمة الديمقراطية الداخلية والمبادرة الملكية لإصلاح الأحزاب

لقد عرف المغرب عقب الاستقلال حياة سياسية صاخبة وغنية، شكلت الأحزاب السياسية فيها عنصرا فاعلا محوريا، وذلك بالنظر للقوة والمصداقية التي كانت تتوفر عليها. وبعد الإعلان عن حالة الاستثناء سنة 1965، طال الأحزاب السياسية تهميش وإقصاء من الحياة العامة دام إلى حدود انطلاق المسلسل الديمقراطي . إلا أنه منذ مطلع الثمانينات، أخذ الضعف والوهن يدب في الهيكل الحزبي المغربي. وإذا كانت أسباب ذلك متعددة، فإن أهمها، على الأرجح، تتعلق بتعطيل منهجية العمل الديمقراطي داخلها، وهو الأمر الذي ظلت عليه إلى أن جاءت المبادرة الملكية بإصلاحها.

أزمة الديمقراطي ة الداخلية

لا يمكن الحديث عن أحزاب سياسية فاعلة وفعالة إلا إذا كانت تجعل من الديمقراطي ة منهجية لا محيد عنها.وبتعبير آخر، لا يمكن للأحزاب أن تتبنى قضية الديمقراطي ة إذا كانت هذه الأخيرة غائبة أو ضعيفة الوجود على مستوى الهياكل الداخلية للأحزاب.

وما يسجل على الحزب السياسي المغربي هو انغلاق بنيته التنظيمية وعدم الانفتاح ليس فقط على المجتمع وطبيعة التحولات التي يعرفها، وإنما على النقاشات الداخلية، سواء كانت فردية أو جماعية، وهي الظاهرة التي ارتبط بها منطق الإقصاء والإقصاء المضاد، الأمر الذي يترك تأثيرا سلبيا على إنتاج الأفكار والمفاهيم. هذه الإشكالية عبر عنها الأستاذ عبد الحي مودن بالقول أنه لا يجب أن نناقش الطريقة التي يسير بها الأمير دولته أو إمارته، ولكن أيضا الطريقة التي يسير بها الفاعلون السياسيون إماراتهم، إذ لا يمكن رفع شعار الدولة الديمقراطية بدون أن تسود الديمقراطية إمارات الفاعلين السياسيين. لا يمكن مطالبة الدولة باحترام القانون في الوقت الذي لا تحترم فيه التنظيمات السياسية نفسها قوانينها.

فمن الواضح أن تطوير ممارسة حزبية فاعلة وبناءة قادرة على المساهمة إيجابيا في إنجاح مهام الانتقال الديمقراطي رهينة أساسا بأسلوب الممارسة الداخلية للأحزاب، وربح معركة التغيير الديمقراطي الذاتي. فلا يمكن أن نطمح إلى تطوير المجتمع وإصلاح الدولة بآليات تعاني خصاصا ديمقراطيا ذاتيا، وهي ذاتها في حاجة إلى إصلاح وتقويم هيكلي. ويعزي الأستاذ عبد اللطيف أكنوش غياب اعتماد الأسلوب الديمقراطي لحل المشاكل العالقة داخل الأحزاب المغربية إلى هيمنة الثقافة المخزنية على سلوك قيادييها، رغم أنهم ما فتئوا يشتكون منذ الاستقلال من النموذج الثقافي المخزني الذي يسيطر على سلوكيات الحكم، ويحول دون قيام قواعد قارة وشفافة للتعامل السياسي. فالأجواء التي تخيم على هذه الأحزاب في حياتها اليومية، هي نفسها تلك التي يصادفها الباحث في الدراسات التي تتخذ أجواء البلاطات موضوعا لها.

إن الأحزاب المغربية التي رفعت راية التحديث على مدى العقود التي أعقبت الاستقلال، وجدت نفسها تغرق في أساليب إدارتها لشأنها الداخلي من صميم ما ظلت تندد به وتعيبه على نظام الحكم الشمولي. لقد أصبحت تنتج نفس أنماط التعاطي البيروقراطي والديماغوجية والاستئثار بالرأي، وتعمل من أجل الهيمنة والحفاظ على الوضع الاجتماعي القائم
فلا يمكن تصور تحديث البنية الحزبية ودمقرطتها إذا لم تنجح في تبني برنامج للتأهيل السياسي، ورفض مفهوم المواطنة الامتيازية للقادة وتقرير حالات التنافي بعدم الجمع بين المهام، وتجذير المراقبة وتطوير آليات التخليق. فكلما غاب الوضوح الفكري والمناخ المساعد على الخلق والإبداع، يتقدم الموروث الثقافي والاجتماعي التقليدي ليملأ الفراغ. وهكذا، تشيع ثقافة الولاء والنصرة حول القيادات التي تحتكر المنافع المادية والرمزية داخل الحزب. وبهذا تصبح معايير القيادة والمسؤولية داخل الحزب تتمثل في القدرة على المناورة والتفاوض لكسب المواقع، واللعب على المتناقضات والاستقواء بالدولة على الخصم الحزبي وتشويه صورته، وليس القدرة على إنتاج الأفكار والتصورات والبدائل والمبادرات التي تصب في مجرى الصالح العام.
لقد أدى انغلاق التنظيم السياسي وعدم تجديده الداخلي إلى ندرة المناضلين ووضوح اللاتسيس لدى فئات كبيرة من الشعب، فضلا عن انعدام المسؤولية الأخلاقية لتدبير الشأن السياسي، وظل المرشح مرتبطا في الوعي السياسي بإعطاء الوعود والرشاوى، وارتبطت السياسة بصيانة الامتيازات المادية، كما فشل الخطاب الحزبي في الانسلاخ عن الشرعية التاريخية وبناء شرعية ترتكز على واقعية سياسية من شأنها التأثير على المواطن المهتم بمتطلباته اليومية الباحث عن تلبيتها.

ومن تبعات هذا الواقع، يلاحظ أن لغة الجمود أمست الأسلوب الطاغي على الفعل الحزبي بالمغرب، بحيث يبدو الحراك السياسي الغائب الأكبر عن الأحزاب بكل أطيافها السياسية، وأمسينا، والحالة هذه، أمام نوادي سياسية مغلقة، كما ظلت عقدة الزعيم غير قابلة للحل إلا بوفاته أو عن طريق الانشقاق عن الحزب الأم، ليعيد الحزب الجديد إنتاج نفس الحلقة المفرغة من منظومة القيم التي تعلل بها لتبرير انشقاقه.

فالمفروض في الأحزاب السياسية أن تكون نموذجا ومثالا لاحترام قواعد الممارسة الديمقراطي ة، بحيث يجب أن تكون قنوات الترقي في الهرمية التنظيمية للحزب مفتوحة أمام كل الطاقات، وتكون الانتخابات الدورية والمؤتمرات العامة الآلية الأساسية لتجنيد النخبة القيادية في الحزب، وكذا في عزلها وإحلال نخبة أخرى محلها، بالإضافة إلى تحديد التوجهات العامة للحزب. وبهذا الصدد، لا يسعنا إلا تأكيد الموقف الذي يفيد بكون الحزب المغربي يمتاز بجمود بنياته الداخلية حيث لا يسمح بتحقيق طموح سياسي داخله، فمن يوجد في القواعد السفلى لا يستطيع التسلق إلى الأجهزة القيادية إلا في بعض الحالات النادرة.

إن الجمود الذي يطال دورة النخبة الحزبية يحكم على الآلاف من المناضلين بالبقاء في الظل، الأمر الذي يتسبب في تعطيل كفاءاتهم وقدراتهم، وهو ما يعتبر خسارة للدولة والمجتمع ككل وليس للأحزاب فقط.

المبادرة الملكية لإصلاح الأحزاب

إن الوضع الذي آلت إليه الأحزاب، أدى إلى طرح مسألة تخليق الحياة السياسية والحديث عن تأهيل المجال السياسي المغربي، هذا المطلب، وإن كان حزبيا، فأن عدم تجسيده والتوافق عليه، حوله إلى مكسب ملكي، وانحصر الإصلاح في المؤسسة الحزبية دون غيرها، باعتبارها الجهاز الذي يجسد الأزمة.

إن الحديث عن إصلاح الأحزاب المغربية مرتبط، في جوهره، بالعلاقة بين الفاعل المركزي المتمثل في المؤسسة الملكية والمكونات الحزبية، ضمن تصور تظهر في خضمه السلطة السياسية مسيجة ببنيات الحكم ومقوماته المركزية. وفي هذا الإطار، أضحى إصلاح الأحزاب مطلبا ملكيا، وهو ما يستشف من خلال الخطب الملكية في مناسبات مختلفة، نذكر منها خطاب 13 أكتوبر 2000 بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة، وخطاب 12 أكتوبر 2002 بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة. كما تجدر الإشارة إلى أن الملك محمد السادس قد طالب في خطاب العرش بتاريخ 30 يوليوز 2000 المجتمع السياسي “بتأهيل أدواته وتجديد هياكله وتغيير أساليب عمله وإيلاء العناية القصوى للقضايا اليومية المعيشية للمواطنين، بدل التنابز بالألقاب وجري البعض وراء مصالح أنانية فردية وأشكال من الشعبوية المضرة بكل مكونات هذا المجتمع السياسي الذي ننتظر منه النهوض الكامل بوظيفته الدستورية المتمثلة في تربية وتأطير المواطنين”.

وقد جاء الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة بتاريخ 14 أكتوبر 2005، ليبين أن مشروع قانون الأحزاب كان بمبادرة ورغبة ملكيتين، حيث جاء فيه: “وستكون مصادقتكم، في مستهل هذه الدورة، على قانون جديد للأحزاب، الذي دعونا إلى وضعه”.. مضيفا: “وذلكم هو النهج القويم، الذي أعمل جاهدا على توطيد أركانه، مؤكدا غير ما مرة، ومن أعلى هذا المنبر، على إعادة الاعتبار للهيئات السياسية، اقتناعا منا بأنه لا ديمقراطية فعلية وملموسة إلا بأحزاب قوية ومسؤولة.. ومن ثم كان حرصنا على تقويتها، من خلال توفير إطار قانوني متقدم، يكفل لها الديمقراطية في التأسيس والتنظيم والتسيير”.

في هذا الإطار، جاء مشروع قانون الأحزاب الذي يهدف إلى “ترشيد وتخليق العمل السياسي بصفة عامة، والحياة الحزبية بشكل خاص”. مع الإشارة إلى أن هذا المشروع قد ثار حوله جدل واسع، وعلى سبيل المثال أورد رأي الأستاذ عبد الله ساعف الذي خلص فيه إلى أن مشروع قانون الأحزاب يؤشر على التسرع في مأسسة منطقة تطالب أكثر من المناطق الأخرى بالمزيد من النضج، داعيا إلى ترك الحياة السياسية تستمر بشكل طبيعي، مادام أن هناك فرزا طبيعيا يتم على مستوى القاعدة الاجتماعية التي تحكم على الأحزاب وتقيم أداءها. كما أكد على انعدام الحاجة الماسة لقانون ينظم الحياة الحزبية، وعلى كون قانون من هذا النوع لا ولن يمثل لحظة قوية في الحياة السياسية، مادام التقنين الحقيقي هو التقنين الذاتي الذي يحسم الأمور في نهاية المطاف.

وبهذا الصدد، فإن المفارقة التي تسجل على القانون رقم 36.04 المتعلق بالأحزاب السياسية تتمثل في أنه بدل مبادرة الأحزاب إلى إصلاح وتحديث النظام السياسي، يلاحظ أن هذا الأخير هو الذي يأخذ المبادرة للدعوة لإصلاح الأحزاب وتكييفها مع متطلبات الظرفية. وهذا مؤشر ذو دلالة عميقة، فهو ينذر بالقصور الذي صار يميز الأحزاب السياسية، وبتحولها إلى قوى غير فاعلة وعلى درجة لا يستهان بها من العجز والسلبية. إنه علامة على وجود خلل بنيوي في الحياة السياسية وتحجر في القوى السياسية، من شأنه تعطيل مشروع الانتقال الديمقراطي ، لأن مشاريع الإصلاح والتغيير تعتبر ترجمة صادقة لموازين القوى، وحاليا تعتبر الأحزاب فاقدة للمقومات اللازمة لإنجاز المشروع التاريخي للإصلاح والتغيير. ومن أهم هذه المقومات نذكر الثقل والسند الشعبي الذي يعتبر الدعامة الأساسية لأي مشروع من هذا القبيل، لأن أي إصلاح هو عبارة عن إعادة نظر في موازين القوى القائمة، وهو ما يعني، بطبيعة الحال، إعادة النظر في مسألة تكتسي حساسية قصوى وهي منظومة القيم والامتيازات القائمة. وأعتقد أن هذه هي الواجهة الحقيقية لأي إصلاح، وفي نفس والوقت العقبة الحقيقية لأي إصلاح.

ومن جهة أخرى، وبغية تعميق الطابع الإشكالي للمسألة، يدفعنا القانون المذكور إلى طرح التساؤلات التالية: هل تعتبر المقاربة القانونية وحدها قادرة على حل أزمة الأحزاب السياسية بالمغرب؟ أم أن الإشكال أعمق من ذلك بكثير وعلى درجة كبيرة من التعقيد، إذ لا يتعلق فقط بقصور في البنية القانونية المؤطرة لنشاط الأحزاب، وإنما يتعداه ليصبح قصورا في القيم والمبادئ والأخلاق المؤطرة للسلوك السياسي سواء لدى النخبة السياسية أو لدى المواطن العادي؟ ثم ألا يعني قانون الأحزاب الجديد تأجيل مسألة الإصلاحات الهيكلية في النظام السياسي، وذلك على اعتبار أن الأحزاب السياسية غير جاهزة لهذه النقلة النوعية، ولازالت أمامها سنوات من التصحيح وإعادة الهيكلة؟ وفي الأخير، ألا تعبر المبادرة الملكية لإصلاح الأحزاب السياسية عن رغبة المؤسسة الملكية في تحويل الأحزاب إلى متراس ديمقراطي وشعبي قوي يكون سندها ودعامتها ضد الأخطار المحتملة للطموحات السياسية للجيش، كما عودنا في الماضي، وضد الحركات الراديكالية والشعبوية بمشاربها المختلفة؟

عقم التعددية الحزبية

لقد كان المغرب من بين دول العالم الثالث القليلة التي تبنت في وقت مبكر التعددية الحزبية، هذه التعددية التي ظلت إلى حدود الستينات والسبعينات من القرن الماضي منطقية وعقلانية، من خلال اعتبارها انعكاسا لضرورات سياسية وقوى اجتماعية محددة. “كما أن متابعة الانشقاقات الأولى التي عرفتها الحركة الوطنية تظهر أن هذه الانشقاقات كانت بمثابة ردود فعل اجتماعية تخضع للقوانين الاجتماعية. فهذه الانشقاقات كانت نابعة من تطور المجتمع الذي تتحرك في نطاقه، لم تكن انشقاقات مصنوعة ، وإنما كانت نتيجة حقيقية لتطور المجتمع.

إلا أن المفارقة التي تسجل هنا هي أنه مع انطلاق المسلسل الديمقراطي الذي من المفروض أن يضع الديمقراطي ة على سكتها الصحيحة، وأن يرقى بالممارسة والسلوك السياسي، بزغت ظاهرة التطور غير الطبيعي للتعددية الحزبية، بحيث أخذت الأحزاب في التناسل إما من فراغ، أو من خلال اللجوء لآلية الانشقاق، إلى الحد الذي صارت هذه التعددية تشكل عبئا على الحياة السياسية وشاهدا على التطور السلبي الذي تم على هذا المستوى. ففي إطار هذه التعددية، صارت الأسماء والألوان والرموز تتكدس إلى الحد الذي أصاب هذا الجانب من الحقل السياسي بالتخمة والتضخم، وهو ما لا يمكن اعتباره ظاهرة صحية بقدر ما يعتبر تجسيدا لأزمة وعي وسلوك وثقافة وقيم.

فحاليا، يوجد بالمغرب 38 حزبا، وهو العدد الذي يفرض علينا طرح السؤال التالي: هل هذا العدد من الأحزاب يدل على وجود عدد مماثل من البرامج السياسية والمشاريع المجتمعية؟ وهل هذه الأحزاب تعتبر تجسيدا لمصالح وقيم وآمال 38 طبقة اجتماعية؟

إن التعدد الضروري للبناء الديمقراطي والمفيد للتنمية والتقدم هو الذي ينطوي على تعدد حقيقي في الاجتهادات والتصورات السياسية، بحيث يكون الهدف من تأسيس حزب جديد هو تقديم برامج واقتراحات جديدة مغايرة لما تطرحه الأحزاب القائمة، وهذا يدخل في إطار التنافس المشروع الذي يعطي أفكارا جديدة ويشجع على الابتكار ويخلق الدينامية التي تفتح باب التطور.

ومن العيوب التي تسيء للتعددية نجد تفاقم النزعة الانشطارية داخل الأحزاب السياسية والتي لا يوجد ما يبررها، في غالب الأحيان، سوى ضعف الحوار أو انعدامه، والعجز عن التدبير الديمقراطي للاختلاف الطبيعي في الآراء وطغيان نزعة الإقصاء، في حين أن المطلوب في العمل الحزبي هو أنه بدل سيادة لغة الإقصاء والتهميش، يجب أن تسود ثقافة الاختلاف التي تعتبر ركنا أسياسيا من أركان التدبير المجتمعي. وفي هذا الإطار، يلاحظ أن الانشقاقات أصبحت أحد المعالم المميزة للمشهد الحزبي المغربي، وهو الأمر الذي ساهم في إضفاء المزيد من الابتذال على تعدديتنا الحزبية. وإذا بحثنا في الخلفيات المغذية لظاهرة الانشقاق هذه، نجد أنها تنحصر في ثلاثة أقسام:

الانشقاقات ذات المرجعية الانقسامية؛

الانشقاقات ذات المرجعية الانفصالية؛

الانشقاقات المدبرة.

وفي ظل هذا الواقع، تضعنا الوتيرة العالية لتناسل الأحزاب أمام مشهد تبدو فيه التعددية الحزبية عبارة عن ترجمة لتعددية في الطموحات السياسية لقادتها أكثر منها تعددية سياسية أو إيديولوجية، تعددية لا تترجم الانتماءات الطبقية بقدر ما تترجم إرادات احتلال مواقع الصدارة والزعامة.

زيادة على ما ذكر، فإن المشهد الحزبي المغربي يعرف تعددية حزبية لا تعددية سياسية، على اعتبار أنه لا يمكن تمييز خطاب وبرامج مجموعة من الأحزاب عن أحزاب أخرى، مع ضرورة الإشارة إلى بعض الاستثناءات التي تجعل بعض الأحزاب، وهي قليلة، مميزة من حيث الخطاب والبرامج والتوجهات والأهداف. ففي التجارب الديمقراطي ة، تتطابق التعددية الحزبية مع التعددية السياسية، بحيث يكون الحزب تأطيرا لتوجه سياسي معين وقوة اجتماعية متميزة، الأمر الذي يسمح بخلق نوع من التباين بين حزب وآخر، سواء على مستوى إيديولوجيته أو استراتيجيته السياسية. وفي هذا الإطار، يرى الأستاذ محمد ضريف أن التعددية الحزبية بالمغرب تتميز بطابعين:

الطابع التسيبي والذي يلمس من خلال تعدد عدد الأحزاب؛

الطابع الوهمي لهذه التعددية.

كما يعزي غياب التعددية السياسية إلى عاملين:

طبيعة الثقافة السياسية التي تهيمن عليها ثقافة الإقصاء المتبادل بين الفاعلين عوض ثقافة الاختلاف، وحيث يدعي كل فاعل أنه يمثل الشعب؛

طبيعة الخطاب الحزبي، حيث أن ما يجمع الأحزاب المغربية هو فئوية الممارسة وشعبوية الخطاب، إذ يوجد تشابه بين خطابات الأحزاب وبرامجها.

بناء على ما سبق ذكره، يمكن القول أن الأحزاب المغربية لا تتوفر، في أغلبها، على إيديولوجية واضحة المعالم يستقل بها كل حزب عن غيره من الأحزاب، إذ رغم اختلاف التقارير الإيديولوجية، فإنها تغترف في آخر المطاف من نفس المعين الإيديولوجي، الأمر الذي يسمح بنعت هذه التعددية الحزبية بكونها شكلا من أشكال التوحد الإيديولوجي، نظرا لتقارب الأفكار والبرامج لعدد كبير منها.

زيادة على ذلك، نجد هشاشة التحالفات وعدم خضوعها لمنطق عقلاني، الأمر الذي لم يسمح بتشكل تقاطبات سياسية محورية ومن ثم تكون تحالفات تخضع لمنطق سياسي مقبول تكون نتيجته وضع برامج سياسية منسجمة ورؤى إصلاحية موحدة، ومن ثم بروز مشاريع مجتمعية واضحة ومحددة تسهل على المواطن الاختيار العقلاني. هذا، مع الإشارة إلى أن الخطاب السياسي يوهم بوجود أقطاب سياسية كبرى ومنسجمة تتجسد في الكتلة والوفاق والوسط.

ولتفنيد هذا الخطاب، يمكن القول أن الكتلة الديمقراطي ة لم تصل قط إلى مستوى القطب المنسجم، كما بينت الممارسة، أنها ليست إلا آلية توظف في تكتيك سياسي ظرفي وضيق الأفق، زيادة على دخولها في حالة من التعطل وانعدام الفاعلية. ومن الأمثلة على ضعف وهشاشة هذا الكيان السياسي، نذكر الصراع الذي نشب بين حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي عقب انتخابات 2002 التشريعية حول الطرف الذي يجب أن يعين منه الوزير الأول، وقبل ذلك فشل المشرح المشترك، زيادة على الخلافات التي سجلت بين مكوناتها بخصوص التعديلات الدستورية (1992 و 1996)، كما أن حالة من التشظي طالت مكونات الكتلة، حيث طالت الانشقاقات كل من الاتحاد الاشتراكي الذي انشق عنه حزب المؤتمر الوطني الاتحادي وتيار الوفاء للديمقراطية، ومنظمة العمل التي انشق عنها الحزب الاشتراكي الديمقراطي ، وحزب التقدم والاشتراكية الذي انشقت عنه جبهة القوى الديمقراطي ة.

أما الوفاق، فلم يكن في حقيقة الأمر إلا وسيلة من وسائل التكتيك الانتخابي، ولم يكن ترجمة لا لضغوط قواعد الأحزاب المكونة له، ولا تعبيرا عن بنية سوسيو/اقتصادية محددة، ولا تفعيلا لمشروع مجتمعي واضح. “فافتقاد هذه الأحزاب لتربة اجتماعية أو سياسية تمكن من الجزم بأنها كانت منبعا لمشروع سياسي متكامل لديها، يجعل من المغالاة اعتماد “مرجعياتها” كمنظومة فكرية تعكس هذا المشروع.

وبالنسبة لما يسمى بأحزاب الوسط، فأهم ملاحظة تسجل عليها هي كونها لا تختلف من حيث النشأة والنشاط والدور السياسي الذي لعبته عن الأحزاب التي كونت “الوفاق الوطني”. ومن ثم يمكن القول أن الأمر لا يعدو أن يكون ترجمة للرغبة الملكية المعلن عنها في شتنبر 1996، حيث أعرب الملك الراحل الحسن الثاني عن أمله في رؤية بروز فضاء جديد في الحقل السياسي المغربي بين اليمين والمعارضة. كما يمكن لهذا التصنيف أن يجد تفسيره في نظرية توزيع الأدوار، مثلما سبق أن طلب من التجمع الوطني للأحرار سنة 1981 أن يلعب دور المعارضة بعد انسحاب النواب الاتحاديين من البرلمان.

عوائق الانتقال الديمقراطي على مستوى الممارسة السياسية للأحزاب

تعتبر الأحزاب مدرسة للتنشئة السياسية وجهازا للعمل السياسي وخزانا يمد الدولة بالأطر البشرية و المرتكزات النظرية والفكرية الكفيلة بتحديد وتفعيل المشاريع التي تسعى إلى الارتقاء بالشأن العام إلى مراتب متقدمة. ومن ثم، فكلما اعترى الأحزاب سلبيات مثل القصور في الرؤية وعدم الوضوح في الخيارات، انعكس ذلك سلبا على أداء ومردودية أجهزة صناعة القرار. فالحزب أصبح الفاعل السياسي المحوري في الأنظمة السياسية الحديثة، الأمر الذي يحتم على هذا الجهاز أن يكون في مستوى تطلعات مجتمعه تنظيما و تأطيرا وممارسة. وبهذا الصدد، وارتباطا بموضوع الدراسة، حاولت رصد أوجه القصور وعدم الوضوح لدى الأحزاب في غياب المقاربة الاستراتيجية وضعف الأداء وأزمة المشاركة السياسية.

غياب المقاربة الاستراتيجية

يعتبر نجاح الانتقال الديمقراطي مرتبطا بوضوح الرؤية والتصورات وآليات وإجراءات التنفيذ، بمعنى إحداث قطيعة مع القيم والممارسات التي ظلت طاغية على اللعبة السياسية، خصوصا منها المقاربات ذات الطابع التكتيكي والخاضعة للإكراهات الظرفية والتي تبرز على شكل منحنيات تارة صاعدة وتارة أخرى نازلة، في حين يفترض أن يأخذ خط الإصلاح والتنمية والتطور مسارا تصاعديا لا يعود للنقط التي سبق وأن عالجها، الأمر الذي يسمح بتكوين تراكمات ومكتسبات لا يمكن أن تعرف الانتكاسات والتراجعات.

فمن المؤكد أن بناء دولة الحداثة والديمقراطي ة عملية تاريخية واجتماعية متعددة ومتداخلة الأبعاد والمداخل، إذ يصعب ترجيح أولوية المدخل الاقتصادي على المدخل الاجتماعي والمدخلين معا على المدخل السياسي، بالنظر لتكاملها البنيوي، لإنجاز تصور شمولي يقطع مع التصورات الإصلاحية الجزئية أو القطاعية.

والانتقال الديمقراطي ، بحكم التجارب الدولية الناجحة، يعتبر مشروعا للانتقال بالإنسان والمؤسسات من وضع معين إلى وضع أرقى منه، إنه مشروع اجتماعي نهضوي متكامل، تمكنت من خلاله عدة دول من أجرأة مشاريع التنمية والتطور والإصلاحات الهيكلية مع ما يصاحب ذلك من تحسن ملموس في وضعية المواطن المادية والمعنوية، والرفع من أداء المؤسسات القائمة. “فالمشروع المجتمعي يعتبر بمثابة البوصلة التي ترشد خطط العمل ومجالات النشاط والتوجهات، والتي تحدد كذلك الأهداف، وبدونه تبدو المشاريع جميعها جزئية متقطعة ودون خط رابط”. إلا أن المغرب مازال، إلى الآن، بعيدا عن هذا النوع من التفكير، من جهة لأنه حديث عهد بالسياسات العامة، ثم لأن الحقل السياسي المغربي حقل غير تنافسي لا يسمح ببلورة مشاريع مختلفة، ثم إن المغرب يعرف غلبة التدبير التكتيكي والظرفي في سلوك الفاعلين. إن الطابع المتردد والإصلاحات غير المكتملة وضبابية الاختيارات الديمقراطي ة واضطراب الأهداف، تعتبر عوامل تخلق مناخا “يميع” صدقية ومصداقية الحديث عن المشروع المجتمعي، إن الذي أنقذ مشاريع مجتمعية في أنحاء عديدة من العالم –إسبانيا نموذجا- هو ارتباطها بانتقال ديمقراطي منطقي، متكامل وشمولي. ومن الأمثلة البارزة على سيادة التدبير التكتيكي الظرفي، والتي تمارس تأثيرا محددا على مسألة الانتقال الديمقراطي ، نجد المسألة الدستورية والتراضي.

المسألة الدستورية

شكلت السنوات الأولى من الاستقلال حضورا مكثفا وقويا للخطاب الدستوري في الحقل السياسي المغربي، باعتباره يشكل أحد واجهات الصراع السياسي والاجتماعي حول السلطة السياسية وحول النفوذ الاقتصادي الاجتماعي. فقد كانت المسألة الدستورية موضوعا لأهم السجالات التي وقعت بين الملكية والقوى السياسية التي شكلت ما يسمى بالمعارضة التاريخية. إلا أن ما يسجل على مقاربة هذه القوى لهذه المسألة هو عدم خضوعها لاستراتيجية واضحة الخطة والأهداف، الأمر الذي جعل من هذه المسألة الحساسة والمهمة والمؤثرة آلية من آليات التكتيك السياسي الذي يستجيب للضرورات الظرفية ويوظف فيها كذلك. فمن شرط الجمعية التأسيسية ورفض ما يسمى بالدستور الممنوح، انتقل الطرح إلى الاندماج في الفلسفة السياسية للملكية، وهو الأمر الذي لاحت تباشيره مع دستور 1992، والذي تكرس مع دستور 1996، مع ما يعنيه ذلك من إقرار بأن السلطة التأسيسية بفرعيها الأصلية والفرعية هي من اختصاص الملكية وحدها، وهو ما جسدته المذكرات المطلبية بخصوص مراجعة الدستور التي قدمت للملك والتي تعتبر تعطيلا فجا واضحا للمسطرة التي ينص عليها الدستور نفسه فيما يتعلق بتعديله (الفصول 103-104-105).

لقد خضعت المسألة الدستورية لمنطق ميزان القوى السائد، ومن ثم تعتبر المسألة المذكورة أحد أوجه تصريف الصراع السياسي طبقا لميزان القوى السائد. “فقد تراجعت لغة المطالب الدستورية لتصبح مجرد مقترحات لا تلزم الملك بالرد عليها، وتترك النقاش مفتوحا.. وعبرت عن تقديرها الفائق لشخص الملك، وعن إجلال مستفيض للمؤسسة الملكية”. وهو ما يعكس وجود خلل في موازين القوى لصالح الملك والمؤسسة الملكية. فالزعماء الوطنيون يعون حق الوعي أنهم في وضع الملتمس، أي أنهم ليسوا بأي حال من الأحوال في مرتبة المنافسين. وإذا كانت التجربة الدستورية المغربية قد عرفت خمسة دساتير ما بين 1962 و 1996، بمعدل دستور لكل سبع سنوات، فإنها لم تستطع الإجابة على الإشكاليات السياسية المرتبطة أساسا بتوزيع السلط الدستورية.

وباعتبار الدستور تأطيرا للحياة السياسية، فيجب عليه أن يتحرر من منطق الثبات والارتهان لثقل الماضي والهواجس المرتبطة به، فالمجتمع دائم الحركة والتغير، ومن ثم فالارتهان لمنطق الثبات من شأنه أن يعزل المؤسسات عن الواقع المجتمعي المعاش. “فقد ظلت الدساتير، في معظم التجارب الديمقراطي ة، تعبيرا عن إرادة تحديث سبل اتخاذ القرار، وعنوان مصالحة بين الدولة والمجتمع، ومفتاح فهم مستوى التعاقد السياسي الحاصل في دولة من الدول في مرحلة من المراحل. وفي المغرب، مازال النقاش لم يتطور حول دستور للانتقال الديمقراطي يشكل وثيقة استراتيجية تبنى على أساس الجواب عن سؤال: ما هو شكل ومضمون الدستور الذي يساعد البلاد على الخروج من الأزمة؟.. فإذا كان الرهان الرئيسي لدمقرطة الحياة السياسية يتمثل في إرساء آليات جديدة لاشتغال النسق السياسي على أسس أكثر حداثة، ومن ثم إدخال اعتبارات جديدة في العلاقة الرابطة بين الدولة والمجتمع. فما ينبغي التنبيه إليه هو أن أحزاب الكتلة الديمقراطي ة، حين كانت في المعارضة، جعلت من مسألة الإصلاح السياسي مدخلا لأي إصلاح اقتصادي واجتماعي. إلا أن هذه الأولوية اختفت من خطابها بمجرد مشاركتها في الحكومة. وكانت من جملة الانتقادات الموجهة إليها، فصلها بين مسألتي الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي. ومن خلال استحضارنا، بهذا الصدد، لطرح رايمون آرون الذي يفيد بأن التحولات التي تحدث على موازين القوى بين الجماعات المكونة للنخب تعتبر من الظواهر النموذجية للتطور السياسي والاجتماعي، يمكن القول أن سعي النخب السياسية بالمغرب إلى التغيير السياسي والاجتماعي، مع الإبقاء على نفس العلاقات والضوابط الناظمة لاشتغال النسق السياسي، لن تساهم إلا في تدعيم الطابع التقليدي لهذا الأخير، وذلك لكون التغيير مرتبط بالحركة، والتطور مرتبط بإعادة البناء وليس بالجمود الذي يطبع الهياكل والعمل على إنتاج نفس العلاقات. لقد تعرضت مرجعيات الحركة الوطنية لتغيرات مهمة وهي تتراجع عن أطروحاتها الحداثية. فهذه المرجعيات تتسم اليوم بكثير من الواقعية، وهي تقر بعجزها كمشروع حداثي عن تغيير المخزن من الخارج، وبسعيها إلى إحداث التغييرات الممكنة التدريجية من داخل الإطار السياسي الذي يحدده المخزن، وأن الوسيلة الممكنة لولوج الحداثة لن تكون إلا عن طريق المؤسسة الملكية.

ولعل ذلك ما دفع بالبعض إلى القول بأنه إذا كانت متطلبات الواقع المغربي تقتضي إعادة الاعتبار لنقاش المؤسسات، وبالتالي فتح أوراش الإصلاح الدستوري، فإن مقتضيات السياسة السياسوية تتدخل في كل آن وحين لتقطع خيط التطور وتستبعد ما هو جوهري لتستحضر قضايا مفتعلة وذات آفاق تضليلية. والواقع أنه لا الصخب الإعلامي المصطنع ولا إقامة مدونة جديدة للانتخابات و لا أعمال الترميم بقادرة على إخراج البلاد من ورطتها السياسية، ما دام ورش الإصلاح الدستوري وبالتالي مؤسسات حكم المغرب للقرن الواحد والعشرين بعيدة ومستبعدة من دائرة الأوراش التي على المغاربة مجابهتها. فمع تجربة التناوب، اختفت المسألة الدستورية، وانتقل النقاش السياسي من تعديل الدستور إلى تفعيل مقتضياته، الشيء الذي يبين أن طرح المسألة الدستورية في المغرب رهين بإطار موسمي يظهر في مرحلة معينة، ثم يختفي ليعود في مراحل أخرى، دون أن يصاغ ويصب في في إطار ينطلق من ضرورة تحديث المجتمع بشكل استراتيجي مرتبط بالمجتمع.. فقضية الإصلاح السياسي والدستوري لا ترتبط بميلاد التناوب أو موته، كما أنها لا تنفصل عن التحولات الجوهرية في العمق المجتمعي.

وإذا عدنا إلى تجارب الانتقال الديمقراطي الناجحة، والتي تعتبر التجربة الإسبانية نموذجية لها، نلاحظ أن تحرير الدستور الإسباني المصادق عليه سنة 1978، قد جاء تتويجا وثمرة التصالح والتوافق الذي ميز فترة الانتقال الديمقراطي ، وميزته الأساسية أنه جاء نتيجة تعاون بين مختلف الحساسيات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، مقارنة مع باقي الدساتير التي شهدتها إسبانيا في الماضي.. وبهذا الصدد، فقد سعت حكومة أدولفو سواريث إلى إشراك جميع الحركات السياسية في مشروع تحرير بنود الدستور لتحقيق الإجماع وتفادي فشل الدساتير السابقة التي بلغت 12 دستورا منذ بداية القرن 19، انتهت كلها للفشل. كما تقدم تجربة جنوب إفريقيا نموذجا متميزا لمسلسلات الدمقرطة، حيث أولوية المدخل الدستوري في معادلة الانتقال، وهو ما أسس لنقاش مؤسساتي قادر ليس فقط على تحقيق لحظة الانتقال، ولكن لنقل مسلسل الدمقرطة إلى مستوى التدعيم.

هشاشة التراضي

يعتبر التراضي أو التوافق من الركائز التي تقوم عليها الأنظمة الديمقراطي ة، وهو قائم على الاعتراف المتبادل بين الفاعلين السياسيين، ومرتبط في واقعه ومستوى نضجه بمدى نضج التجربة الديمقراطي ة. ومن حيث المفهوم، لا يعتبر التراضي مرادفا للإجماع. فإذا كان الأول يعني اتفاقا مسبقا على قواعد ومضمون اللعبة السياسية مع الالتزام بتطبيقها، بمعنى البحث عن نقط التقاء أساسية بغية بلورة قواعد اللعبة بكيفية جماعية، الأمر الذي يستوجب من جميع الأطراف نظرة استراتيجية وليس تكتيكية للمصلحة العليا للبلاد، فإن الثاني يعتبر بمثابة الحرص على تبني واتخاذ قرارات موحدة تذيب الاختلافات. “فالتراضي يعتبر الإطار الذي يمكن أن تتطور فيه ثقافة الاختلاف وثقافة الرفض الديمقراطي التي لا يمكن مع غيابها أن توجد دولة عصرية. والدول التي تعرف نضجا ديمقراطيا هي تلك التي ترتكز على تحديد واضح وغير مجادل فيه للتوافقات الوطنية الكبرى. وفي المغرب لازلنا في مرحلة البحث عن هذا التوافق الوطني”. وحتى التراضي الذي حصل بخصوص دستور 1996، لم يكن مؤسسا على قناعات مبدئية، بقدر ما كان تراضي إجرائي. “فهو لا يبرز تقاطع الإرادات السياسية”.، “كما أنه لم يتحقق حول ما هو أساسي، أي إعادة النظر في توزيع السلط والعلاقات فيما بينها بما يعبر عن طموح أغلبية أحزاب الحركة الوطنية إلى ملكية دستورية برلمانية مرتكزة على فصل السلط .

إن السؤال الذي يطرح بخصوص التراضي كشرط من شروط التناوب هو : هل يدخل في إطار استراتيجية شمولية لتفعيل المسار الديمقراطي ، أم يعتبر مجرد تكتيك تؤطره حسابات ظرفية؟

إن الجواب على السؤال المطروح نجده عند الأستاذة رقية مصدق حيث تقول: من خلال رصد الخطاب السياسي والممارسة السياسية في تجلياتها اليومية، يستخلص أن هناك التفافا ظاهريا حول فكرة التراضي والتوافق، ولكن الباطن يبتعد عن التوافق ويمثل لعبة توافق. فللتوافق متطلباته التي نجد من بينها تأسيس سمو الدستور وعدم تهميشه ويمكن، عبر تتبع الممارسة، اكتشاف ما يشوبها من ثغرات تتعارض ودعم دولة القانون وسلطة المؤسسات. فاللعبة التي تتحكم في عمل الشركاء السياسيين تطور مسلسلا لتهميش الدستور، ويبقى أخذه كمرجعية مجرد مسألة تكتيكية. ومن الأمثلة التي يمكن ذكرها بخصوص تهميش الدستور، نجد موقف المعارضة السابقة من مشروع إصلاح قانون الانتخابات الذي أحيل على البرلمان بتاريخ 20 أبريل 1992، حيث قاطعت مناقشة لجنة العدل والتشريع لمشروع القانون المذكور، وسعت في المقابل إلى البحث عن مخرج تلتف به على المسطرة التشريعية، وهو ما أوصلها إلى “الاستنجاد بالمؤسسة الملكية بناء على الفصل 19 من الدستور فيما سمي بطلب التحكيم، الذي بني على فرضية وجود مراكز قوى داخل الحكم تشد إلى الوراء عجلة التطور”. وبهذا تم إخراج القوانين الانتخابية من إطارها الدستوري ومن اختصاص البرلمان الذي غدا دوره شكليا في هذا الإطار.

لقد كانت أحزاب الحركة الوطنية تتطلع، من وراء هذه العملية، إلى تجاوز العراقيل الدستورية التي يفرضها عليها وضعها كأقلية برلمانية، وذلك لجعل عملية الإصلاح الانتخابي في خدمة التناوب، حيث أن طلبها من الملك استعمال الفصل 19 من الدستور يفسر رغبتها في الانتقال من دور الاقتراح إلى دور التقرير في القوانين الانتخابية. وإذا كان هذا الأمر يعرب من جهة عن اعتراف الكتلة بصلاحيات الملك الضمنية في إطار الفصل 19، وكذا بوضع المؤسسة الملكية فوق القانوني وفوق الدستوري، فإنه من جهة أخرى يسجل تدشين الكتلة لممارسة خطيرة تتمثل في تمرد الأقلية على القواعد الدستورية المنظمة للمسطرة التشريعية، في حالات يعود لها تقدير أهميتها، وهو ما يشكل شرخا في بناء دولة القانون، حيث أن مذكرة طلب التحكيم الملكي بتاريخ 27 أبريل 1992 قد بلورت مسطرة التراضي بدل المسطرة التشريعية المنصوص عليها في الدستور، الأمر الذي يعتبر تهميشا لهذا الأخير الذي يعتبر القانون الأسمى للدولة.

إن لعبة التوافق التي تطورت بالتوازي مع مسلسل الإصلاحات الدستورية والانتخابية والاستشارات الشعبية، هي لعبة برغماتية لا تخلو من الغموض واللبس. فعوض أن يتم تمثله كلعبة ديموقراطية، أصبح التوافق يستجيب لاعتبارات تكتيكية ويندرج ضمن إطار الصراع من أجل السلطة، كما يشكل أحد مظاهرها. وقد عبر عبد الرحمان اليوسفي عن هذا الواقع بالقول أن التراضي هو تراضي إجرائي يتعلق بتحضير الاستحقاقات القادمة. ومن زاوية أخرى، يظهر من التوجه السياسي للحكم أن التراضي هو كذلك تكتيك للوصول إلى استراتيجية فصل أحزاب الكتلة عن أهدافها وجعلها مجرد موظفين للدولة يشتغلون على ملفاتها . بمعنى أن التراضي من منظور السلطة الملكية يعني احتواء وإدماج القوى المعارضة في سياق استراتيجيتها الكبرى، وإعادة إنتاج توازن سياسي واجتماعي يضمن استمرار سلطتها ومصالحها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ولأخذ فكرة عن التراضي الذي أسس للانتقال الديمقراطي بإسبانيا، نشير إلى أن اتفاقية “لامنكلوا” تعتبر مثالا نموذجيا في هذا الإطار. فقد أصبحت هذه الاتفاقية التي وقعت عليها كل القوى الفاعلة بمثابة إجماع في المجال السوسيو/اقتصادي. فالنقابات وقوى اليسار التزمت بتجميد مطالبها، ومن جانبها التزمت الحكومة برئاسة أدولفو سواريث، الذي يعتبر المهندس الحقيقي لعملية دمقرطة إسبانيا، بإصلاح ضريبي والرفع من الاستثمار في القطاعات المهمة لخلق مناصب الشغل، ثم تعميم الضمان الاجتماعي والخدمات الاجتماعية. وقد ساعدت هذه الاتفاقية في خلق سلم اجتماعي حقيقي مكن من تحقيق قفزة اقتصادية حقيقية.

خلاصة ما قيل هو أن اللعبة السياسية التي هيمنت على الحياة السياسية المغربية هي لعبة تراضي، وهذا التصنيف ينطلق من تأمل وتحليل الخطاب والنقاش السياسي الذي ساد بين الفاعلين السياسيين خلال الجدل حول الإصلاحات الدستورية والانتخابية انطلاقا من سنة 1992. فالتراضي، كما عبر ذلك البعض، هو عبارة عن تكتيك ولعبة براغماتية في إطار صراع غير واضح.

ضعف الأداء وأزمة المشاركة السياسية

ضعف الأداء

من أهم مقتربات دراسة الأحزاب السياسية، نجد المقترب الوظيفي الذي يرى أن الوظيفة الأساسية للحزب السياسي تتمثل في السعي لممارسة السلطة أو الاحتفاظ بها، وهذا ما يشير إليه ماكس فيبر بالقول أن كل ممارسة سياسية هي بحث دائم عن السلطة أو طموح إليها. وبذلك يظل السعي لممارسة السلطة محور كل نشاط حزبي في ظل نظام ديموقراطي قائم على التنافس السياسي الذي لا يستقيم إلا في إطار سلطة مفتوحة يكون فيها الصراع السياسي المؤسسي مؤديا، مبدئيا، إلى شغل مناصب صناعة القرار في الدولة. “فلا معنى لتعددية حزبية دون تنافس سياسي يجد قناعاته الطبيعية في المسلسل الانتخابي الذي يجسد المعيار الحاسم لترجمة البعد الديمقراطي في أي نظام، كما يترجم مسألة المواطنة والمشاركة السياسية إلى واقع ملموس”.

فوظيفة الحزب السياسي تتحدد في كونه جهازا للوساطة بين الدولة والمجتمع وضابطا للصراعات ومدمجا للمطالب الشعبية في النظام السياسي، ربطا للعلاقة بين المجتمع والدولة، وبواسطة الاستجابة لهذه المطالب يعي المواطن مشاركته في الحياة السياسية. كما صارت شرعية الحزب السياسي، في العالم المعاصر، تستمد بالأساس من كونه قوة اقتراحية قادرة على مد النظام السياسي بنخب جديدة ومجددة، مثلما يبرز حضوره في درجة تعبئته للمواطنين والدفاع عن قضاياهم.

وبالرجوع إلى الدستور المغربي، نجد أن الفصل الثالث منه يحصر وظيفة الأحزاب السياسية في تنظيم المواطنين وتمثيلهم، شأنها في ذلك شأن المنظمات النقابية والجماعات المحلية والغرف المهنية. وهذا التقليص الدستوري لوظيفة الأحزاب السياسية بالمغرب، يعتبر ترجمة لجوهر السلطة المجسدة في المؤسسية الملكية والتي تعتبر خارج نطاق أي منافسة سياسية، بل حتى الخطاب الملكي لا يخضع، بحكم الدستور (الفصل 28) لأي نقاش. فالعلاقة بين الملكية والأحزاب هي قبل كل شيء علاقة أبوية في كنهها، وهو ما يفسر- نظريا على الأقل- الحضور الشامل للمؤسسة الملكية سياسيا ودستوريا ومجتمعيا، وتكون الملكية – مبدئيا على الأقل- وراء كل المبادرات ذات الطابع السياسي الاستراتيجي كتطور الحياة الدستورية والمؤسسات السياسية، إذ لا يمكن تصور أي مبادرة سياسية تهم السلطة ونظام الحكم في المغرب خارج الإرادة الملكية. كما تحرص على إثبات تواجدها وتأثيرها الحاسم على المسار الاقتصادي من خلال رسم التوجهات الاقتصادية الاستراتيجية، وعلى الوضعية الاجتماعية في أشمل أبعادها.
إن ما يميز وظيفة الأحزاب في النسق السياسي المغربي هو تحولها “من عمل يروم بلوغ السلطة السياسية، كتوجه استراتيجي داخل المنظومة الديمقراطي ة، إلى مجرد دعامة للنظام لمواجهة التخلف الاقتصادي والاجتماعي. فالحضور الشامل للمؤسسة الملكية في المجالات المتصلة بالسلطة السياسية يقترن بالاختصاصات الواسعة التي تعود للملكية دستوريا وسياسيا، وحرصها على فرض نوع من الاكتساح المجالي، وهو ما يحول الأحزاب السياسية إلى أطراف غير وازنة، بقوة الأشياء، من زاوية إمكانية تقاسم السلطة أو المشاركة الفعلية أو المباشرة في تدبيرها. فتمثل الملكية لمكانة الحزب السياسي لا يخرج عن تصورها العام للسلطة السياسية ووجودها الحتمي في جوهرها باعتبارها وظيفة أصلية للملكية. وهذا التصور يحكم على الأحزاب السياسية أن تكون في أساسها دعامة للنظام ولاختياراته الاستراتيجية التي تقوم – كما حددها الملك الحسن الثاني- على البحث عن كل ما من شأنه تدعيم الحكم وتحقيق العدالة والمشاركة مع المواطنين. وهذا ما يقود إلى القول بأن وظيفة الحزب بالمغرب قد تحولت من وظيفة التأطير السياسي والتنشئة السياسية والاجتماعية إلى وظيفة إنتاج نخب تكنوقراطية قابلة للاندماج والانصهار والدفاع عن مصالح وأفكار السلطة السياسية والتخلي عن شعاراتها السياسية مقابل إغراءات مادية.وبذلك، يمكن القول أن السلطة السياسية قد نجحت في إفراغ أحزاب الحركة الوطنية وفي تمييع اللعبة السياسية، عبر الاستدراج المؤسسي للقيادات الحالية، بل وخلق زعامات جديدة بدون رمزية عن طريق الترقية الاجتماعية بفعل الامتيازات التي تحصل عليها، مقابل أن تدين بالولاء للسلطة السياسية، والارتباط عضويا بالدولة أكثر من أحزابها.

ففي ظل وضع كهذا، يكون طبيعيا أن يفقد الحزب الكثير من قيمته، ولن تعود له إلا أدوارا شاحبة، وهي حالة أصبح معها المواطنون ينظرون للأحزاب والمتحزبين بمنظار الريبة والتشكك وحتى التحقير.. وفي هذا السياق من الترابط بين العوامل التي تمت الإشارة إليها، أضحت النخبة السياسية تعاني من نقص كبير في الثقة والاعتبار، وأصبحت نظرة الرأي العام للسياسية تتجسد في كون هذه الأخيرة مسألة مقتصرة على مجموعة من المتخصصين والمحترفين الذين يجنون لحسابهم الخاص منافع مسار ديمقراطي مراقب، لتظهر الحياة السياسية في الأخير كمجال محفوظ لبعض الرجال وبعض الشبكات وبعض المدن.

لقد تحولت الأحزاب التي تنعت بالوطنية والديمقراطي ة من نمط الحزب التعبوي الذي يساهم في تأطير المواطنين وتنشئتهم، إلى أحزاب متكيفة مع الواقع ومحافظة على القيم السياسية العتيقة، كما أصبح يخيل للملاحظ أن هذه الأحزاب قد تحولت من دور المجمع لمصالح الفئات الاجتماعية التي يفترض أنها تمثلها، إلى دور موزع المنافع والقيم بين الاتجاهات المسيطرة داخلها. وتبعا لذلك، أصبحت السياسة عبارة عن آلية تمكن الأشخاص المتنفذين في التنظيمات الحزبية من أخذ مواقعهم داخل مراكز النفوذ وتوزيع القيم، الأمر الذي أنتج ما يمكن تسميته بسياسة الريع.

ومن جهة أخرى، فإن اللافت للنظر في السيرة الفكرية والإيديولوجية لأحزاب اليسار المغربية خاصة، هي تلك النقلة الكبيرة التي حدثت في مرجعيتها من الماركسية والاشتراكية صاحبة مقولة “الديمقراطي ة المركزية” و “أولوية التنمية والمسألة الاجتماعية”، إلى أدبيات وخطاب المرجعية الليبرالية ذات المعنى الديمقراطي والتعددي، دون مراجعات أو حوار نظري عميق يرسم مبررات الانتقال من التبني الحرفي والكلاسيكي لمقولات المذهبية الماركسية والاشتراكية، إلى الانفتاح على موجة الاكتساح الشامل للخطاب الليبرالي. فالمفارقة هنا هي أن نفس النخب التي تتحدث لغة ليبرالية اليوم وحرية السوق والخوصصة، هي نفسها النخب التي كانت تطالب بالتأميم والتصنيع وحماية السوق، واعتبار الدولة هي صاحبة الدور الريادي في الاقتصاد، وأن البورجوازية المغربية غير وطنية. فكان لا بد لمفكري ومنظري الأحزاب أن يتصدوا للإجابة عن سؤال تغيير الخطاب، وهذا ما يفيد أنه قد وقع تغيير في الخطاب بدون مراجعة ولا نقد ذاتي. هذا الواقع خلق أزمة اللامرجعية في السياسة والفكر، أو ظهور خطابات تلفيقية تفتقد إلى الحد الأدنى من التماسك النظري والاتساق الفكري والمنهجي وسط هذه الأحزاب التي اعتبرت نفسها، دائما، أحزابا عقائدية وأحزاب طلائع مثقفة تمارس العمل السياسي على هدى من قراءة “علمية” للصراع.

وخلاصة القول هي أنه بالنظر من جهة إلى كون جوهر السلطة يكمن في قنوات لا تخضع لمبدأ التنافس السياسي، وإذا سلمنا من جهة أخرى بكون “الانتقال يعني إعادة تحديد طبيعة المرحلة وإعادة التموقع وجدة التفاعلات وأن الفاعلين القدامى يتغيرون شكلا ومضمونا، موقفا وموقعا، وأن فاعلين جددا يلجون المجال، كما أنه يتمخض عن سيرورات جديدة وتموقعات وحركية في تغيير مستمر”، يمكن أن نتصور أن الأحزاب السياسية القائمة اليوم في المغرب ، تعتبر بحكم شروط التأسيس والتجربة والممارسة التي طبعت العهود السابقة فاقدة لجميع مقومات المواكبة الديمقراطية لمفهوم الانتقال. وربما كان الرهان الأكبر في عملية الانتقال نحو الديمقراطية، هو إعادة صياغة الفكر السياسي نفسه بما يتناسب مع الحاجيات المختلفة لمفهوم الانتقال بوصفه عملية قطع مع التوجهات الاستبدادية والتحكمية.

أزمة المشاركة السياسية
ككل المفاهيم في العلوم الاجتماعية، تعددت التعريفات التي أعطيت للمشاركة السياسية، ومن هذه التعريفات نجد تعريف صامويل هنتنغتون الذي يفيد بأن المشاركة السياسية هي النشاط الذي يقوم به المواطنون العاديون بقصد التأثير في عملية صنع القرار الحكومي سواء أكان هذا النشاط فرديا أم جماعيا، منظما أم عفويا، متواصلا أم متقطعا، سلميا أم عنيفا، شرعيا أم غير شرعي، فعالا أم غير فعال. في حين هناك من يرى أن المشاركة السياسية تعني في معناها الواسع حق المواطن في أن يؤدي دورا معينا في عملية صنع القرارات السياسية. وفي معناها الضيق تعني حق المواطن في أن يراقب هذه القرارات بالتقويم والضبط عقب صدورها. كما يمكن تعريف المشاركة السياسية بكونها كل فعل طوعي يستهدف التأثير على انتقاء السياسات العامة وإدارة الشؤون العامة واختيار القادة السياسيين على أي مستوى حكوميا، محليا كان أم وطنيا.

تعتبر المشاركة السياسية إحدى آليات إضفاء المشروعية على النظام السياسي بحيث تقوي من مرتكزاته الشعبية وتحصر احتمالات الاختلال داخله، كما تعتبر من زاوية أخرى الآلية التي يتوصل المواطنون عن طريقها إلى تحقيق مطالبهم السياسية والاجتماعية. وقد “أصبحت تمثل موضوعا محوريا من مواضيع علم الاجتماع السياسي وذلك انطلاقا من كونها تعبر في المقام الأول عن انشغال المواطن بالمسائل السياسية داخل نطاق مجتمعه، سواء كان هذا الانشغال عن طريق التأييد أو الرفض أو المقاومة أو التظاهر”.

فالمشاركة السياسية تتمحور حول مساهمة المواطن – دورا وتأثيرا- في العملية السياسية الجارية في إطار النظام السياسي. وفي الوقت الذي تتوقف فيه على إرادة المواطنين من حيث الإقدام عليها أو الامتناع عنها، تعتمد أيضا على طبيعة النظام السياسي من حيث انفتاحه أو انغلاقه على مساهمة المواطنين وتوافر القنوات والآليات التي ييسرها أمامهم. كما ترتبط، باعتبارها ممارسة سياسية، برؤية النخب السياسية الحاكمة لدور المواطنين، بحيث هناك نخب تتقبلها وتهيئ لها كل المستلزمات الضرورية لممارستها، وبعضها يقربها على نطاق محدود أو جزئي، في حين تميل نخب أخرى إلى معارضتها وقمعها ومصادرتها بشكل كامل.

وتتجلى أهمية المشاركة السياسية في كونها تعتبر مؤشرا على صحة العلاقة التفاعلية بين الدولة والمجتمع. فهي تعتبر إحدى التعبيرات المهمة عن الديمقراطي ة وذلك بتشجيعها على تعزيز دور المواطن في النظام السياسي من خلال مساهمته في عملية صنع القرارات السياسية أو التأثير فيها واختيار النخبة الحاكمة للبلاد. وبتعبير آخر، يمكن القول أنها التجسيد المادي والعملي لمفهوم السيادة الشعبية. فهي تعتبر الإطار الضروري لتمكين أفراد المجتمع من ممارسة حقوق المواطنة من جهة، وتمكين الحاكمين من الشرعية التي تبرر سلطتهم وحكمهم من جهة أخرى، فضلا عن تنظيم العلاقات داخل المجتمع تنظيما عقلانيا يوجه الصراع والمنافسة لصالح تقدم المجتمع. وهذا ما يثير أزمة المشاركة السياسية.

ومن بين الظواهر التي أصبحت تميز الحياة السياسية المغربية نجد الموقف السلبي للمواطن إزاء العمل السياسي، سواء كان في شكل انخراط في تنظيمات حزبية أو في شكل المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، حيث بلغت في الانتخابات التشريعية لشهر شتنبر 2002 معدلات مثيرة، إذ لم تتخط 50% إلا بقليل حسب الإحصائيات الرسمية، “بل إن أقوى حزب سياسي لم يحصل في هذه الانتخابات إلا على 10% من مجموع عدد الناخبين”. ومن الملاحظات المسجلة في هذا الإطار، وبناء على الانتخابات المذكورة، نجد:

1-التقاعس في التسجيل في اللوائح الانتخابية على الرغم من المجهود الإعلامي الكبير الذي بذل في ذلك؛

تفيد النتائج العامة للفحص الضعف الشديد، بل الهزال في المشاركة في السيرورة الديمقراطي ة عند المواطنين المغاربة بين 19 و 32 سنة، في حين أن المشاركة تبلغ نسبتها الأعلى عند الفئة التي تتجاوز أعمارها 59 سنة، وهو ما يعادل أو يقل قليلا عن 8%، والحال أن الفئة العمرية بين 15 و 59 سنة تعادل 61 %من المواطنين المغاربة؛
نسبة المشاركة في البوادي أعلى من نظيرتها في المدن.
فالإقبال الكثيف أو الضعيف على صناديق الاقتراع يعتبر مؤشرا قويا على الاهتمام بالحياة السياسية وبالشأن العام، سلبا أو إيجابا، بل ربما كان أول المؤشرات وأكثرها دلالة، ذلك أن الممارسة الديمقراطي ة السليمة تجد ترجمتها المباشرة والتعبير الفعلي عنها في حصيلة الأصوات المعبر عنها التي تقف في صف هذا الطرف أو ذاك.
وإذا حاولنا البحث عن أسباب أزمة المشاركة السياسية، يمكن تحديدها فيما يلي.
التفاوت السوسيو/اقتصادي وعدم ضمان الحد الأدنى للكفاف الاقتصادي.
انخفاض درجة الوعي السياسي.

ضعف المشاركة في المجالات الأخرى غير السياسية للحياة الاجتماعية؛

غياب، أو على الأقل ضعف الطبقات والقوى الاجتماعية الوسطى؛

طغيان العنصر الشخصي على العملية السياسية؛

ضعف التنظيمات السياسية الوسيطة من أحزاب سياسية وجماعات مصالح.

وتعليقا على هذه الأسباب، نقول أنه عندما تحتكر جماعة طبقية ما مصادر ومواقع القوة السياسية في المجتمع وتسيطر على مؤسسات الحكم والإدارة وميكانزمات وقنوات العمل السياسي بوجه عام يتشوه – بالضرورة- نطاق المشاركة السياسية ويتضاءل حجم المشاركين في العملية السياسية، وبالتالي تنهار قيم الحرية والعدالة والمساواة وتنبثق أزمة المشاركة السياسية، مما يفقد النظام السياسي كثيرا من أركان شرعيته وأسباب استمراره، وما يستتبع ذلك من تفكك وانهيار اجتماعي.

فالاستقرار السياسي يتوقف على العلاقة بين مستوى المشاركة السياسية من ناحية، ودرجة المأسسة من ناحية أخر، على اعتبار أن المأسسة السياسية تمثل في نفس الوقت بناء سلطة سياسية وطنية تضمن المساواة بين المواطنين وإقامة نظام قانوني مبني على أساس احترام الحقوق العامة وتوزيع المهام على أساس الكفاءة والتفوق والقدرة على الإنجاز، والعمل على توسيع مشاركة الجماعات الاجتماعية في الحياة السياسية العامة. وبناء عليه، يمكن القول أن الحفاظ على الاستقرار السياسي يقتضي أن تتواءم درجة المشاركة السياسية مع درجة المأسسة السياسية، بحيث أن انفتاح المؤسسات القائمة على مطالب المشاركة السياسية من جانب اللانخبة يشكل خيارا أساسيا لتفادي مخاطر عدم الاستقرار السياسي، وذلك عبر استيعاب كل القوى الفاعلة في المجتمع والاستجابة لمطالبها.

إن وجود هيكل سياسي يؤمن للمواطنين فرص المشاركة السياسية ويعمل على توسيع نطاقها من حيث عدد المشاركين، ونوعية ودرجة المشاركة، وتوافر المؤسسات المتمايزة، يعني تحقيق مستوى عال من الاستقرار والنمو للنظام السياسي. أما انعدام أو ضعف المأسسة السياسية، فلا يعكس فقدان المؤسسات السياسية لدورها كأطر للعملية السياسية فحسب، وإنما يعكس الضعف والوهن الذاتي الذي ينتاب هذه المؤسسات، وعجزها عن التلاؤم والتكيف مع الإطار الاجتماعي والمتغيرات التي تطرأ عليه وعدم قدرتها على إشباع المطالب والحاجيات التي تفرضها هذه المتغيرات، الأمر الذي قد يساهم بقوة في جعل صياغة مخرجات النظام السياسي تتم عبر أطر غير مؤسسية. وهذا ما يسمح لنا بالقول بوجود ارتباط عضوي ومادي بين شخصنة الممارسة السياسية وضعف ثقافة المأسسة لدى النخبة السياسية. والشخصانية تعني “الاستعاضة عن دور المؤسسات السياسية في العملية السياسية بالدور الذي تلعبه الشخصيات، حيث يتولى القادة اتخاذ القرارات السياسية الاستراتيجية أو التكتيكية في إطار نمط من العلاقات الضيقة “. ويتحدد الهدف الأساسي من شخصنة العملية السياسية في حصر نطاق إصدار القرارات السياسية في القادة، وسلب القدرة من المواطنين على المشاركة السياسية، مما يجعل هذه الأنظمة ذات طبيعة أبوية.

ومما لا شك فيه أن حرص النخبة الحاكمة على إضعاف ثقافة المأسسة و وإضعاف العمل بها “ينبع من خوف العناصر المتنفذة ضمنها على ما تتمتع به من نفوذ وسيطرة، على اعتبار أن وجود مؤسسات قوية وفعالة تتبعه إمكانية إقبال المواطنين على المشاركة فيها، ويؤدي بالتالي إلى تحجيم نفوذ وسيطرة هذه العناصر عليها”. من هنا يمكن القول أن إضعاف عملية المشاركة السياسية إجراء مقصود الهدف منه إحكام انغلاق النخبة السياسية، وبالتالي نجاح هذه الأخيرة في التحكم في المنافذ المؤدية إلى دائرة صناعة القرار السياسي في البلاد، والاستحواذ على ما يرتبط بذلك من منافع مادية ورمزية، على اعتبار أن السياسة، وفق ما يشير إليه دافيد إيستون، هي التوزيع السلطوي للقيم.

وفي هذا السياق، يظهر في المغرب أن الإيمان والاقتناع الذي أخذ يترسخ، تجربة بعد أخرى، لدى فئات واسعة من الشعب، باليأس من التغيير الذي يضع حدا للإقصاء والتهميش الذي يعانون منه، يشكل عاملا أساسيا في أزمة المشاركة السياسية، خصوصا في جانبها المتعلق بالإقبال على العمل الحزبي والمشاركة في الاستحقاقات الانتخابية. وهذا التوجه يتبناه عدد من الباحثين، فهناك من يرى أن ظاهرة التهميش الذاتي إزاء السياسة التي يتبناها عدد كبير من المواطنين لا تعتبر عفوية، بل هي نتيجة للشرخ الكبير الذي يفصل الفئات المحظوظة عن عامة الشعب وذلك على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، زيادة على الانتفاء شبه الكلي لأية إمكانية في الارتقاء الاجتماعي. فظاهرة الابتعاد عن السياسة والتي تنجم عنها مقاطعة هامة للاستحقاقات الانتخابية، ترتبط بالتصور المهيمن بخصوص السياسة، على اعتبار أنها ليست إلا مجالا واسعا للتسويات وتبادل الخدمات بين الشركاء. فالسياسة تظهر على هذا المستوى بمثابة آلية للترقي لفائدة من يمارسونها وليس كعمل جماعي يهدف إلى تحقيق مصالح وطنية. إن هذا النوع من التصرف لا يعتبر كنتيجة لضعف ثقافة المواطنة Civisme وعدم الاكتراث بمصالح الوطن، بل هو علامة نضج، لأن السياسة لم تعد تشكل في الظروف الحالية استثمارا عقلانيا ومربحا.

إن ما سبق ذكره، يعد أحد أسباب ضعف الطبقة الوسطى التي بينت التجارب أنها آلية المجتمع في التغيير، ومن ثم فضعفها بالمغرب يعتبر أحد العوائق السوسيواقتصادية أمام إنجاز الانتقال الديمقراطي ، بحيث تحرمه من القاعدة الاجتماعية القوية التي يجب أن تشكل سنده ودعامته أمام القوى المناوئة للتغيير، والتي تعتبر قوى منظمة وذات قدرات عالية. وإذا أردنا أن نأخذ التجربة الإسبانية الناجحة كنموذج، يلاحظ أن “الاستقرار الاقتصادي قد عزز من قوة الطبقة الوسطى، التي تعتبر الضمانة الحقيقية للانتقال الديمقراطي . وقد تجاوزت هذه الطبقة نسبة 25% من مجموع السكان، الأمر الذي أهلها لتكون الرافعة الحقيقية لمطلب التغيير. وقد أثبتت التجارب التاريخية أن نجاح كل عملية انتقال ديمقراطي رهينة بمدى النسبة التي تمثلها الطبقة الوسطى من بين الشعب. لقد عززت هذه الطبقة الوعي السياسي في أوساط الشعب الذي أصبح يطالب بتغييرات في الإدارة والحكم، وبدأت هذه الطبقة تبحث عن دور لها في تسيير الحياة السياسية.

خـاتـمـة

منذ تجربة التناوب سنة 1998 ومشروع الانتقال الديمقراطي يراوح مكانه. فماعدا المبادرات التي تمت على مستوى ملف حقوق الإنسان، لم يتم إقرار لا إصلاحات سياسية ودستورية، ولا الرفع من مستوى التنمية وهو ما جعل المغرب يظل قابعا في مؤخرة الترتيب الدولي فيما يتعلق بمؤشرات التنمية، كما أدى إلى استفحال الأزمات السوسيو/اقتصادية.

وإذا اعتبرنا المبادرة بسن قانون للأحزاب تأتي في إطار السعي لهيكلة الحقل السياسي في أفق أن يصبح مؤهلا لإنجاز الانتقال المنشود، فإن الأسئلة التي تطرح هي كالتالي: كم من الوقت سيتطلب أمر إعادة هيكلة الأحزاب؟ وكم من الوقت سيلزم ليصاحب الإصلاح الذي تم على مستوى الأحزاب إصلاحات أخرى خصوصا منها ما يتعلق ببنية السلطة وآليات صناعة القرار؟ ثم بعد كل ذلك، هل المقاربة القانونية كفيلة وحدها بحل الإشكال؟ أم هي قاصرة، وبالتالي يتطلب الأمر إسنادها بمقاربات أخرى مصاحبة، خصوصا منها تلك المرتكزة على المنهج السلوكي، حتى يتمكن مشروع الإصلاح من النفاذ إلى البنية الفكرية والسوسيو/سياسية المنتجة لهذا الوضع الذي نسعى ونطمح إلى الانتقال منه إلى وضع أسمى وأرقى؟ وهذه الأسئلة تحيلنا بدورها إلى طرح سؤال مركزي وهو: هل تعتبر الأزمة قطاعية أم بنيوية؟ ./.