منذ شهر أبريل 2014 أدرك المغرب أن ملف الصحراء قد يدخل أحد المنحدرات الصعبة داخل الأمم المتحدة، وبالرغم من أن المغرب رسميا أعرب عن ارتياحه لقرار مجلس الأمن رقم 2152 الصادر يوم 29 أبريل 2014، فإن الظاهر أن هذا القرار يبطن الوعد والوعيد، وأنه لا يشابه القرارات التي صدرت عن الموضوع منذ قرار 690 الصادر عن مجلس الأمن في العام 1991.
وهذا التميز مرده إلى ما عرفته ردهات الأمم المتحدة حول صيغة القرار الذي هو في نهاية المطاف صيغة للبحث عن ترضيات لهذا الطرف أو ذاك.
نص قرار أبريل 2014 على تمديد مهام قوات المينورسو دون إدخال تغييرات في مهامها مع رفع عدد أفرادها، ويبدو أن هذه الصيغة كانت الأقل ضررا بالنسبة للمغرب، مقابل صيغة أخرى قدمها الأمين العام تنص على آلية مستقلة لمراقبة حقوق الإنسان، والصيغة التي تمت الموافقة عليها قدمت من ” مجموعة أصدقاء الصحراء “(الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا واسبانيا)، لكن القرار في حد ذاته تضمن صيغة تعطي أجل أبريل 2015 للوصول إلى نقاط تفاهم.
أدرك المغرب حينها أن العام 2015 سيكون صعبا، وأن هناك محاولات تريد تركيعه للقبول بصيغ يمكن أن تخلق ميكانيزمات التنازل التدريجي عن سيادته على الصحراء، فجاء رد الفعل من خلال توالي الخطابات الملكية الموجهة إلى الداخل والخارج معا. وكان لابد من مواقف تعبر عن أن المغرب أصبح قوة اقتصادية ومالية في إفريقيا وقوة عسكرية تساعد الأمم المتحدة نفسها لبث الأمن في عدد من البقع الملتهبة، وأنه بعد عواصف الربيع العربي ظل المنطقة الآمنة التي لم تعشش فيها الحركات الجهادية وجماعات الجريمة العابرة للحدود، وأن قواته المسلحة تقوم بالحفاظ، ليس فقط على أمن المغرب بل يمتد دورها إلى تأمين العمق الاستراتيجي الأمني لأوربا الغربية، التي أدركت بعض أن شب حريق داعش وأخواتها في أطرافها، أن المغرب جدير بمعاملة ندية. في هذا السياق بادرت لوبيات ولاتزال لتبخيس صورة المغرب، وفرملة الاعتراف الدولي بمكانته.
بعد ذلك اتخذ المغرب خطوات جريئة من قبيل عدم إعطاء تأشيرة لممثلة الأمين العام، ورفض استقبال كريستوفر روس الذي يريد السكن في ملف نزاع الصحراء، مع ميل إلى الطرف الآخر. وانتظر المغرب طيلة شهور ، ما دام أنه موجود في الصحراء، والزمن في صالحه، من حيث أن نزاع الصحراء هو أيضا آلية لترتيب البيت المغربي الداخلي، وأن الوحدة الوطنية مكمل للوحدة الترابية.
وأخيرا فهم بان كي مون أنه دون موافقة المغرب، فقد يعود ملف الصحراء إلى ما قبل 1991، وإذ ذاك سيحق للمغرب تطهير الشريط الشرقي للجدار، وأن تتحمل الدولة الحاضنة مسؤولية احتضانها لأي جماعة تهدد أمن المغرب. الجميع يعرف أن هذه الدولة بالكاد تحاول مراقبة آلاف الكيلومترات في الشرق، وفي الجنوب حيث الحركات الجهادية وجماعات الجريمة العابرة للحدود تنتظر اقتناص الفرصة لتمدد وجودها نحو حقول البترول بحاسي مسعود، كما فعلت في يناير 2013.
و تعرف مخيمات الحمادات أيضا انتفاضات متتالية لتكلس جبهة البوليزاريو، واكتشف سكان المخيمات أن إبقاءهم في أقصى درجات الفقر والمذلة هو عمل مقصود لضمان صبيب مساعدات دائم، ليس لصالحهم بل لجيوب قيادة البوليزاريو و جنرالات الدولة الحاضنة، وهذا ما تم الإعلان عنه داخل الاتحاد الأوربي.
إن التحولات الإقليمية والجهوية والملف الأمني أوراق في يد المغرب، قادرة على تغيير المعطيات الجيوسياسية في المنطقة. القوى الكبرى تدرك أن منطقة تحتضن الحركات الجهادية وشبكات تجارة السلاح والمخدرات، غير قادرة على تحمل صراع في الصحراء، فالإشكال المالي لم ينته بعد، وبوكو حرام تمدد مجالها الجغرافي من شمال نيجريا إلى الضفة الجنوبية لبحيرة التشاد، وتهدف إلى خلق ممر مع شمال النيجر والتشاد للارتباط بجماعات أخرى تنشط من الجنوب الليبي إلى الشرق الأوسط والقرن الإفريقي.
السياق السياسي والأمني في صالح المغرب، وهذا ما فهمه بان كي مون وبادر إلى إجراء محادثة هاتفية مع الملك محمد السادس، ووافق على شروط المغرب لاستئناف نشاط البعثة الأممية. فهل تتحرك الحكومة المغربية في الأسابيع والشهور المقبلة لمواكبة هذا المنعطف، وإفهام مبعوث وممثلة الأمين العام أن زمن التسيب انتهى؟

الخميس 12 فبراير 2015