حصل الطالب رشيد لزرق على شهادة الدكتوراه بميزة مشرف جدا مع التوصية بالنشر في القانون العام وحدة التكوين والبحث في القانون الدستوري وعلم السياسة.بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة القاضي عياض بمراكش .
وننشر رفقته نص التقديم الذي أنجزه للدكتوراه حول موضوع العنوان ذاته…

مقدمة عامة:


إن مفهوم الديمقراطية هو مفهوم واسع ومتشابك. وإذا كان العديد من رجال القانون والفلسفة الذين فسروا مفهوم الدولة ومفهوم الحكم بصور مختلفة، بل ومتناقضة أحيانا، فمن المؤكد أنه لا وجود لتفسير واحد لمصطلح الديمقراطية على الرغم من أن أصل تعريفها اليوناني يعني حكم الشعب، أي أن جوهر الديمقراطية أن يحكم الشعب نفسه بنفسه أو على حد تعبير ابرهام نيلكون ” حكم الشعب من قبل الشعب”1، هذا الاختلاف انعكس بدوره على على تحديد مفهوم موحد للانتخابات الديمقراطية، إذ عرف جوزيف شومبيتر الديمقراطية ب”مجموعة من الإجراءات والمؤسسات التي يستطيع الأفراد من خلالها المشاركة في عملية صنع القرارات السياسية عن طريق التنافس في انتخابات حرة2. فيما اتجه روبرت دال” إلى كونها مجموعة من المعايير القاطعة التي تُحدد معالم الانتخابات الحرة والنزيهة، كما لا توجد منهجية واحدة يمكن من خلالها وضع مؤشرات محددة وشاملة للانتخابات الديمقراطية3.
من وجهة نظر روبرت دال فإن الانتخابات الحرة والنزيهة تعتبر ضمن الشروط السبعة للشكل الديمقراطي، غير أنه لم يُقدم تعريفاً تفصيلياً للانتخابات الحرة والنزيهة، مؤكداُ على ضرورة أن يسبق إجراء تلك الانتخابات مجموعة من الحريات والحقوق الديمقراطية، معتبراً أن الترتيب المنطقي للأمور يأتي على النحو التالي: حرية الحصول على المعلومات من مصادر متعددة، – حرية التعبير-، حرية التنظيم وتشكيل مؤسسات مستقلة – إجراء انتخابات حرة ونزيهة. أي أن الانتخابات الحرة والنزيهة هي “ذروة الديمقراطية وليس بدايتها” عند دال، فالانتخابات لا تسبق الديمقراطية، وهي لا تنتج لا الديمقراطية ولا الحريات والحقوق.4 وفي الأدبيات العلمية التي تعنى بالديمقراطية والانتخابات في التجارب الغربية، حاول بعض الباحثين وضع تعريفات محددة للانتخابات الديمقراطية للحالات التي يدرسونها. ولعل من أبرز تلك الأدبيات وأكثرها شمولاً ما قام به ديفيد باتلر وآخرون، فالانتخابات العامة الديمقراطية تستند إلى شروط ستة، هي: حق التصويت العام لكل المواطنين البالغين، دورية الانتخابات وانتظامها، عدم حرمان أي جماعة من تشكيل حزب سياسي ومن الترشح للمناصب السياسية، حق التنافس على كل مقاعد المجالس التشريعية، حرية إدارة الحملات الانتخابية بشكل يمكن من عرض آراء المرشحين وقدراتهم ويسمح للناخبين من مناقشة تلك الآراء، وتمكين الناخبين من الإدلاء بأصواتهم وسط جو من الحرية والسرية وفرز الأصوات وإعلانها بشفافية وكذا تمكين الحاصلين على الأغلبية من مناصبهم السياسية حتى وقت الانتخابات التالية.5
و إذا كان الانتخاب إجراء ديمقراطيا، فانه لا يكفي بذاته لخلق ديمقراطية سلمية، وذلك لكون الفكر الديمقراطي مبني على ضرورة احترام الحريات والحقوق الأساسية مع ضمان الحوار بين الحاكم والمحكوم .
أيضا في معرض تطرقنا للنظم الانتخابية والحياة السياسية في المغرب، من الواجب الإشارة للتراكم التاريخي الذي يعرفه النظام السياسي المغربي على ضوء التجارب الدولية على اعتبار أن ما لعبه التراكم التاريخي في الانتخابات في الدول الغربية شكل الوسيلة الوحيدة للوصول للسلطة، وأضحى مبدأ راسخا في الأنظمة الليبرالية، كإفراز للحياة المشتركة للمجتمعات البشرية، هذه الحياة المشتركة التي تترتب عنها صراعات مريرة وعنيفة، سببها التدافع الطبيعي بين مصالح الأفراد واختلاف تطلعاتهم، وخاصة مراكزهم في المجتمع بين حاكم ومحكوم، كان هذا الاختلاف يعالج في السابق بأساليب عنيفة، كالثورات والحروب الدامية، فكان من الضروري البحث عن ممارسة ذات طابع سلمي وحلول تدريجية لهذا الصراع. وكان ذلك باللجوء إلى تقسيم السلطة في المجتمع عبر اختيار المسؤولين الأكفاء والبرامج الفعال لتسيير الشؤون العامة للمجموعة، ومن تشكل الوعي بنجاعة الانتخابات وتقنيات الاقتراع كوسيلة لا غنى عنها لتحقيق ذلك التنظيم الجديد للمجتمع.
لم تكن الانتخابات في بداية عهدها بالشكل المتعارف عليه حاليا، بل عرفت تطورا كبيرا سواء على مستوى المفهوم أو الشكل الذي تطبق به. فعلى صعيد المفهوم، وخلال القرن السابع عشر، وانطلاقا من الكلمة التي اشتق منها الانجليز
To vote والمشتقة في حد ذاتها من المصطلح اللاتيني Votum، كانت هذه الكلمة ذات حمولة دينية، حيث كانت تعني التعبير عن أمنية أو إعطاء عهد إلى الرب أو الإله، وهو ما يحمل معنى الالتزام العلني لصالح شخص ما أو قضية ما. ثم ما لبثت هذه الكلمة أن أخذت معنى المداولة أي المناقشة وإبداء الرأي، لكي تأخذ شيئا فشيئا خلال القرن الثامن عشر مفهوما متقاربا جدا مع المفهوم الحالي. بحيث بات التصويت يُعبر به عن قرار مُتخذ في شكل جماعي من قبل مجلس أو جمعية أو حتى مجموعة ما عن طريق التصويت، ثم إلى أن أصبح المفهوم مع حلول القرن التاسع عشر يعني تصرفا فرديا يسمح لصاحبه بالقيام باختيار أمر ما.
أما فيما يخص الظروف التاريخية التي أدت إلى الاهتداء للانتخاب كوسيلة وحيدة لوضع حد لمعاناة المجتمعات أو على الأقل التقليل منها، حول هذه المسألة الجوهرية التي تتعلق بكيفية إسناد وإضفاء الشرعية على ممارستها، فهي لم تسلم بدورها من التطور والتحول قبل أن تكون على الشكل الحالي الذي عليه الآن.
تاريخيا كان القائد التقليدي – مهما كانت التسمية التي تطلق عليه- يفرض سلطته عن طريق القوة، الحيلة أو السحر، سعيا وراء تحقيق ما يعرف بسر الطاعة، فالإمبراطورية الرومانية مثلا ألّهت أباطيرها، بنفس الشكل الذي اعتمدته الكنيسة المسيحية لإضفاء المشروعية على الملوك، عن طريق الطقوس الدينية، كما شهد على ذلك تاريخ الملكية في فرنسا، التي رسخت فكرة الإرث الإلهي للملك الذي يمنع أي تمرد أو عصيان.
وقد أدى عقم هذه التصرفات المنبثقة من تصورات غير معقلنة لا تقل عمقا، إلى الانتقال من السيادة الإلهية إلى سيادة الأمة أو الشعب، بحسب النظريات التي خاضت
في ذلك فيما بعد، والتي اتخذت من النظام التمثيلي آلية له، يسمح للشعوب بالتدخل في اللعبة السياسية وفي تسيير السلطة، عن طريق الاختيار و ليس الاكراه، وهكذا اتخذ الانتخاب صوره و أشكاله المعاصرة.
أضحى الانتخاب للتنافس حول السلطة عوض الأساليب المتقادمة الأخرى، إذ عرفت مسألة تعيين النخب أو الفاعلين الذين يتولون تسيير الشؤون العامة، حلقات طويلة تطورت معها أشكال ممارسته، خاصة من وجهة من له الحق في ممارسته من عدمه. ففي بداية الأمر كان الانتخاب من حق أقلية صغيرة في مجتمع منحصر في النبلاء والأغنياء وعلى أساس الجنس، ثم تطور هذا الحق خلال القرن التاسع عشر وبصورة حقيقية نحو الشكل الأرقى الذي هو عليه الآن، بحيث وُسع حق التصويت وأُزيلت القيود التي كانت مفروضة على شروط ممارسته.
فأصبح الانتخاب هو التصرف الأول والوحيد الذي يضفي شرعية التمثيلية الديمقراطية كنظام سياسي، وبات من الضروري الاعتناء به وتنظيمه بالشكل الذي يسمح له بالاستمرار والتأقلم مع معطيات الحياة السياسية المعاصرة. بهذا الشكل أصبح الانتخاب من المواضيع والميادين يتنافس في معالجتها الكثير من التخصصات العلمية. بدءا بعلماء الجغرافيا والديموغرافيا الانتخابية، مرورا بعلماء السياسة Les politiciens، وصولا إلى رجال القانون الذين ما فتئوا أن جعلوا منه فرعا مستقلا من فروع القانون،يسمى القانون الانتخابي t Le droiélectoral، بعد ما كان موضوعا من مواضيع القانون الدستوري، أو القانون السياسي الذي يهتم بدراسة ظاهرة السلطة وما تعلق بها من مسائل.

* تحديد المفاهيم:
يتداول في الدراسات المتعلقة بالحقل الانتخابي، الكثير من المصطلحات أو المفاهيم التي تستعمل بشكل غير دقيق أو بشيء من الخلط ، تتمثل هذه المفاهيم في القوانين الانتخابية Les lois électorales أو النظام الانتخابي le système électoral وأخيرا النظام الانتخاب électoral Le régime، ولكن الخلط يشتد أكثر بين النظام الانتخابي والنظم الانتخابية، لأن لفظ القوانين الانتخابية قد يسهل تمييزه عن المفهومين السابقين، نظرا لكون مجموعة النصوص تشكل في آن واحد نظاما انتخابيا ونظما انتخابية، وعليه من الضروري جدا من الناحية المنهجية العلمية، تحديد المفاهيم التي نحن بصدد التعرض إليها في هذا العمل.
إن النظام الانتخابي بتعريفه الضيق هو تلك التقنيات الرياضية التي تنظم شكل التمثيل في المؤسسات أو الهيئات المنتخبة، والتي لا تخرج عن الاتجاهين الكبيرين المعروفين في هذا المضمار، وهما نظام الأغلبية والنظام النسبي أو النظام المختلط، الذي هو مزيج من الاثنين، فهي إذن تلك التقنيات التي تسمح بتحويل الأصوات إلى مقاعد انتخابية في المجالس المراد تشكيلها.
أما النظام الانتخابي بمفهومه الديمقراطي الواسع، فهو مجموعة من القواعد القانونية التي تضمن حرية التصويت لكل مواطن، وتضمن صحة وسلامة الاقتراع على طول مختلف المراحل التي يمر منها المسار الانتخابي في مختلف أوجهه. انطلاقا من أولى مراحله أي حق الاقتراع، الترشيحات، العمليات المادية للتصويت بما فيها عملية التحضير له، أحكام الحملة الانتخابية، أنماط الاقتراع، وأخيرا إعلان النتائج والمنازعات المتعلقة بالعملية الانتخابية والتي تستوجب من الدولة أو الأجهزة المشرفة على الانتخابات التحلي بالمسؤولية والحياد من خلال توفير الإمكانيات المادية والبشرية، واحترام الإطار الزمني والمكاني للعملية الانتخابية .
فالنظام الانتخابي بهذا المفهوم العام و الشامل وهو الإطار الذي تندرج هذه الدراسة المقارنة للنظام الانتخابي والقوانين الانتخابية المغربية ، تبتدئ بنفس القدر من الاستقراء والوصف لمختلف هذه القوانين، بل هي محاولة لتوصيف لإشكالية وطرح التصور الديمقراطي للاقتراع العام بالمغرب، الذي إن اختُلف حوله من حيث الشكل، فإن المضمون يتمحور حول المشاركة السياسية والمنافسة الانتخابية .
فالانتخاب في جوهره أداة للمشاركة السياسية الشعبية، وتسيير للشأن العام، عن طريق الهيئات التي تنتخب لهذا الغرض، سواء على المستوى الوطني أو المحلي. تؤدي هذه المشاركة بالضرورة إلى إثارة المنافسة بين الفاعلين فيها بصفتهم ناخبين أو منتخبين.
و نظرا لكون الديمقراطية لا تحدد أسسها وفق نظريات إيديولوجية فقط، بل هي نتاج لظروف الاجتماعية و السياسية والتراكمات التاريخية، ارتأينا عدم الاقتصار على النصوص الدستورية والقانونية بغية التعرف على البيئة السياسية والإطار الاجتماعي، للإجابة على إشكالية مدى قدرة النظام الانتخابي المغربي بمفهومه على توفير تحصينات ديمقراطية فيما يخص المنافسة السياسية؟
التحولات المتراكمة التي تمت على مستوى النظام الانتخابي المغربي، بكل تأكيد تفكيرا عميقا في طبيعتها، لا لقياس درجة النمو أو التخلف، وإنما لتحليل منطق النظام الاجتماعي. والبحث في هذا المنطق، هو تنقيب أركيولوجي في المجتمع، ومن هنا رجوعنا إلى الماضي،6 بحيث قسمنا الحكم لخمسة مراحل.


المرحلة الأولى: لم يعرف المغرب حينها انتخابات، وكان تنظيم الحكم وفق الشريعة الإسلامية . و أعراف القبائل . و مع بروز ملامح المطالب الدستورية مع بداية القرن التاسع عشر، وارتفعت اقلام بعض المفكرين الإصلاحيين مع بداية القرن العشرين تدعو إلى ضرورة القيام بإصلاحات دستورية وسياسية للنظام القائم من جهة، ومواجهة التغلغل الكولونيالي من جهة أخرى؛ غير أن المطالب الإصلاحية لم يكتب لها النجاح لأسباب متعددة منها ما هو ذاتي و منها ماهو موضوعي.
المرحلة الثانية: مرحلة العمل السياسي في إطار الحركة الوطنية المغربية، والتي بنت أفكارها على ازدواجية فكر جمعت بين الفكر السلفي والفكر الليبرالي في إطار الإصلاح والاجتهاد والتحديث.
المرحلة الثالثة: مرحلة الاستقلال، حيث تضاربت رؤيتين: رؤية المؤسسة الملكية ورؤية الأحزاب التي خرجت من رحم “الحركة الوطنية”، أسفر عنها تشكيك وطعن هذه الأحزاب المشاركة في الانتخابات7 .
المرحلة الرابعة: في السبعينات، وخلالها عادت مؤشرات التقارب بين المؤسسة الملكية وأحزاب الحركة الوطنية، التي عبرت حينها على ضرورة إصلاح النظام الانتخابي كمدخل نحو تكريس الديمقراطية، بحيث برزت دعاوي لضرورة إقرار انتخابات حرة ونزيهة، بعيدًا عن تحكم الإدارة في النتائج الانتخابية، وإستطاعت أحزاب الحركة الوطنية والمؤسسة الملكية، التوصل في أواخر التسعينات إلى التراضي الذي أسس لحكومة التناوب التوافقي للأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، والتي عملت على إصلاح النظام الانتخابي. غير أن مسلسل الإصلاح لم يخلو من بروز بعض الأصوات التي إشتكت من إستعمال المال وشراء أصوات الناخبين والحياد السلبي للإدارة في العملية الانتخابية.
المرحلة الخامسة : عرفت خلالها المنظومة القانونية المغربية عبر التجارب الدستورية التي مر بها النظام السياسي المغربي، تشكل الإطار الملائم للمشاركة والمنافسة السياسية التي تسمح بالقول بوجود مشاركة سياسية للفرد في تسيير شؤونه وطُرحت العديد من الاستفهامات حول تأثير الإصلاحات الدستورية على النظام الانتخابي؟ وهل هناك تكامل متبادل مع النظام الانتخابي أم هناك قطيعة بينهما؟
وهذه الأسئلة تكسب وجهتها إنطلاقا من الإصلاحات التي عرفها المغرب في مساره الانتخابي، والتي شهدت إنطلاقة جديدة في العشرية الأخيرة، ومتابعتها من قبل قوانين تنظيمية للانتخابات جرت بموجبها مختلف الانتخابات التشريعية والمحلية.
ورغم ما عرفته القوانين من تغيير في إتجاه تكريس سلامة ونزاهة الانتخابات وتأكيد مبدأ التنافس بين المرشحين والأحزاب السياسية، إلا أن بعض الأصوات من الطبقة السياسية الرافضة لهذا المسار التحولي المستمر لازالت وعند كل إستحقاقات إنتخابية تطعن في الانتخابات وتصفها بالغير النزيهة8.
إن القول بنزاهة الانتخابات لا يعني فقط مراقبة الإجراءات المادية من قبل التلاعب بالأصوات وشراء الذمم والتحيز لفريق سياسي ضد آخر، بل إن تكريس انتخابات حرة ونزيهة يتوقف كذلك على الدقة التنظيمية المصاحبة للانتخابات، ابتداء باختيار نمط الاقتراع مرورا بالإجراءات السابقة لعملية الانتخاب ثم تنظيم المنازعات الانتخابية.
فموضوع الانتخابات رغم أهميته في تكريس دولة المؤسسات إلا أنه لم يحظى بالأهمية الكافية في مجال البحث، الأمر الذي جعلنا نخوض في هذا الموضوع عبر محاولة الإجابة على الإشكاليات التالية:


ما هو المسار الذي عرفه الفكر والسلوك الديمقراطي بالمغرب؟ ماذا نقصد بالتمثيل الانتخابي؟. وأي علاقة تجمع بين النظام الانتخابي والحياة السياسية؟ وماهي انعكاسات ذلك على نوع الحكومات التمثيلية؟ وبما أن المغرب عرف دولة قبل العصر الحديث كيف كان تنظيم الحكم فيه؟ هل عرف الدستور؟ وإذا كان الجواب بالنفي، كيف تم ذلك؟ وما هو الإطار القانوني للعملية الانتخابية بالمغرب؟ بمعنى آخر كيف تتشكل الهيئة الناخبة وفق نظريات الاقتراع؟ وما هو الإطار القانونية للترشح، وما هي أنماط الاقتراع وكيف تبنى المغرب نوعا محددا بعينه؟ وكيف تتم المنازعات الانتخابية البرلمانية ؟.
لاشك بأن الدراسة تقتضي الاعتماد على مجموعة من المناهج التي سنعتمدها للإجابة عن هذه التساؤلات.


* المناهج المعتمدة:
تنطلق هذه الدراسة من المنهج التاريخي والمنهج المقارن و كذلك وفق مقاربة تحليلية قانونية:
* المنهج التاريخي: لدراسة الانتخابات لا بد من التمعن في تطورها التاريخي، سواء من حيث تطور العملية أو النتائج أو السلوكيات. التحليل التاريخي يسمح بالمقارنة بين مجمل التراكمات التي تشهدها العملية الانتخابية، قصد توضيح أهم المتغيرات المؤثرة في النمط الانتخابي، عبر استحقاقات انتخابية مختلفة.9
وهو بذلك يوفر لنا الإمكانية لرصد الظاهرة من حيث النشأة والتطور، وكذا استجلاء الأوجه الممكنة لمآل الظاهرة تاريخيا. و دراسة تطور النظام السياسي المغربي
في محاولة لإبراز التطورات الدستورية المغربية واستقراء الأحداث التاريخية لم يكن الوسيلة الوحيدة المستعملة في البحث، فالمنهج المتبع كما يظهر من خلال مختلف الفصول، هو المنهج التحليلي الذي ينسجم أكثر مع البحوث في المجال القانوني، لأن الدراسة تنصب على نصوص الدستور والقانون.
* المنهج المقارن: يمكن هذا المنهج من إختبار العناصر الثابتة والعناصر المتغيرة 10. و لقد إستعمل بصورة تلقائية، بغية تبيان مواضع الضعف والقوة في التشريع المغربي مقارنة بالقانون الفرنسي خاصة، باعتباره أحد المصادر التاريخية للقانون المغربي11.
* مقاربة تحليلية قانونية: وذلك في إطار تناول وتحليل النصوص القانونية التي تنظم الانتخابات في المغرب مند اطلاق العمل بها.
من خلال ما تقدم يتأكد أن موضوع الانتخابات من المواضيع التي تعرف تعقيدا على مستوى الدراسة، بالنظر لأهميتها ودورها في إرساء وتكريس الديمقراطية لتمكين أفراد الشعب من ممارسة حقوقهم السياسية والمدنية، لذلك فإن فهم العملية الانتخابية في ظل الهندسة الدستورية والقانونية يبقى عاملا مهما ولكن ليس وحيدا، باعتبارة آلية تحكم سير العملية الانتخابية وتضبط نتائجها.

هدف الدراسة:
يظل إبراز معالم تحولات المجتمع السياسي المغربي عبر دراسة النظام الانتخابي، وسيلة علمية لرسم مواطن القوة التي تستحق التدعيم وسبر مواضع الهشاشة التي تتطلب العلاج في مجالي المشاركة والمنافسة السياسيتين.

أهـمية الموضوع:
يكتسي هذا الموضوع أهمية خاصة نظرا لراهنيتة في ظل التحولات التي باتت تعرفها بعض الدول على المستوى الإقليمي، فمن خلال متابعة الحراك الأخير الذي شهدته المنطقة العربية، والذي طرح موضوع الانتخابات كوسيلة لتعيين الحكام، نجد أن المفهوم المبدأ إلى مفهوم حقوق الإنسان والمواطن. أما الأهمية الثانية للموضوع، فهي الأهمية المتميزة للانتخابات في المغرب، باعتبارها تجربة ديمقراطية ناشئة، تشهد محاولة تكريس الخيار الديمقراطي وممارسة التقاليد الحرة في تعيين الحكومات بالكثير من الصعوبات والعراقيل التي تترجم الصراعات الاجتماعية وتجاذب موازين القوى بين مختلف التيارات السياسية الفاعلة في المشهد السياسي .

أسباب اختيار الموضوع:
يرجع سبب إختيارنا للموضوع إلى أسباب ذاتية وأخرى موضوعية:
بالنسبة للأسباب الموضوعية، فتتمثل في كون النظام الانتخابي يشكل القاعدة الأساسية لتشكيل المؤسسات التمثيلية التي تعمل على تدبير الشأن العام، سواء تعلق الأمر بالبرلمان أو بالحكومة أو بالجهات أو بالجماعات الترابية، وتشكل الانتخابات المدخل لمقاربة التداول على ممارسة السلطة وإحداث الإصلاح بالطرق الديمقراطية، إن أنماط الاقتراع تتولى تنزيل مختلف المبادئ إلى أرض الواقع، وتترجم أصوات المواطنين إلى مقاعد تمثيلية، وهذا الأمر يمكننا من الاقتراب من أهم القرارات المؤسساتية للحياة السياسية بالمغرب، لكون إختيار نمط الاقتراع، نادرا ما يتوافق مع الواقع المجتمعي والسياسي، بل هو نتيجة عدة عوامل وظروف تبتغي تأمين مسار سياسي من أجل الخروج من التقليد التاريخي، إلى الحداثة السياسية كمدخل أساسي لضمان في التحول الديمقراطي بالمغرب.
إن التجربة المغربية طوال أكثر من خمسة عقود، عرفت إتهامات بالتلاعب من قبل السلطة في النظام الانتخابي، خاصة نمط الاقتراع والذي لم يستطع تحويل التعددية الحزبية إلى تعددية سياسية12.
أما بالنسبة للأسباب الذاتية فإنها جاءت من رغبة في كشف مفاعيل العملية الانتخابية والمساهمة في تحقيق تراكم كمي يمكننا من غرس وعي متجدد بآليات العملية الانتخابية.

خطة البحث
ستكون دراستنا إجابة على التساؤلات التي طرحناها في صلب هذا التقديم، وفق لخطة مكونة من فصل تمهيدي وبابين وخاتمة.
الفصل التمهيدي:نتعرض فيه لتطور الفكر الديمقراطي، وسيكون ذلك في مبحثين: المبحث الأول نخصصه لتبلور الفكر الديمقراطي. والمبحث الثاني لتنظيم الحكم بالمغرب.
الباب الأول: نتطرق فيه لأطراف العملية الانتخابية، وذلك في ثلاثة فصول:
الفصل الأول نخصصه للهيئة الناخبة، عبر التطرق لنظريات السيادة والتكييف القانوني للانتخاب والفصل الثاني للاقتراع العام، عبر التركيز على توسيع حق الاقتراع ونظام الغرفتين في المغرب على ضوء التجارب الدولية. والفصل الثالث للمرشحين.
أما الباب الثاني سنخصصه لدراسة النظام الانتخابي كإطار للمنافسة السياسية، حيث سنخصص له أربعة فصول: الفصل الأول للتعريف بمختلف أنواع نمط الاقتراع، والفصل الثاني سنتناول فيه النظام الانتخابي والتنافسية السياسية، والفصل الثالث للعملية الانتخابــية، أما الفصل الرابع والأخــير فسندرس فيه المنازعات الانتخابــية .
أكيد أن الديمقراطية مصطلح ترجع جذوره التاريخية إلى العصر القديم، ابتداء من القرن الخامس قبل الميلاد، أصلها إغريقي، والمصطلح هو مركب من قسمين الأول Démos ويعني الشعب، والقسم الثاني Cratos ويعني الحكم والسلطة، والمصطلح ككل يعني حكم الشعب لنفسه بنفسه.13
والحال أن فكرة الديمقراطية جاءت من فكرة العدالة لأفلاطون في كتاب”الجمهورية الفاضلة” كما أن أرسطو عمل على تطوير فكرة الديمقراطية من خلال الجمع بين الديمقراطية كحكم الشعب والأوليغارشية14.
غير أن الديمقراطية كفكرة ظلت مرفوضة في أوروبا إلى غاية قيام الثورة الفرنسية سنة 1789م، والتي حولتها من مجرد مذهب فكري إلي حقيقة سياسية، انتفضت بموجبها على سلطات الملوك والكنيسة والإقطاع في وقت واحد ونقلت السلطة إلى فئات واسعة من الشعب، كأسلوب للحكم يقوم على أساس المؤسسات، ويهدف إلي تمكين الشعب من مسؤوليات وتوفير أسباب السعادة له، لكونها تنظيم اجتماعي يخرج المجتمع من حالة الفوضى والحكم الاستبدادي إلى الحكم المنظم على أساس مصلحة المجتمع الذي يشارك فيه جميع أفراد الشعب في اختيار الحكام.15
لقد تفاعلت الحضارة العربية الإسلامية عن طريق الحروب الصليبية والأندلس، مع حلول عصر النهضة وما تبعه من أفكار فلسفية حول حرية الفرد وفصل السلط واستقلالها ولج المفهوم إلى المشرق العربي، الذي برزت فيه العديد من الكتابات حول المواطنة Citoyenneté وما تحتمه من قيم المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الانتماء الديني والاجتماعي واللغوي والعرقي، بحيث تجسد الدولة تلك الحاضنة للجميع الأفراد والمجتمع وفقا لميثاق دستوري يحدد قواعد وأسس اللعبة السياسية. وبذلك تجاوزت الديمقراطية المنطق الانتخابي باعتبارها أسلوبا في إدارة مؤسسات الدولة والشأن العام، سواء تعلق الأمر بمؤسسات الدولة أو المجتمع بتعبيراته المدنية وعلاقته مع الدول، بل هي تجاوز للبعد التقني وأدواته، إلى البعد الثقافي الذي يرتبط بمنظومة قيم، تتكرس عن طريق تربية الفرد وجعله قادر على استيعابها وتمثيلها، واختبارها على صعيد الممارسة والمنهج، إذ بدون قيم ديمقراطية لا تنتج الأثر المتوخى من الانتخابات.


1 Le Gouvernement du peuple ; par le peuple et pour le peuple.
2 Joseph Schumpeter, Capitalism, Socialism, and Democracy (New York, Harper, 1950), p259.
3 Robert Dahl, “Democracy and Human Rights under Different Conditions of Development”. in Asbjorn Eide and Bernt Hagtvet, eds, Human Rights in Perspective. (Oxford: Blackwell), p246.
4 Robert. A. Dahl, Polyarchy: Participation and Opposition. (New Haven: Yale University Press, 1971).
5 David Butler, Howard R. Penniman and Austin Ranney, eds. Démocracy at the Polls: A Comparative Study of Compétitive National Elections (Washington and London: American Enterprise Institute for Public Policy Research, 1981),p 2-3.
6رحمة بورقية: الدولة والسلطة والمجتمع: دراسة في الثابت والمتحول في علاقة الدولة بالقبائل بالمغرب، دار الطليعة، بيروت، ط 1. 1991، ص 5.
7 محمد ضريف : الأحزاب السياسية المغربية من سياق المواجهة إلى سياق التوافق 1934-1999، ط 1/ 2001، المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، ص 126.
8 مطالة الفريقان الاشتراكي والاستقلالي في مجلس النواب بشكل مشترك بإحداث هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات؛ من أجل بناء الثقة العامة في العملية الانتخابية، وضمان انتخابات ديمقراطية تعددية وحرة ونزيهة وشفافة.ويتوخى مقترح القانون المشترك حول الهيئة الوطنية للإشراف على الانتخابات ومراقبتها، الذي تقدّم به الفريقان أمام لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة في مجلس النواب، ضمان مصداقية عمليات الاقتراع الذي جعل منه المشرع الدستوري أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي، وتفادي الانتقادات الحادة والمؤاخذات التي تشككّ في مصداقية ونزاهة الانتخابات وتدخل الإدارة فيها، وضمان إحصاء انتخابي نزيه يستند على التسجيل التلقائي بواسطة البطاقة الوطنية للتعريف.
9 عبد الغفار رشاد القصبي : مناهج البحث في علم السياسة، التحليل السياسي، كيف تكتب بحثا أو رسالة، الجزء الأول، الطبعة الأولى، مكتبة الآداب، 2004، ص 223 .
10 جميل صليبا ، ساليب البحث العلمي.منشورات عويدات، بيروت، لبنان ط2 ، 1987، ص497.
11 عبد الغفار رشاد القصبي : مناهج البحث في علم السياسة ، التحليل السياسي، كيف تكتب بحثا أو رسالة (ن. م.س)، 2004، ص 622.
12 سعيد خمري: الانتخابات التشريعية في المغرب .. نمط الاقتراع و سؤال الوظيفة ، نشر في جريدة الاتحاد الاشتراكي يوم 20 – 10 ? 2010 .
13 اجتهد العديد من المفكرين والفلاسفة في محاولة تعريف للديمقراطية، و الملاحظ هو أن تعريف الديمقراطية لم لم تستقر على تعريف واحد جامع مانع صالح لكل زمان ومكان، فالممارسة الديمقراطية، أفرزت مجموعة من المبادئ والقواعد التي توصف بكونها ديمقراطية، زمنيه فإن كل تعريف يتناسب مع فترة معينة لهذا فان المفهوم الاثيني باعتباره موالد الفكر الديمقراطي أضحى مفهوم متجاوز على اعتبار التطورات التاريخية والتحولات المعرفية قد عملت على تهميش هذا المفهوم الكلاسيكي.
للمزيد أنظر:
نورالدين حاروش، الديمقراطية حكم الشعب أم حكم الحزب، “المغرب الموحد”، مجلة مستقلة جامعة تعني بشؤون المغرب العربي، تونس، العدد 12، ماي 2011، ص 27، 29.
14 محمود عاطف البنا: الوسيط في النظم السياسية، دار الفكر العربي الطبعة الثانية، 1994؛ ص 355.
” تخوف أرسطو من حكم الأكثرية لجهلها و فقرها، إلا انه كان من المطالبين بضرورة حماية حقوقها و حرياتها”.
15V.J.P Jacques, Droit constitutionnel et institutions politiques « édition .Dalloz 1998, p24

* عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

11 فبراير2015