رتبت الصدفة الأشياء بما يليق بالمرحلة، إذ تزامن صدور الكناش الثالث من خواطر الصباح للمؤرخ والمفكر والأديب عبد الله العروي، مع الزيارة التي يقوم بها الملك إلى باريز في سياق متسم بالتوتر مع «يومية لوموند».
الصدفة ، تشاء أن تكون لعبد الله العروي عودة إلى فترات من بداية العهد الجديد، حيث تتزامن هذه المعادلة الثلاثية مع فترة التوتر، وفيها نفس المكونات إذا صح التعبير،الزيارة، لوموند، فرنسا ..
أرى من المفيد الاستماع إلى الأستاذ عبد الله العروي، وكيف سجل فصول الاضطرابات، لكي نحتفظ بالأساسي من رؤيته، هو الذي خبر العلاقات المغربية الفرنسية، أيام المرحوم الحسن الثاني، وخبر تعقداتها أيام كتاب «صديقنا الملك» الذي كتبه جيل بيرو وخلق أزمة حقيقية تطلبت دعوة الملك للمؤرخ والباحث للقيام بزيارات واتصالات مع النخبة الفرنسية ،كما رواها في كتابه عن الحسن الثاني ولا سيما النخبة اليسارية.
كما أنه تابع فصول التوتر مع الملك الجديد.
ولا بد من التنبيه أن الأمر دعوة إلى تفكير ، مع رجل هاديء عقلاني وموضوعي ، يحكمه المنطق وليس الأهواء، سواء في الهجوم أو الدفاع. وهذه الدعوة ليس فيها نزوع إلى تقويل المفكر ما لم يقله، بل هو من باب التقابل التاريخي البسيط والعادي بين لحظتين، نستعين فيها، في ضوضاء اللحظة، بعقل عميق، يتحدث هو نفسه من داخل منطق التاريخ …
في أول حدث عن هذا التزامن الذي أثارنا، يقول الأستاذ العروي، في تسجيلات الاثنين  20 مارس من 1999
«بعد عيد الأضحى، سافر »الملك الشاب« إلى باريس وقيل إنه استقبل بحفاوة لم يسبق لها مثيل. من قال هذا لم يتذكر، أو لم يعلم لصغر سنه، أن الحسن الثاني عندما اعتلى العرش سنة1961 استقبله ديغول بالحفاوة نفسها.هذه عادة.
الجديد هو أن شيراك بادر بالدعوة حتى يسبق سفر الملك زيارة بوتفليقة المقررة منذ شهور. لن يغفر له ذلك الجزائريون ولا أصدقاؤهم في باريس، ضمنهم محررو جريدة »لوموند« الذين ذكروا بالمناسبة أن هشام بن عبد الله غادر المغرب منذ أسابيع ليشتغل في كوسوفو مع برنار كوشنر ».
لا داعي إلى الإشارة الى أن عناصر المذكرات تتحدث، عن واقعة مر عليها أزيد من 15 السنة. وهي تكاد تعود بحذافيرها اليوم، إذا ما نحن سجلنا بأن الحديث يدور عن زيارة الملك، وعن الحفاوة وعن الجزائريين وأصدقائهم في لوموند وعن الأمير مولاي هشام..
بعد سنتين يتحدث العروي مجددا عن هذه التركيبة السياسية الإعلامية، لكنه يذهب إلى أبعد من تسجيل الوقائع أو التموقف ضد هذا الطرف أو مع الآخر، إنه يحدد النقاش في إسقاطاته الداخلية، وإسقاطاته على طبعة الدولة. وفي هذا الإطار يقول الأستاذ عبد الله العروي في خاطرة الجمعة 20 يوليو2001:«
تتساءل بعض صحف المغرب عن مقاصد الحملة التي تشنها منذ أيام صحيفة لوموند الفرنسية على المغرب ونظامه. الحملة ذكية، كالعادة، إذ تتمثل في التذكير بالأوضاع الإجتماعية السيئة وعجز الحكومة (بل النظام) عن حلها أو بالأحرى عدم الإقدام على مبادرات جريئة وفعالة. تصف حسب زعمها جو الإحباط السائد في جل الأوساط بعد مرور سنتين على وفاة الحسن الثاني وعدم تحقيق الآمال التي عقدت على الملك الجديد. يعزز هذا التحليل ما كتبه هشام بن عبد الله أخ الحسن الثاني في الجريدة نفسها وأكده في مقابلة مع أحد محرريها على الشاشة الصغيرة (محطة LCI التابعة لمجموعة بويغ). فيدعي البعض أن بويغ هذا الذي كان يحتكر كل الأشغال العمومية (المشاريع العمرانية) في العهد السابق والذي لم يعد يجد التسهيلات نفسها مع الحكومة الجديدة، سيما بعد تعثر مشروع ميناء طنجة الجديدة. فهو الذي يحلم بإنهاء تجربة التناوب والعودة إلى عهد التقنوقراط.
استعملت الخطة مرارا في الماضي، خطة تخويف الملك من نوايا الجميع، خاصة من الأحزاب اليسارية، وتشجيعه على أخذ المبادرة والاستئثار بالحكم حتى يتيسر في ما بعد الضغط عليه. ضمن هذه النقطة إحياء أشباح الماضي.
ليس من المصادفة أن تنشر لوموند في صفحتها الأولى وعلى مدى يومين ما عنونته باعترافات ضابط سابق في المخابرات المغربية عن كيفية التخلص من جثة ابن بركة. يبدو أن هذه الاعترافات »»مفبركة»«، لا جديد فيها، سوى إلصاق التهمة أساسا بالمغاربة، بالدليمي صراحة و بالحسن الثاني تلويحا، ونفيها إذن عن الفرنسيين. نشرت الجريدة هذا الخبر جنب نبأ وصول ميلوسفيتش الزعيم الصربي إلى لاهاي لمحاكمته. سبق للجريدة نفسها أن ركزت على تورط اليسار المغربي عقب اختطاف ابن بركة في مؤامرة أوفقير. يبدو أن غاية كل هذا عزل الملك الجديد وإرغامه على إحياء نظام أبيه بدعوى ضبط الموقف والإسراع بمسلسل الإصلاحات.
لأعداء الخارج أنصار في الداخل، في اليمين وفي اليسار، من المحافظين ومن الإصلاحيين، من غير الراغبين في تحقيق المصالحة الوطنية وتعميق التجربة الحالية الهادفة إلى إقامة ديمقراطية برلمانية حقيقية».
من المؤسف أن نقاشا من هذا القبيل لا يكون مغريا في أوساط الصحافة والإعلام، وعادة ما نقف كإعلاميين عند الموقف الدفاعي، وهو ما يضعف الموقف الوطني، إضافة إلى أن الذين يهاجموننا لا يجدون من ردودنا سوى التشكيك واستخراج النسخة القديمة من نظرية المؤامرة، في حين يجب أن يكون موقفنا الوطني الداعم للرعية وللثوابت مستندا إلى حرية المعلومة وعلى الخبر المقدس، وعلى الحجة للرد على ما يعتبره الآخرون مادة ذات مصداقية. فالحقيقة أن الذين يهاجموننا ليسوا بلداء ، ولا معتوهين يكتفون بالنظرية إياها، بل عادة ما يستندون إلى ما يتقبله رأيهم العام ويعتبره «نواة صلبة في المعلومة.