مصطفى المتوكل / تارودانت

الــثلاثــاء 10 فبـرايـــر 2015

قال تعالى: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ»،

 ينسب لابن رشد انه  قال: “التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل”.

..قد نتفق على ان الاكثر خبرة وتجربة ومعرفة هو الاكثر علما  بما يجب عمله وما لايجب.. بغض النظر عن المرجعية الاخلاقية او الدينية …

كما يمكن ان نتفق بعد ان تطورت المعارف والعلوم  بتراكم النجاحات والاخفاقات ..على ان لكل مجال اهله واصحابه والمختصون به…

ومن هنا نقول اذا اراد المؤمن – كان مسلما او غير مسلم – ان ينهل ويتوسع في الدين/ العقيدة  فلن يلتجئ الا للعلماء والراسخين في العلم والاساتذة القادرين بموضوعية وصدق وتواضع بعيدا عن كل تاويل متطرف ومغرض واستغلال فاسد للدين لاغراض دنيوية  ليتعلم وينهل من معين صاف لاتمويه فيه ولا تاويل مصلحي  …

فان كان مسلما ايا كان مذهبه فانه يميل ويتوجه الى علماء المذهب الذي يؤمن به و يتبعه حسب درجات اعتناقه وارتباطه ولا يميل  لغيرهم …

واذا اراد   الانسان ان يسال وينظر في امور الدولة التي يعيش فيها على مستوى النظام العام والتشريعات وادارة امور الوطن فسيتجه الى الذين يتواجدون في مختلف مراكز ومواقع السلطة وفق الاختصاص والى اهل السياسة الموالين للحكم او  المخالفين او المعارضين لسياسات الحكام والى الهيئات ذاث الصلة لا لتماس الجواب والنصح   والحل  ..و قد يعمد لمواجهتهم ان اساؤوا وخالفوا  ارادته ومبادئه او تطاولوا على حقوقه بالتموقع مع من يقاسمه افكاره ومواقفه  …

واجمالا لكل مجال من مجالات العلوم المادية والفكرية اناسها ” العالمين” بما يلزم من امورها لتدبير وتنفيذ تراكم ايجابي مطور ومفيد للبشرية والعالم …

لكن المسالة عندنا تتطلب منا بعض التامل في واقعنا العام والخاص على مدار ايام السنة حيث نقف  باستمرار   على من يتخصص في التضليل والتنظير  بالافكار المستوردة من الشرق والغرب ومن الروايات الشادة من التاريخ البشري  والمذهبي لتبرير المواقف والسياسات والقرارات في عمقها وبعدها الفكري او السياسي او الديني او …؟  – لدرجة ان الامر كاد ان يصبح عرفا ونمطا من انماط الحياة المتعارف عليها ؟؟ – … فبرز زعماء  وائمة الضلال والتضليل في السياسة والدين والتمذهب .. يبدلون كل الجهد ليشتروا ” الضلالة بالهدى ” وليشردوا  الراي العام في صحاري الوهم والبدع  والخرافات يتبعون سراب السياسات “الدينــيوية”  المغلفة بايمان مسيس يبتغي اخضاغ الناس ليكونوا اتباعا  للبعض.. فيفوضون امورهم للحكام في انقياد  يخالف سنة النبي (ص) مع الصحابة الذين كانوا  يسألونه كلما ادلى بموقف او مسالة تهم تدبير الامور العامة يرون فيها رايا خاصا : ((يا رسول الله، أهو الوحي أم الرأي والمشورة؟)) فان قال هو الراي والمشورة بسطوا امامه  وهو النبي المرسل موقفهم فيوافقهم في الغالب و يتكامل معهم …

ان اخضاع الدين للسياسات والمواقف  المزاجية الضيقة يضيع الحقائق الواضحة  وسط ركام هائل من التزييف والتمييع والتزوير والتعصب.. فيعتقد البسطاء من الناس  وحتى البعض من الخاصة  انهم يمسكون بناصية الحق المبتغى  وان ما سواه باطل ولو كان هو الصواب نفسه …لقد تمكن هؤلاء عبر مجطات من التايخ  من ذلك بسبب  انتشار الجهل والتجهيل وتسطيح الافكار  والفقر والامية ..كما ان تراخي القوى المتنورة والراشدة في القيام بمهامها بمبرر او بدونه او تواطؤا ..وبسبب انخراطهم في صراعات وهمية لا مسؤولة سهلت عمليات التعطيل الممنهجة التي تريد جعل الشعب مجموعة من الامعات  المنفذين للاوامر ولو كانت باراقة الدماء وخراب البيوت وسبي الحرائر  وهذا نجده ونراه في العديد من الحقب والدول  …فرهنوا بذلك الشعوب في متاهات وغيبوبة وظلمات بعضها فوق بعض  الله اعلم متى  ستنقشع  ومتى سيستفيق منها  الواقعون تحت وطاتها  .. فتاتى بذلك للرجعيين والانتهازيين والمتسلطين والمندسين ومرتزقة السياسة والدين  ان يتطاولوا على كل شيئ جميل  ويقدموا انفسهم  ك”مصلحين “..؟

 ان لكل زمان  رجعيوه ومتامروه ومرتزقته و…و تاريخ الامم والحضارات غني  والكتب المقدسة مليئة بالقصص والامثال والحكم التي تثير انتباهنا لنتجنب طريقهم ولنحذر التعامل معهم …

… ان الحياة الفردية والعامة  اجمالا  لابد لها من اهداف وغايات تعلق الامر بالمخلوقات الحية  العاقلة وغير العاقلة ..ولابد لها ان ترقى  بقيمة الوجود الحي وتسمو  بالافكار والسياسات والاخلاق والممارسات المختلفة الى مستويات تحقق الكرامة للجميع …

…ان  الايمان الذي هو قلبي وعقلي لايمكن ان يدركه اي مخلوق لانه امر غيبي في الوعي الفردي لايعلم به الاخرون الا عند اظهاره واشهاره …وقد يظهر البعض على مستوى الاقوال والطقوس ما يمكن ان يبدو لنا ايمانا لكنه في حقيقة الامر هو  محض نفاق وتصنع يناقض جملة وتفصيلا كل ما هو جميل ونبيل  … فالذي يحكم على الايمان حقا وصدقا وعلما هو الله سبحانه وتعالى ولا احد سواه وكل من ادعى غير ذلك فهو يتطاول على ما يختص به الخالق …وفي هذا قال الرسول الكريم للذي اجهز على رجل في حرب  بعد  ان نطق بالشهادة  ..

…يَا أُسَامَةُ! أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟! قُلْتُ: كَانَ مُتَعَوِّذًا /إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلاَحِ/ ..أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ؟! أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا ؟! فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ”...”

..الا اننا اليوم نلاحظ ان البعض حول الدين الرحب والذي هو واحة لاحدود لها من الرحمة والحب والانسانية الراقية  الى ملكية  – بكسر الميم -مذهبيه منغلقة و .. حيث يوظف ادعاء وافتراء كمرجعية حزبية سياسوية  .. فاصبحوا يربطون  الايمان الخالص الصادق بالدين  بالانتماء السياسي الطائفي والمذهبي  للادرع التي يسمونها دعوية او تبشيرية او كهنوتية  تحايلا …  فتوقد افرنة الفتن  الدنوية الجهنمية التي تمزق وتضعف الدول والامم حتى يصل بهم التهور الى عصيان اوامر الله التي تحرم القتل والترهيب وتمنع التضليل وافساد العقول وتنبذ الاكراه ..فسعوا لتبرير التنافس وتباهوا  بالقتل والتقتيل والاقتتال الذي لايبقي لاوحدة ولا رحمة ولا ماوى ولا كرامة ..فاصبح الدين مطية لمن هب ودب من الذين يرجون منه مالا يـاذن به الله ورسوله …

وهنا نذكر بموقعة  صفين بين سيدنا علي (ض) ومعاوية  حيث رفعت المصاحف  على اسنة الرماح   والتي امتدت  اثارها  المدمرة و السلبية الى يومنا هذا  …ونذكر بقصة مؤامرة حصار سيدنا عثمان (ض) والادعاءات المعتمدة لتبرير جريمتهم  ومن ثم قتله…

 وما قاله عبد الله بن سبأ زعيم ومنظر الفتن والضلالات وملهم من جاء من بعده من التحريفيين ليضرم نيرانا  لم تنطفئ الى يومه ….” أن عثمان أخذ الخلافة بغير  حق وهذا عليِّ وصيِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم  فانهضوا في هذا الأمر فحركوه ، وابدأوا في الطعن على أمرائكم ، واظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس ، وادعوهم إلى هذا الأمر “..الخ

..ان لكل مجال من مجالات الحياة البشرية “ائمته” …في السياسة والاقتصاد والطب والادب والفنون …فاذا فسد ايمانهم ونواياهم فسد عملهم و شاب حياتهم  الغرور و التطبع مع التضليل ..  فستصبح النتائج على العموم مختلة فاسدة ومفسدة ومسيئة  للعلم واهله والناس كافة الا من له قدرة على معرفة خبايا الاشياء و اكتشاف حيل المغرضين  لينجو بنفسه وفكره وبدنه وعمله من المهلكات ..ابتغاء مرضاة الله

..فكما  تحدثت  الكتب المقدسة  عن أحبار ورهبان يضلون الناس ويصدون عن سبيل الله فكذلك في أمة محمدصلى الله عليه وسلم  بعض الذين يصنفون انفسهم من  ” العلماء”  اتباع الضلالات التي تقدم على انها عين الايمان وقلبه ..يعملون  من اجل صد الناس عن السبيل القويم  ويأكلون أموال الناس بالباطل…وفي مثلهم قال رسول الله (ص) : “لست أخاف على أمتي جوعاً يقتلهم ، ولا عدواً يجتاحهم(يستأصلهم) ولكني أخاف على أمتي أئمة مضلين ، إن أطاعوهم فتنوهم(أضلوهم)وإن عصوهم قتلوهم “.

إن التضليل السياسي والاعلامي  الذي يعمل من اجل قلب الحقائق والمفاهيم وتشكيك الناس في معتقداتهم ويحط  من  مستوى وعيهم ونضجهم  بافساد  وتمييع الذوق العام السليم عن طريق الاستهزاء والاستهتار والغمز والهمز والاساءات المباشرة المحملة بالايحاءات التكفيرية او التجهيلية او اللا اخلاقية امر في غاية الخطورة ..لانه سيؤسس “لثقافة ” لن تحترم ايا كان وستنتج مصطلحات وخطابات محملة بكلمات مبتذلة وساقطة  يصعب اجتثاثها  اذا تطبع عليها المجتمع خاصة ان كان مصدرها  بعض الاباء و الساسة وبعض اهل الحل والعقد  الذين ينصبون انفسهم ناطقين باسم السماء في الارض وباسم الزعامة في السياسة والدول … 

لهذا نبهنا الله ورسله ان نحفظ قلوبنا من الصدا كما الستنا من الاساءات ..”عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله ما النجاة؟، قال صلى الله عليه وسلم [أمسك عليكَ لسانكَ وليَسعْـكَ بَيتـُك وابكِ على خطيئتكَ

ويقول ابن القيم رحمه الله : ” وفي اللسان آفتان عظيمتان أن خلص من إحداهما لم يخلص من الأخرى : آفة الكلام وآفة السكوت وقد يكون كل منهما اعظم إثما من الأخرى في وقتها فالساكت عن الحق شيطان اخرس عاص الله مراء مداهن إذا لم يخف على نفسه والمتكلم بالباطل شيطان ناطق عاص الله واكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته فهم بين هذين النوعين ..
وأهل الوسط ـ وهم أهل الصراط المستقيم ـ كفوا ألسنتهم عن الباطل وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعة في الآخرة “

ان الامر يكتسي خطورة مضاعفة اذا انطلق وقام  ذلك التضليل على نية مبيتة تسعى  لتكريسه وجعله منهجا في الحياة كما فعل العديد  من الديكتاتوريين والمتسلطين منذ القدم فاصبح التضليل يعلم كمهاج ويختار لهذه المهمة المتمكنون منه لتوريثه وتلقينه للاجيال ..ولهذا لايستغرب المؤرخون والعلماء عندما يجدون في زماننا اتباعا وانصارا  لافكار ومذاهب تسببت في الفساد والفتن والابتلاءات منذ  قرون بل حتى عشرات القرون يبدلون جهودا عدة لاجل ضمان استمرار فعالية قسم الشيطان بالكيد لبني ادم  حيث وقال في ذلك سبحانه وتعالى.. (( قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ))الحج

نسال الله ان يوفق كل النفوس الى الطريق السوي الذي يحقق للناس كافة الامن والامان الروحي والنفسي والجسدي بما يضمن احترام الحق في الاختلاف والعيش الكريم …