تكرَّس المعرض الدولي للكتاب، كموعد ثقافي ومجتمعي متميز، يعيد طرح أسئلة صناعة وإنتاج الكتاب وتسويقه، في كل سنة، كما يأتي بأسئلة جديدة، تنتجها التحولات التي تعرفها الثقافة وأدوار المثقفين والمستجدات الثقافية بين الدورتين.
الجدولة الثقافية والتنشيطية في حد ذاتها عملية دورية، تتم حسب الخطة التي تعرضها الوزارة المعنية على الشركاء الثقافيين، الوطنيين منهم أو الدوليين، ولعل مما يستحق التنويه في الدورة الحالية هو كون فلسطين وثقافتها ومعركتها ورموزها وقضاياها، من صميم الاحتفاء الثقافي والتنويري في معرض هذه السنة.
وغني عن التذكير أن فلسطين، ظلت تغذي الدورة الثقافية لجميع الشعوب العربية والمغاربية وشعوب العالم، وشكلت بؤرة لانصهار أسئلة الثقافة الوطنية مع الثقافية التحررية.
وفي حضورها اليوم رسالة ذات حمولة قوية تؤكد على استمرارها، حاملة للرمزية الثقافية التحررية، التي تعلي من شأن الأرض والوطن والحرية، ضدا على كل محاولات سجنها تحت سقف عقائدي يجردها من بعدها الكوني.
وستكون للمثقفين وعموم الجمهور المغربي فرصة للتفاعل مجددا مع الحضور الفلسطيني القوي، في ضوء وضع يحمل في جيناته الثابت والمتحول من القضية.
كما لا شك أن المعرض سيعيد طرح العمق الثقافي للحظة الحالية من التحولات التي تعرفها دول الدائرة العربية الإسلامية عموما، والدائرة المغاربية بالتخصيص. ومع ما عصفت به رياح الربيع العربي. واستخلاص ما يجب استخلاصه، بعد النقاش الضروري بين رواد المعارض والمنتجين الثقافيين، بالذكاء اللازم والقادر على التقاط التحولات الثقافية العميقة.
ومن أجلى هذه التحولات، السعي إلى تعميم ثقافة الاستبداد الفكري والديني والطائفي، من خلال التقدم المتنكر وراء أقنعة التغيير والارتقاء بالانتقال الديموقراطي، ولن نجد أكثر إقناعا وتحصينا من المثقفين والمنتجين الرمزيين، للكشف والتمحيص والمواجهة مع هذه الثقافة التي لم تعد تخفي مشاريعها، وإصرارها على إعادة إنتاج الماضي بمادياته ورمزياته.
ولعل أقوى ما ينتظر المثقف والمثقفين هو تفكيك البنية الذهنية أو «الخلايا التفكيرية للتطرف» ومكونات الهوية القاتلة التي تمد الإجرام والاستبداد بمقومات البقاء والتنشيط المتجدد.
سيكون من المفيد في سياق هذا المعطى أن تعود الى الثقافة أدوارها في:
أولا رفض التسميد المباشر وغير المباشر للاستبداد ، وثانيا، في تغذية التضاد والمواجهة بين الثقافة المحافظة والرجعية، وبين ثقافة العصر والتعايش والتسامح والوسطية والقيم الكونية.
ولا يمكن أن نتصور نجاح مهمة مدنية وحضارية بهذا الحجم إذا لم يصبح الكتاب، ومن ثمة القراءة، مشروعا يوميا ومتزايدا، وتم تعميم المنتوج الثقافي في الفضاءات العمومية، التي تخضع يوما عن يوم الى «طقسنة» طرقية متبلدة، وفي الفضاءات التعليمية، من المدرسة الى الجامعة بإرادوية معلنة وواضحة المعالم ،ودعم الإنتاج الرمزي بكل تشكيلاته، لاستعادة قيم العقلانية والتحرر والحداثة.
ومن الواضح أن مهاما من هذا القبيل تبدو بعيدة المنال عن تركيبة حكومية لا تتوفر على مشترك ثقافي موحد، وتضع نفسها في منأى عن الانشغال الفكري، إن هي لم تبذل ما في وسعها لتعميم العداء له، وتقوية الثقافة التحنيطية التي تلغي عقل الإنسان وذوقه ووجدانه، والاقتصار مقابل ذلك على الترتيبات المادية والزمنية والجدولة المحدودة، بدون أفق حضاري وإنساني منفتح.
إنه في العمق لا يعدو أن يكون بالنسبة لها فرصة، بدون أن يرقى إلى كونه رهانا يجدد نفسه من خلال مستجدات الأسئلة الثقافية.

13فبراير 2015