دخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية . للسنة الثانية على التوالي منذ المؤتمر الوطني التاسع، في ديناميكية تنظيمية، جعلت من كل لحظة في الأجندة الزمنية موعدا مع حدث سياسي تنظيمي، يفرض نفسه على جدول النقاش الداخلي والخارجي. وقد كرست المؤتمرات الإقليمية، التي تجاوز عددها 50 مؤتمرا، هذا الحضور الإشعاعي القوي، المرتكز على إرادة إعادة بناء الذات واستعادة المبادرة والخروج من التآكل الداخلي والتوجه نحو المستقبل.
وأكدت هذه المؤتمرات، التي وردت بدورها في سياق دينامية تنظيمية وسياسية واسعة وجذرية، ثلاث حقائق لا يمكن لأي متتبع موضوعي للشأن الوطني أن يغفلها.
الاتحاد قوة تنظيمية: وهو كذلك، لأنه استطاع أن يعطي لمعنى الالتزام السياسي بنية تنظيمية تتوسع جغرافيا، وتتجدد مع كل فترة من فترات السياسة الوطنية،وتتجاوب مع تطلعات الأجيال المختلفة . وكان في مقدور الاتحاد منذ تأسيسه أن يبتكر الشكل التنظيمي الذي يساير أهدافه السياسية، ويحافظ للانتماء الديموقراطي والتقدمي على جذوره في التربة الوطنية. ومر الاتحاد في هذا السياق بامتحانات عديدة ورهيبة، لم تستطع استئصاله، منها ما هو في حكم الإبادة السياسية، ومنها ما هو في حكم التجريب الطارئ في تنظيم الحياة السياسية، وبين دعوات بناء الحياة الحزبية المغربية على النزعة المقاولاتية أو التجمعات الجماهيرية المائعة، أو بنائها على مكتسبات البشرية من أدوات التواصل الاجتماعي، كما حصل مع ثورات الربيع العربي، اختط الاتحاد لنفسه الخط التنظيمي الصامد الذي أثبت جدارته وصلابته بالرغم من كل التقلبات. وكانت تلك فرصة دائمة للمغرب لكي يرتكز عليه سياسيا. وحافظ الاتحاد على جوهر المعنى التنظيمي،عندما أغنى بتجربته الفريدة في العالمين العربي والاسلامي، النظرية بالممارسة، وكرس الحزب كأعلى شكل من أشكال التأطير، تشتغل كحلقة وسطى بين النظرية والبراكسيس..
الاتحاد قوة سياسية: هذا الوعي مكن الاتحاديات والاتحاديين من بلورة، داخل تنظيماتهم وطوال مسارهم، الخط السياسي الذي يجد الأجوبة في كل مرحلة استعصاء وطني. ولن نجانب الصواب إذا ما أكدنا أن الاتحاد كان يجيب عن الأسئلة التى تفرضها السياسة في بلادنا، بالاستناد الى فكره النقدي، وتراثه ورؤيته للعالم طوال مساره. والاتحاد كمثقف جماعي،أجاب أحيانا عن أسئلة كان تؤزم الحاكمين في فترات سابقة، ليس أدل على ذلك من استراتيجية النضال الديموقراطي التي وضعت البلاد على مسار التحول الديموقراطي السلس، ورفعت من السيادة الشعبية والثقافة التشاركية والقاموس الحقوقي الإنساني، الذي صار اليوم ملكا لكل المغاربة، بمن فيهم القوى التي ناهضته وحاربته واستعملت كل الوسائل لذلك. وكان شعاره في هذا المسار الشاق:لابراغماتية متحللة من كل قيد أخلاقي أو فكري، ولا دوغمائية عقيمة ومتعالية.
الشيء الذي بوأه مكانة خاصة، جعلت منه قوة بديلة.
الاتحاد قوة بديلة: تشهد كل المنعطفات التي عاشتها بلادنا، وفي عز سنوات الجمر والتوتر، أن الاتحاد قدم- منذ تأسيسه في 1959- العروض السياسية المناسبة للطلب الداخلي، حتى ولو كان ضمن دائرة الأزمة. ومنذ أن ركز الاتحاد، في الحكومة اليسارية الأولى دعائم الدولة الوطنية المتحررة ذات القرار الاقتصادي المستقل، ودخل غمار بناء مغرب المؤسسات، بالرغم من كل الشروط المناهضة للمشاركة السياسية، لا يخلو منعطف من منعطفات البلاد إلا وكان الاتحاد في صلبه. ولعل أبرز اللحظات التي عاشتها الأجيال الجديدة، هو الإرادة الاتحادية في التجاوب مع الإرادة الملكية، في خلق مناخ سياسي جديد ينقذ المغرب من «السكتة القلبية» كما شهد بذلك الملك الراحل . وكانت لحظة التناوب التوافقي. أبرز تجسيد للقوة الاقتراحية للاتحاد، كخطة وطنية عالية المعنى لإخراج البلاد من نفقها المسدود، واستنبات الإصلاح فيها، وتهييء ظروف العهد الجديد..
هذه القدرة الإصلاحية ظلت متوهجة، أيا كان موقع الاتحاد، فقد رفع شعار الإصلاحات الدستورية، في عز الصراع في سبعينيات القرن الماضي ، كما رفعه مجددا- ولوحده- وهو يشارك في القرار الحكومي، وهو ما أثبتته التحركات الجماهيرية في الشارع المغربي، من بعد، في 2011.
وإذا كان التناوب، لحظة أثبتت قدرة الاتحاد على الإنقاذ، من داخل دائرة القرار الحكومي، فإن الحياة الوطنية اليوم، تثبت أنه القوة البديلة من داخل المعارضة، بما يوفره الدستور الجديد لها من سلطات غير مسبوقة. كما أنه قوة بديلة بما يطرحه مشروعه المجتمعي، في ربط المغرب بالأفق الكوني، وتقوية مناعته الوطنية وترسيخ ثوابته المشتركة بين أبنائه وبناته، والنهوض بمهامه، باعتباره وظيفيا وتاريخيا، استمرارا لحركة التحرير الشعبية، في تمدن البلاد وتقدمها ومعانقتها لقيم الحضارة البشرية اليوم وغدا..

*الاثنين  16 فبراير 2015