المتتبع للشأن الاقتصادي في المغرب يلاحظ أن مخزون وإمكانيات النمو مازالت كبيرة مقارنة مع ما يتحقق من نتائج سنوية، وهو ما يجعلنا نطرح باستمرار وبإلحاح وفي كل مناسبة سؤالا مركزيا حول العوامل التي لا تزال تكبح مسار النمو الاقتصادي على الرغم من بعض الإصلاحات المؤسساتية التي تم إدخالها والمخططات القطاعية التي تم وضعها على مدى السنوات الأخيرة. منطلقنا في هذا الباب هو المستوى العام الذي يوجد عليه الناتج الداخلي الخام الذي يعطينا ترتيبا لا يتناسب ورغبتنا في التموقع في مصاف الدول الصاعدة. بعض الأبحاث الدقيقة في هذا المجال رصدت عددا من العوامل الأساسية التي تتداخل في ما بينها، إلا أن هناك عاملين رئيسيين لهما تأثير كبير وحاسم في هذا المجال:
العامل الأول يتعلق بإشكالية الاستثمار ، وهي
لا تزال مطروحة بحدة، وتترتب عنها بشكل مباشر وغير مباشر مشاكل اقتصادية عديدة منها أساسا ضعف مسلسل النمو والمستوى العام للدخل والارتفاع المسترسل لمعدل البطالة. فرغم تعدد الاجراءات التي تم إدخالها في هذا المجال لتقوية الاستثمار الداخلي والخارجي والتي شملت بالأساس تقليص عدد من المساطر التي تهم الاستثمار ولامركزة عدد من القرارات المرتبطة به، ووضع لجنة وطنية نمذ حكرمة التناوب ومراكز جهوية للاستثمار وخلق الوكالة المغربية لتنمية الاستثمار ، ووضع مسؤولية الاستثمار تحت وصاية وزارة محددة، إلا أن المستوى العام للاستثمار لايزال متواضعا مقارنة مع ما هو مطلوب تحقيقه للوصول إلى مستويات نمو متقدمة باعتبار دوره الحاسم في هذا المجال ولوضع الاقتصاد الوطني في مصاف الاقتصاديات الصاعدة. سنويا لا يتعدى حجم الاستثمار الإجمالي عتبة 34 مليار دولار أي ما يمثل معدل 1030 دولار للفرد سنويا مقارنة مع 7500 دولار للفرد في كوريا الجنوبية و 2200 دولار في تركيا و 2100 دولار في البرازيل. أما الاستثمار الأجنبي فلا يتعدى عتبة 3.5 ملايير دولار سنويا أي أقل من عشرة في المائة من إجمالي الاستثمارات السنوية، وأقل ثلاث مرات مما تحققه كل من كوريا الجنوبية وتركيا على سبيل المثال.
هناك عدد من الأسئلة التي تطرح نفسها حول الأسباب التي مازالت تعيق تطور الاستثمارات في المغرب، والتي تبقى في رأينا حاسمة في كل التحولات الاقتصادية التي حصلت أو من شأنها أن تحصل مستقبلا. اليوم نحتاج لتقييم أداء عدد من الإصلاحات التي همت جوانب تحسين مناخ الاستثمار من أجل تحديد دقيق للعوائق الحقيقة التي حالت وتحول دون تطور الاستثمار في المغرب، وذلك في أفق إدخال جيل جديد من الإصلاحات العميقة للرفع من الاستثمارات الداخلية والخارجية. هنا لا بد من التأكيد على أن المغرب يحتاج لمضاعفة حجم استثماراته في زمن لا يتعدى الخمس سنوات المقبلة لضمان معدلات نمو قارة في حدود 5 إلى 7 في المائة سنويا، لتدارك عدد من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المستفحلة.
والعامل الثاني وهو جودة الحكامة، وهي مثل سابقتها اشكالية كانت ولاتزال مطروحة بحدة إلى اليوم. آثارها المباشرة وغير المباشرة على الاقتصاد وعلى النمو بشكل دقيق لا تحتاج إلى براهين. أحد أسرار تفوق الدول المتقدمة والصاعدة تكمن في قدرتها على وضع آليات وقواعد شفافة لصناعة القرار على كل المستويات في إطار الثقة المتبادلة بين كل مكونات المجتمع، كما أن جودة الحكامة كانت دائما مرتبطة بترسيخ المسار الديموقراطي والتنموي لهذه الدول. ما نلاحظه إلى حدود اليوم، ورغم المستجد الذي أحدثه دستور 2011 على مستوى الرغبة في تجويد الحكامة، من خلال ربطها بالمحاسبة من جهة والكفاءة مع توسيع دور الفاعل السياسي في صناعة القرار، إلا أن الواقع يظهر أن الهوة مع المعايير العالمية في هذا المجال لاتزال كبيرة. وهنا لابد من التأكيد على أن عددا من القرارات المتخذة على مستويات عدة تفتقد للفعالية الاقتصادية، نتيجة لضعف مستوى الحكامة مما يفقد الاقتصاد إمكانات مهمة للنمو مهما كانت فعالية النموذج الاقتصادي المتبع.
المغرب يحدوه بكل تأكيد طموح الوصول إلى مصاف الدول الصاعدة منذ مدة طال أمدها، هذا الهدف الاستراتيجي يحتاج إلى التخلي عن مسار الإصلاحات الترقيعية ذات المفعول الظرفي، والتي يتم الدفع بها في إطار جرعات غير منسجمة تفتقد للقاعدة العقلانية وبكلفة اقتصادية عالية. هناك اليوم ضرورة عاجلة لإدخال مجموعة من الإصلاحات الحقيقية والعميقة، وخصوصا المرتبطة بمجالات الاستثمار وجودة الحكامة، وهي الإصلاحات التي من شأنها إعطاء دفعة قوية للنمو الاقتصادي على المدى المتوسط والبعيد.