تميل الخطابات التدبيرية إلى تكريس مفهوم الحكامة كهدف في حد ذاته، بل تعطيه أحيانا قوة الجوهر المطلوب في السياسة العمومية. والحال أن الذي يجب أن يحظى بهكذا اهتمام، هو في الأصل الخيارات السياسية والقيمية التي تكون وراء تحديد السياسات العمومية إياها.
فمصطلح الحكامة، في المعنى الأصلي ، يرمز إلى التدبير الجيد، وحسن التسيير، لكن الاستعمالات المأدلجة وخاصة الرأسمالية، وغير الديمقراطية، تستخدمه من أجل تنميط الفكر، وتغييب الاختيارات والتوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وبذلك تحل الحكامة، كوسيلة محل الاختيارات نفسها، وتتحول الأداة إلى هدف.وتغيب المسؤولية السياسية والأخلاقية لمن يتخذ القرار، وتتحول المحاسبة الى عملية آلية للتنقيط وشبكة للقراءة الميكانيكية، دون الأخذ بعين الاعتبار الفرق بين مستويات النمو، وتطور كل مجتمع، وأيضا أهمية الاختيارات الكبرى في مختلف المجالات، التي توجه السياسات، وتتحكم في مسار الحكامة.
وغالبا ما تكون النتيجة الظاهرة للعيان هي سطوة التقنوقراط ، الذي يتحول إلى النموذج الأمثل لإدارة الشؤون العامة، بينما يتراجع الدور السياسي والمشروع الفكري، الذي يعتر البوصلة الحقيقية لأي مجتمع.
ولا يخفى أن هذه النزعة، تحمل في طياتها، أبعادا خطيرة على التطور الديمقراطي في المجتمعات، حيث تهمش الفعل السياسي، والجدل الفكري، والاختيارات الإصلاحية المبنية على نظرة شمولية، لكل مناحي تسيير الشؤون العامة، سواء في حلولها للمعضلات الاقتصادية، أو مشاريعها في التربية والمرأة والشباب، أو تعاملها مع الحقل الثقافي، أو سلوكها تجاه المطالب الاجتماعية، أو في توجهاتها الحقوقية… كل هذه الإشكالات تختلف حسب المشارب الفكرية والاختيارات السياسية، والانتماءات الإيديولوجية، ولا يمكن اختزالها في مسألة تسيير وتدبير، إذ تصبح بعد ذلك مسألة الحكامة، عاملا إضافيا وهاما جدا، في تفعيل هذه الاختيارات الكبرى على أرض الواقع، بكفاءة ونجاعة وجودة.
الإشكالية الثانية التي يمكن لإيديولوجية الحكامة أن تتوارى خلفها، هي الامتناع عن الإصلاحات الجذرية والعميقة، بمبرر أن معالجة إشكالات الواقع والأزمات، هي مجرد حسن تسيير وكفاءات وخبراء، وقد فشلت هذه الوصفات، التي كانت وراءها مؤسسات تمويلية دولية روجت لها، بل ووضعتها كشروط لا محيد عنها. لكنها لم تنجح في كل البلدان التي لم ترافقها بتغيير اختياراتها الكبرى، على أسس الديمقراطية والعدالة والكرامة والمساواة والحداثة.
أما أخطر ما تنتجه هذه الإيديولوجية، فهو تبخيس الفعل السياسي، وتهميش الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، وكل المؤسسات المرتبطة بالعملية الديمقراطية، التي تتطلب ربط المسؤولية بالمحاسبة، مقابل تغليب طابع ما يسمى بالخبرة والتقنوقراط .
فالتقنوقراط، وإن كنا لا ننقص من قيمتهم، لكن في اللعبة الديمقراطية يفترض أن تكون لدى المشرفين على الشأن العام، الرؤية السياسية والفكرية الواضحة، بناء على تحديد الاختيارات والبرامج، وإخضاعها للمحاسبة عبر الانتخابات التي يحكم فيها الشعب على ما تم إنجازه.
ويزداد تعقد المعضلة في الديموقراطيات الانتقالية، حيث يضفي مفهوم الحكامة الاختزالي، الشرعية على التدبير الأحادي، ويعطل النضج المؤسساتي ويؤخر المشاركة الشعبية في القرار، أو حصرها في دوائر معزولة لا تصل الى عمق المشاركة والسيادة المفترضتين في كل ديموقراطية تحمل هذا الاسم بجدارة.