يعيش العالم حاليا، وفي بؤرته العالم العربي والإسلامي، خلخلة عميقة تطال جميع مستوياته، وفي مقدمتها الدين والاقتصاد والسياسة والفكر. لعل العولمة واكتشاف العالم الافتراضي وتراجع الإيديولوجيات والصراع حول موقع الدين في الحياة السياسية والعنف الكاسح من أبرز تجلياتها.
في مقابل هذا المخاض العسير والعنيف، يشهد الفكر تراجعا في أدائه وتقلصا في مدى قدرته على استيعاب الأحداث والتفكير فيها في تشعبها وكليتها، بل استباقها واستشراف المستقبل. لا نقصد هنا الفكر التأملي المنفصل عن الآني والظرفي، لأنه يبقى في حد ذاته ضرورة فكرية ومطلبا مجتمعيا أساسيا، وإنما نقصد أدوارا واستراتيجيات مرتقبة لفئات اجتماعية متميزة، تعمل على التفكير في الواقع بما يتجاوز الآني والضاغط حتى ولو كانت طرفا فيه وفي صناعته وتدبيره، نحو مقاربته في كليته بالربط ما بين ما يبدو كأحداث متفرقة ومنعزلة، وتعمل على مساءلته وتدقيق مفاهيمه وإعادة تركيبها وصياغتها، أو نحت مفاهيم جديدة، وقد عملت النخبة على تدقيق ذلك، في إطار تركيب فكري نظري يتجاوز المجزأ والمنعزل، ويضفي المعنى على مشروع أو مشاريع تجذب المجتمع نحو الأعلى، أي نحو التقدم والتجاوز والتجديد الخلاق.
هذه الفئة المؤثرة التي تم التعارف على تسميتها بالنخب لا ترتبط بالضرورة بمجال معرفي محدد، كما هو الأمر بالنسبة للجماعة الأكاديمية، وكما لا تحيل بالضرورة على امتلاك خبرة دقيقة في مجال معرفي محدد وإنما في قدرتها الخلاقة على تحويل الفكر الفردي إلى مشروع أو نموذج جماعي للنظر والنقد والاستشراف، كما تؤصل النقاش حول قضايا أو معضلات مجتمعية وفكرية محددة بتفكيرها في المحوري والجوهري والمشترك.
خارج كل نقاش مفاهيمي أو معجمي حول مفهوم النخبة ذاته، يجدر التنبيه فقط إلى حاجة المجتمع الماسة لهاته الفئة وضرورة تحمل مسؤولياتها ولعب أدوارها.
إن الصراعات والتقاطبات الراهنة حول الدين والاقتصاد والسياسة مثلا تستنفد نفسها ومجتمعاتها في نقاشات حول فروع الفقه، وفتاوى التحليل والتحريم التي أصبح الإفتاء الإلكتروني والتلفزي علامتها المميزة بدل رفع النقاش وتوجيهه نحو البحث في الأصول، وموقع التاريخ من الفكر الديني وترتيب العلاقة ما بين الماضي والحاضر.
على مستوى النقاش السياسي يحتدم الصراع حول وبين الأشخاص بدل بنينته حول مشاريع ومؤسسات واختيارات فلسفية وإيديولوجية فارقة. أما على مستوى اللغة والثقافة فإن النقاش الظرفي السائد حول مواقف أو قرارات تختزل الموقف برمته في قضايا تقنية إجرائية، أو يتراجع نحو هوية مطلقة متوحشة أو يصرف الملف بكامله حسب مقتضيات أجندة انتخابية ما، والأمثلة كثيرة.
إن ضرورة النخبة ودعوتها إلى لعب أدوارها لا يعني بتاتا تأليهها أو تسييدها، كما لا يؤسس لوصاية جديدة على المجتمع، وإنما يفصح عن ضرورة وجود قوة اجتماعية رافعة للمجتمع، لا تسلم بالضرورة من الخطأ، وإنما تدفع الجميع إلى التفكير النقدي وتأصيل المفاهيم الكبرى، وترتيبها وتكوين كتلة حرجة تدفع نحو الأفضل والأعلى. كما يقتضى دور النخب توفر شرط الحرية والتجريب وامتلاك الحق الفكري في الخطأ كما الصواب.
لقد أدرك قادة الاتحاد ونخبه، سواء قبل التأسيس أو أثناءه، دور النخبة على هذا النحو الدقيق للغاية. لهذا أفرد لها مكانة أساسية للمساهمة في بناء البديل التاريخي الوطني، وفي تجميع الطاقات الفكرية لفهم وتحليل المجتمع، إضافة الى دورها في تأطير الفئات المجتمعية من مختلف الأعمار والانتماءات، أكان ذلك إبان المعركة من أجل الاستقلال أو بنائه، أو في تنوير وتثوير الذهنية العامة لمصارعة الافكار الرجعية وإعداد التربة لتحرير الانسان والعقل معا.
وظل الاتحاد باستمرار يفكر ويعيد التفكير في جملة من الأسئلة حول خصائصها ومهامها، وأدوارها وموقعها من المؤسسات المختلفة، تدقيقا وتمحيصا بما يمكن من إعادة الاعتبار للفكر والثقافة ضمن مشروعه السياسي والاجتماعي، مؤمنا أشد الإيمان بالدور المحوري الذي يجب أن تلعبه، في الهنا والآن ، ومستقبلا ، في فرز فكري وثقافي يخدم طموحات التحديث والعقلانية والحرية، ضد ثقافة التطبيع مع الاستبداد والإقصاء والقتل والمحاربة الدموية للأفكار والإبداعات ، وممارسة الوصاية العنيفة على المجتمع وعلى تفكير أفراده ومكوناته .

*السبت 21 فبراير 2015