لم يكن ربع قرن كافيا، في ما يبدو لكي تنضج شروط قيام المغرب الكبير. ففي مثل هذا اليوم، منذ 26 سنة خلت، ولد «المغرب العربي» بمراكش ، على قاعدة حلم كبير، تواشجت فيه، اللغة، بالتاريخ، بالدين بوحدة الجغرافيا، وتطلعات الشعوب التي صهرتها المقاومة وإثبات الوجود في بوتقة هوية واحدة.. في تعددها، متعددة في وحدتها.
ويشهد التاريخ الحديث للمنطقة أن الشعوب المغاربية وجدت نفسها دوما مشدودة الى بعضها البعض،وفي معركة واحدة، سواء في مواجهة الاستعمار أو بعد انعقاد مؤتمر طنجة في 1958. الذي لوحت فيه النخبة المغاربية بقدرتها على تحقيق الحلم الجماعي.
وبالرغم من تعقد الأوضاع، وتزايد كل عناصر الدفع بالاندماج والعمل المشترك، وارتفاع التحديات، من التكتلات الاقتصادية الى مشاكل التنمية، مرورا بشبح الإرهاب وتداعيات الأزمات العالمية على المنطقة، فإن المنطق الفرداني القطري المنغلق هو الذي ما زال، للأسف، سائدا في علاقات الدول المغاربية ببعضها، بالرغم من بعض مناطق الالتقاء والتعاون، التي لا تتجاوز السقف الأمني في الملفات العالية الضغط كالإرهاب السلفي الجهادي أو الجريمة العابرة للقارات. والتفكك المغاربي الى كيانات تحتمي بذاتها، في مواجهة بعضها البعض هو السمة الغالبة.
كلفة اللامغرب، عالية جدا، ويقدرها الخبراء حاليا في 2 الى 3 % من نسبة النمو لكل بلد على حدة. كما أن البنك الدولي نفسه، يعتبر بأن تعاون الاقتصاديات المغاربية، يمكن أن يرفع نسبة الناتج الداخلي الخام، لكل مواطن من مواطني الشعوب المغاربية إلى حدود 30%.
غير أن هذ الارقام لا تعكس في الواقع سوى العجز عن تحويل الاحتياطي الاقتصادي الى قاعدة للعمل المشترك وتحقيق التنمية ، التي تتعثر كل دولة لوحدها في تحقيقها.
والمتوقع هو أن يتضاعف هذا العجز ، مع ما عرفته المنطقة المغاربية من تقلبات أطاحت بأنظمة وفككت دولا وكيانات، ومع ما تعرفه في شرقها وفي محيطها الإفريقي.
فقد تهاوت دولة ليبيا، وأصبحت بؤرة لتصدير المتطرفين، وسوقا مفتوحا بلا رقيب للأسلحة، وفيها تلتقي كل الإرادات التي تتعارض مصالحها مع مصالح المغرب الكبير. وفي الجنوب تزداد قوة المنظمات الارهابية، سواء قاعدة المغرب الإسلامي، التي تحول جزء منها إلى تنظيم تحت إمرة «الدولة الإسلامية في العراق وسوريا». كما أن جماعات التطرف في نيجيريا «بوكو حرام» تزحف من أجل خلق وضع استراتيجي جديد يجعلها على مقربة من المنظمات الشبيهة بها، والتي تعيش على الحدود الصحراوية للمغرب الكبير.
ومن المنتظر أن وضعا مثل هذا سيتفاقم، مع إعلان ميلاد تنظيم دولة التطرف في ليبيا وتهديداتها لدول الشرق العربي كمصر والغرب المغاربي. ومع الهشاشة المتزايدة لبعض الانظمة في المنطقة، والتي عجزت عن التحول الديمقراطي وبناء مغرب الديموقراطيات الكبير.
إن افتعال المشاكل بين دول المنطقة هو الذي يعطل اليوم مشروعا كبيرا بحجم المشروع المغاربي، وشعوب المنطقة تعرف تحديد من يتحمل مسؤولية تعطيله، سواء في خنق تطلعاتها أو في فتح الباب أمام التدخلات الأجنبية في المنطقة، في غياب موقف مغاربي مشترك ومتوافق عليه.
فإذا كانت عولمة السوق قد قلصت بشكل جذري من سيادة القرار المغاربي اقتصاديا وتجاريا، فإن تعطيل العمل المشترك يجعل القرار المغاربي بيد قوى أجنبية نافذة، تسعى إلى ضمان مصالحها أكثر من الأمن والسلام في المحيط الأورومتوسطي أو الشمال إفريقي.
والاتحاد الذي يعتبر جزءا من النهضة المغاربية، في الدفاع عن الاستقلال أو في الدفاع عن الوحدة، يسجل مناضلوه ومناضلاته الهدر الحضاري، الرمزي منه والمادي، الذي يتم اليوم أمام أعين من هم في مركز التعطيل الإرادي لهذا الحلم، وينبه إلى أن فاتورة اللامغرب» سيزداد ثقلها، وأن تاريخ الشعوب المغاربية لن يرحم من يجعل كل هذا الاحتياطي الكبير يضيع في مهب الحسابات الشوفينية والضيقة.

*الثلاثاء 17 فبراير 2015