لنتأمل الاغلبية الحكومية الآن، ولنتذكر أين كان موقعها من نداء حركة 20 فبراير؟
ولنبدأ بأول هذه الأغلبية، حزب العدالة والتنمية.

الاتحاد الإشتراكي الحركة والنهر الكبير…

في اليوم الذي خرجت فيه حركة 20 فبراير كانت« كلمة العدد» واضحة وضوح الشمس: ، تحت عنوان «مع التحرير والديموقراطية.. ضد الانفصال ضد الإرهاب وضد الفساد»، افاد موقف الجريدة أننا «لا نشك لحظة واحدة في أن الشعب المغربي، الذي عبد الطريق لشعوب أخرى بمسيراته المليونية في كل القضايا العادلة والوطنية السلمية، سيقدم من جديد درسا حضاريا في التعبير وفي التظاهر». وأضافت أن «السياق الوطني كان مفتوحا على مطالب الإصلاح والتركيز على جيل جديد من الإصلاحات من شأنها أن تطور البلاد، وتضمن لها شروط السلامة الدائمة من أجل تحقيق كل الأجندة الوطنية والديموقراطية»، مشيرة إلى أن «أفضل أسلوب اليوم ليس هو مقارعة الأشياء الحتمية ورفضها، بل هو التعامل معها إيجابيا واستغلالها لما هو أكبر: المغرب». وأضافت أنه «عندما يعبر جزء من شباب المغرب ومن شعبه عن ضرورة تأكيد مطالب الإصلاح، فإن ذلك يعد في تقدير الديموقراطيين رأسمالا رمزيا وشعبيا كبيرا لا بد منه لأصحاب القرار لكي يسيروا باتجاه نبض الشارع المغربي». كما نبهت الصحيفة إلى أن «الرأي العام الوطني يدرك اليوم أن المغرب أمام خطورة كبيرة لأنه يواجه ثلاث قضايا رهيبة هي الانفصال والإرهاب والفساد»، مبرزة أن هذه الثلاثية الخطيرة تمس ولا شك حاضر ومستقبل البلاد، وهي التي تملي على الرأي العام الوطني الحكمة التي يتعامل بها مع المشاكل الداخلية الأخرى».
وبعد اسبوع واحد فقط انعقد المجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، وكان عنوانه الكبير «
ضرورة توجه المغرب الى إصلاح دستوري شامل وعميق، وإقامة ملكية برلمانية تقوم على نسق مؤسساتي يضمن فصلا واضحاً ودقيقاً للسلط».
واشار البيان الصادر عن المجلس الوطني الى «اعتزازه بالشبيبة المغربية في تحركها يوم 20 فبراير، التي عبرت بنضج ومسؤولية عن إرادتها في النضال من أجل مغرب ديمقراطي، حر ومتقدم. إن المطالب المشروعة التي عبر عنها الشباب المغربي في 53 إقليمياً، تلتقي بشكل كامل مع المطالب التي مافتىء الاتحاد الاشتراكي يعبر عنها على امتداد مؤتمراته (الثالث في 1978 والثامن 2008) والمتعلقة بإقامة ملكية برلمانية، وبإصلاح واستقلالية القضاء، وبمحاربة الفساد والرشوة، واقتصاد الريع وبالاصلاحات الدستورية السياسية والمؤسساتية» في سياق «تقديره العميق لما تشهده الساحة العربية من ثورات شعبية حضارية وسلمية ضد الاستبداد والفساد واللاعدالة، ومن أجل التغيير الديمقراطي وبناء دولة المؤسسات الضامنة للحريات والحقوق.»
وبناء على ذلك، أكد المجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي « على ضرورة توجه المغرب الى إصلاح دستوري شامل وعميق، وإقامة ملكية برلمانية تقوم على نسق مؤسساتي يضمن فصلا واضحاً ودقيقاً للسلط في انسجام مع المعايير الكونية للتدبير الديمقراطي الحداثي، وفي مقدمتها تكريس مبدأ ربط ممارسة السلطة بالمسؤولية السياسية، بما لا يجعل من الخصوصية ذريعة أو مسوغاً أو متكأ للالتفاف على الحداثة السياسية أو نقضها».
ودعا المجلس جميع المناضلين والمناضلات إلى التعبئة والحوار الواسع مع كل فئات الشعب المغربي حول الاصلاحات المطلوبة ..
وبموازاة مع هذه المحطة ،كان الشباب الاتحادي يستضيف في مقرات الحزب بالرباط وبالدار البيضاء اجتماعات لجن التنسيق لعشرين فبراير، كما كان في صميم النقاش الدائر داخلها و لابد هنا من استحضار العمل الذي قام به الشباب الاتحادي المناضل من داخل حركة 20 فبراير، والذي عمل على الدفع بها وبحراكها الى الامام بكل وعي ومسؤولية ووطنية صادقة في اتجاه بناء مغرب الكرامة والحرية والمساواة، على قاعدة مطالب الحركة التأسيسية التي يتقدمها مطلب الملكية البرلمانية، وهو الذي قدم من أجله كل شرفاء هذا الوطن والقوى الحية في البلاد تضحيات جسام ، في سبيل تحقيقه وخاض من أجله الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية صراعا مريرا أدى عليه ثمنا غاليا.
الملاحط أن المناهضين ربحوا انتخابيا، في حين لم يقدموا دعما للإصلاحات ولا سندا سياسيا لها، والداعمون لمطالب الحركة أو المشاركين فيها، خسروا انتخابيا حتى وإن ربحوا الاصلاحات.. وهو ما يطرح قضية أعمق عن الدور الذي لعبه كل من الطرفين: الذين كانوا ضد التايخ وضد التغيير، تعاملوا بانتهازية مقيتة مع الحركة وموجات التغيير..

العدالة والتنمية.. نزهة الربيع العربي للتفاوض

فقد اختار موعد خمسة ايام فقط قبل انطلاق التظاهرات، اي يوم الثلاثاء 15 فبراير ليجمع الامانة العامة للحزب. ويعلن في بيان تم تعميمه في نفس اليوم « أن حزب العدالة والتنمية غير معني بالمشاركة في التظاهر يوم 20 فبراير 2011. بوضوح أنه غير معني بالمظاهرات».
وفي نفس اليوم أجرى بنكيران حوارا مع موقع ايلاف ، وقال فيه «« لم توجه إلى حزبنا أية دعوة للمشاركة في هذه المسيرة، وحتى لو تم ذلك ما كان لنا أن نشارك. إننا حزب سياسي مسؤول، وعليه لا يمكننا المشاركة مع كل من دعا إلى الاحتجاج».»
بل أن الامين العام للحزب لم يقدم أي معطى بخصوص الاصلاحات الدستورية وعن سؤال «هذه الحركة التي تطلق على نفسها «حركة 20 فبراير من أجل الكرامة» تطالب بإصلاحات دستورية تهم الملكية ومؤسسة الوزير الأول والبرلمان وأمورا أخرى ألا ترون أنكم تتقاسمون معهم بعض هذه المطالب»؟، قال موضحا« يمكن أن نتقاسم معهم بعض المطالب، لكن لنا اختلاف أساسي معهم، فهم ليسوا حزبا سياسيا، ونحن حزب سياسي مسؤول. أما في موضوع الإصلاحات الدستورية فإن حزب «العدالة والتنمية» أنشأ لجنة أوكلت لها هذه المهمة»».
هونفس الموقف الذي كان سعد الدين العثماني، رئيس المجلس الوطني للحزب قد صرح به للصحافة, اذ قال« أن الحزب «إلى حدود الساعة غير معني» بالدعوة لمسيرة 20 فبراير «التي لا نتوفر على معلومات بشأن هوية الجهات الداعية إليها ، والتي تقف وراءها» .
وكان لافتا للنظر أن البيان الصادر عن الامانة العامة برئاسة عبد الاه بنكيران قد اعطى لقضية جامع معتصم الاولوية عن التظاهرات المتوقعة, اذ أن الامانة العامة«جددت دعوتها إلى الإفراج الفوري عن الأستاذ جامع المعتصم عضو الأمانة العامة ونائب عمدة مدينة سلا،، قبل أن تنتقل الي الحديث عن 20 فبراير.
وجاء موقفها بما اعتبر وقتها تفاوضا «الافراج مقابل الامتناع عن التظاهر»، وحددت الأمانة العامة سقف مطالبها داعية الي « إطلاق سراح المعتقلين السياسيين الآخرين وفي مقدمتهم الدكتور العبادلة ماء العينين ومعالجة تداعيات أحداث 16 ماي الإرهابية باعتماد مقاربة تصالحية تؤدي إلى الإفراج عن الأبرياء من المعتقلين».
وهو ما تم تفسيره آنذاك أنه دفتر تحملاتها السياسية التي تريد فتحها مع الدولة.
والغريب أن موقفه ذلك، نسيه تماما أو تناساه، وبدأ يلوح من جديد بالربيع العربي (نتذكر: الربيع ما زال كيتساري، الربيع العربي ما زل قريب..)، لابتزاز الدولة باسم استقرار لم يساهم فيه.

الأحرار : العرض البديل .. والتهويل!

ومع توالي بيانات الرفض الرسمي للمشاركة، توالت بيانات الاحزاب، ومنها حزب الاحرار، الذي كان وقتها يقود الجي 8 ، ويشكل «البديل المقترح» للعدالة والتنمية.
وفي نفس التوقيت، مع فارق يومين فقط جاء موقف الاحرار «يرفض ويدين» التوظيف السياسي لمطالب 20 فبراير. واعتبر بلاغ للحزب ذلك «مناورات يائسة وأوهاما يحملها بعض أصحاب النوايا الدفينة لقرصنة البناء الديمقراطي الذي يقوده صاحب الجلالة الملك محمد السادس بكل حكمة وتبصر مدعوما بإجماع وطني». وأضاف البلاغ أن الحزب يوجه بهذه المناسبة رسالة قوية مفادها أن الأمة المغربية ستبقى سدا منيعا أمام كل المناورات التي تستهدف وحدة الصف الوطني». «وانطلاقا من هذه الاعتبارات ،يضيف البلاغ، يهيب التجمع الوطني للأحرار بكل مناضليه وكافة المواطنين الغيورين على مصلحة ومستقبل المغرب عدم الانصياع وراء مسيرة حادت عن منطلقها الاجتماعي !
وعشية خروج المظاهرات ، أكد رئيسه صلاح الدين مزوار، أن هناك «مجموعات تسعى لاستغلالها لضرب استقرار البلاد وقرصنة البناء الديمقراطي». وحذر مزوار من أن «حدوث أي انزلاقات سيعود بنا سنوات للوراء، وسيؤثر على الاستثمار، وأن ما تم بناؤه خلال السنوات العشر الأخيرة يمكن فقدانه في أسابيع»، داعيا المواطنين إلى عدم المشاركة في هذه المسيرة.
وبدا واضحا أن الاحرار الذي كان يقود المعارضة المعلنة للعدالة، بناء على مبرمجة ، جي8 من جهة والعدالة والتنمية من جهة ثانية، كان يضع بدوره نفسه رهن اشارة من يهمهم الأمر، في تسابق مع حزب الاصولية.

التقدم والاشتراكية ..غرامشي لا يحب الشارع العام

في نفس الثلاثاء، وربما في نفس التوقيت لاجتماع الامانة العامة للعدالة والتنمية ، عقد الديوان السياسي للتقدم والاشتراكية اجتماعاحول موضوع الساعة!
وقد أوضح الديوان السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، في بلاغ أصدره عقب اجتماعه يوم الثلاثاء ، أن الحزب ، «الوفي لمبادئه الثابتة، وخطه السياسي في النضال الديمقراطي، وقيمه التقدمية الخالصة، لا يمكن أن ينخرط إلا في الحركات السياسية والاجتماعية المنظمة والمسؤولة، الهادفة إلى تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، والتي توظف آليات وأساليب الصراع الديمقراطي السلمي من داخل المؤسسات، وتنبذ الفوضى وتحفظ الاستقرار الضروري لتحقيق التقدم».وكان الديوان السياسي للحزب قد أكد أيضا في بلاغه أن هذه الحركات يجب أن تمكن من «إعطاء دفعة جديدة لدينامية الإصلاح التي انطلقت منذ تسعينيات القرن الماضي وما راكمته بلادنا من مكتسبات، وتقضي على مظاهر التراجعات والإنحرافات عن التوجه الذي انخرطت فيه البلاد منذ حكومة التناوب التوافقي، ويجنبها مخاطر السعي الممنهج لبعض الجهات لإفراغ الحل الوسط التاريخي من مضمونه الديمقراطي والتقدمي، ويكرس أكثر الالتفاف البناء والمثمر للقوى الحية بالبلاد حول المؤسسة الملكية والمشروع الوطني التحديثي».
وبمعنى آخر, فإن الغرامشية هنا (نسبة الي المنظر والمناضل التاريخي غرامشي) تفيد الحزب في عدم النزول الي الشارع، لكن ذلك لا يمنعه من أن تقصي تحركات ( الآخرين)

الحركة الشعبية..زصوت واحد يكفي

لم يخرج حزب الحركة الشعبية عن هذا الموقف العام. وكان له أن يصرف ذلك عبر بياناته وتصريحات أمينه العام امحند العنصر. ولما ابنرى أحد قيادييه الي التميز بالمشاركة(لحسن حداد) وضع في قفص الاتهام من طرف القيادة التي اعتبرت أنه خرج عن الموقف الرسمي. وفي احسن حال حبسوه في «الموقف الانفرادي» الذي يعني بأنه مسؤول عن ما فعله ولا علاقة له بارادة قيادته.
والمثير حقا هو أن العنصر ظل يعتبر بأن الحركة و20 فبراير طاقة عامة وأن هناك «مشوشين سيغردون خارج السرب ويريدون الركوب على مسيرات حركة 20 فبراير , خدمة لاجندة متطرفة ما يؤكد أنهم مجموعة من العدميين».

الاحزاب الاخرى؟

البعض تحفظ على الشكل الذي تمت به الدعوة الى التظاهرة، واصبح الشكل هو الجوهر في مرافعة هذه الاحزاب. والبعض الاخر بدوره لم يتردد في التجاوب مع الرغبة العامة للقيادات الحزبية في اصدار بيانات تناهض الحركة وتدعو الى تجفيف حيويتها.
ما بين ذلك، كانت لاحزاب بعينها محطات خاصة مع شباب 20 فبراير، والتي اعتبرت بأن بعض شعاراتها تم توجيهها ضد قياداتها.
مصطفى الباكوري، قال في حوار مع القدس العربي وقتها, بأنه لا اتصالات لنا مع العدل والاحسان ، ولا علاقة لنا مع 20 فبراير..
الملاحظة التي تثير الانتباه, هو أن الاحزاب التي تشكل الاغلبية الحالية، هي احزاب يجمع بينها قاسم مشترك هو رفض 20 فبراير والتظاهر السلمي والاصلاحات بالانصات الى مطالب الشارع!