من نافلة القول أن « المسألة الدينية «، في ارتباطها بالإسلام السياسي وهوجة الطائفية وتأجج التطرف العنيف وانتشار التمظهرات الدينية، غدت تستأثر باهتمام طيف واسع من الأكاديميين والمثقفين المغاربة؛ ومن الطبيعي أن تكون «المسألة الدينية»، باعتبارها موضوع تجاذبات فكرية ذات امتدادات ثقافية وسياسية اجتماعية، من بين المواضيع التي ستنكب «المؤسسة الاشتراكية للدراسات والأبحاث والتكوين» على تفكيكها واستقرائها ولا يحق لأي طرف أن يدعي احتكارها تحويرا وابتزازا حتى محاولة التكفير والاستئصال، ووأد الاجتهاد والحق في الاختلاف.
يجوز الاختلاف في التقدير بخصوص الأهمية النسبية لكل محور من المحاور التي سيقترحها التعاقد بين الحزب والمؤسسة-المستقلة تنظيميا-باعتبار ارتباط دينامية الاشتغال بعوامل شتى، ذاتية وموضوعية. بيد أنه من الأنجع تجنب أمرين:
* تضخيم «المسألة الدينية» على حساب قضايا في صلب المشروع التحديثي وبناء مغرب المواطنة…قضايا تشغل حقا، رغم تمظهرات اللامبالاة ورواج خطابات التيئيس و»التضبيع»، جزءا من الرأي العام بكل مكوناته الثقافية والسياسية.
* إن انتقال الأشياء من القوة الى الفعل لن يأتي دفعة واحدة، وبطريقة تخضع بالضرورة للتخطيط التفصيلي. بالطبع فهم الواقع ضروري وملزم، لكنه سيبقى تنظيرا تجريديا ومجردا، ولن ينفع في الارتقاء إلى مستوى الاقتراحات القابلة للانجاز وصوغ خطاب موصل يقنع الرأي العام بالانخراط في دينامية التحديث. وعليه فالمؤمل من عمل المؤسسة أن تزاوج بين عملية التفكيك والاستقراء والحفر في التراث وبين بلورة خطاطات عمل متقدمة نسبيا تقترح على الفاعل السياسي مسالك للعمل المنتج جماهيريا لفائدة الوطن والمواطنة.
* التضخيم سقوط في الفخ وحجز الحداثيين لفكرهم داخل ملعب ملغوم تسيجه مسبقات اطلاقية يتمنع أصحابها لأغراض سياسية عن التحاور البناء حول قضايا قابلة للاختلاف في التقدير وفق السياق. وفي ذلك اغتيال للفكر الحداثي وتعطيل للمشروع العقلاني الذي مازال قائما في أذهان ووجدان كثير من المغاربة الذين ينشدون الحرية والديموقراطية والتقدم، وعلى المؤسسة أن تكون رائدة في التفصيل الفكري للمشروع واستنباط قيمه وأطروحاته في الحقل الثقافي المغربي، وفي الحياة الاجتماعية للمغاربة الذين أضحوا محاصرين بثقافة أصولية متخلفة عن العصر من جهة، وبثقافة استهلاكية فجة وعابرة من جهة ثانية.
ـ ملحوظة: لا أحد ينكر ضرورة تكريس التصويت الفردي والحر لتشكيل أجهزة التنظيم السياسي بيد أن هذه الآلية قد لا تكون هي الأمثل بالنسبة لمؤسسة أبحاث ودراسات تبتغي تنوع الكفاءات خصوصا لحظة التأسيس والانطلاق. نترك التفكير والتداول في الأمر للجمع العام التأسيسي ولحصافة أعضائه.

*السبت 21 فبراير 2015