من بين الإبداعات العجيبة، التي لن تنسى لرئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، سعيه المستمر للتدخل في الحياة الداخلية لأحزاب المعارضة، وخاصة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. فكلما ضاق عليه الحال، وسجل عليه هذا الحزب، نقاطا في الصراع السياسي، يلجأ إلى استغلال خلافات داخلية، للرد بهذا الأسلوب، الذي يكشف عجزه عن مناقشة صلب القضايا والانتقادات المطروحة.
بالغ بنكيران، من هذه المنهجية، لأنه أخذ يفقد بالتدريج، قدرته على إقناع المواطنين، الذين بشرهم بأنه جاء من أجل محاربة الفساد وتحسين الأوضاع، وأن شرعيته تكمن في أنه يقدم نموذجا جديدا في العمل السياسي.
تبخرت هذه الادعاءات أمام الصخرة العنيدة للواقع، وتأكد الرأي العام أن زعيم حزب العدالة والتنمية يبيع الوهم، وأن خرافة البديل الإسلاموي، ليست سوى سراب كاذب… ومقابل ذلك، وجد خطاب المعارضة الاتحادية صداه.
الأمر طبيعي في الحياة السياسية، و كان من الواجب على رئيس حكومة أن يرد على حجج المعارضة بالأرقام والدلائل، وأن يدافع عن سياسته بالمعطيات الملموسة. لقد كان من شأن ذلك المساهمة في تطوير المشهد السياسي والحياة الديمقراطية.
لكننا وجدنا أنفسنا أمام منهج، لم يشهد التاريخ المعاصر له مثيلا، ويتمثل في حرص رئيس حكومة على حشر أنفه في الحياة الداخلية للأحزاب والنقابات، والتصرف بمنطق صحافة الرصيف، حيث يضخم مشاكل عادية تحصل في جميع الأحزاب، مثلما يحصل في حزبه، (الذي يشهد موجات طرد واستقالات جماعية)، وإعلانه دعم جهة أو شخص، أو مدير سابق، في اجتماعات رسمية، ضدا على صلاحياته الدستورية، منتهكا بذلك واجب الحياد والنزاهة والتحفظ، المفترض في رجل دولة.
رئيس حكومة يحترم نفسه، عليه أن ينتصر للقانون، وأن يترفع عن تزكية ممارسات لا قانونية، مثل محاولة الاستحواذ على مؤسسة إعلامية تابعة لحزب، من طرف شخص. لكن الفشل والحقد أعميا بصيرته، وعلى المغاربة أن يتحملوا هذه الكارثة التي حلت بهم، إلى أن ينهضوا للتصدي لهذا المسخ.
وسيسجل التاريخ، أنه في زمن ما، كان هناك رئيس حكومة يصر على اختيار المعارضين الذين يرتاح لهم، ويشجعهم على مزيد من التمرد على حزبهم، ويستغل موقعه في الجهاز التنفيذي لتصريف هذا السلوك، خارج نطاق الدستور والقوانين. لكن هل سينقذ كل هذا بنكيران من الغرق؟. لقد تشبث غريق بغريق.

*عن جريدة لالاتحاد الاشتراكي

الخميس19 فبراير 2015