أصبح موضوع المشاركة السياسية للشباب خلال الشهور القليلة الماضية محور نقاش داخل الفضاء العمومي، وفي صلب اهتمامات الفاعلين في الحقل السياسي و»المجتمع المدني»، نظرا لتزامنه مع استعداد المغرب لدخول الورش الانتخابي خلال هذه السنة، ومع ما يرتبط ذلك بضرورة تحسيس المغاربة والشباب بشكل خاص بأهمية التسجيل في اللوائح الانتخابية، والإقبال على التصويت يوم الانتخابات الجماعية كحق دستوري يجب ممارسته في أفق بناء مجتمع المواطنة المبني على ثنائية الحق والواجب.
وإذا كان الحديث اليوم حول المشاركة السياسية للشباب في صورته الشمولية يبدو إيجابيا ومن المهم الانخراط فيه على اعتبار أن لحظة الانتخابات هي محطة للمشاركة المجتمعية في التغيير السياسي، لكنه من وجهة نظري ما هو إلا نقاش موسمي يطغى عليه هاجس الخوف من عزوف الشباب عن المشاركة في العملية الانتخابية برمتها، والتخوف من انحدار نسبة التصويت والإقبال على صناديق الاقتراع إلى أسفل السافلين. فمفهوم المشاركة السياسية للشباب أصبح مثله مثل عدد كبير من المفاهيم التي اقتحمت الحقل السياسي المغربي كالانتقال الديمقراطي والتحول الديمقراطي؛ نناقشها على أمل تحقيقها والوصول إليها في الأفق البعيد والذي مازال بعيد المنال لأسباب معروفة، لأن النقاش حولها موسمي وينحصر في محطات تخضع لرهانات الدولة ومزاجها السياسي المتقلب حسب التحولات السياسية الدولية والإقليمية.
فالنقاش حول العلاقة بين الشباب والعمل السياسي والمشاركة السياسية يجب أن يكون ضمن الأهداف الاستراتيجية للدولة والأحزاب السياسية ومنظمات «المجتمع المدني»، في إطار خطة عمل بعيدة المدى لا ترتبط بالأجندات الانتخابية أو رهانات رفع نسبة المشاركة فقط، بل عليهم وضع إشكالية المشاركة السياسية للشباب ضمن رؤيتهم الشمولية للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، أو بمعنى آخر ربط إشكالية المشاركة بمشاريع وخطط الإصلاح. فلا إصلاح دون أن يكون الشباب في صلبه ليس فقط كفئة مستفيدة بل كقوة اجتماعية وديمغرافية لها الحق في الاقتراح وبلورة التصورات والرؤى وتقديم البدائل والمساهمة في مسار الإصلاحات بالمغرب، وهو الأمر الذي يجب أن ينتبه إليه الفاعلون السياسيون الذين يدفعون في اتجاه جعل الشباب كتلة ناخبة بدل أن يشكلوا قوة مجتمعية بإمكانها المساهمة في التحول الديمقراطي بالمغرب كما وقع طيلة تاريخ المغرب الراهن، ولعل الحراك السياسي والاجتماعي الذي قادته حركة 20 فبراير خير مثال على ذلك.
يبدو اليوم من خلال النقاش الذي تعرفه الأحزاب السياسية والشبيبات الحزبية ومنظمات المجتمع المدني أن التوجه العام يكرس حكما مسبقا مفاده أن الشباب المغربي عازف عن السياسة، وهو حكم قيمة مؤسس على تحليلات سطحية لأزمة العلاقة بين الشباب والعمل السياسي. فالشباب المغربي غير عازف عن السياسة بل عازف بوعي عن الانخراط في العمل السياسي المباشر وأساسا العمل الحزبي، في حين أنه منخرط في السياسة لكن من خلال دينامياته عبر بدائل جديدة عن الأحزاب السياسية، وهي التي أعطته القدرة على تصريف مواقفه ونظرته وتصوراته للعمل السياسي وقضايا الشأن العام. ولعل حركة 20 فبراير وضعت أطروحة عزوف الشباب عن السياسة موضع تساؤل، بعد أن عبر الشباب المغربي شأنه شأن الشباب العربي عن وعي سياسي متقد تجلى في انخراطه الكثيف في حراك الشارع المغربي وتفاعله مع تطورات الأحداث في دول ما يسمى تجاوزا ب «الربيع العربي».
إن انخراط الفاعل السياسي والمدني في ترويج أطروحة العزوف وليس محاولة فهم أزمة المشاركة يعكسه انخراط الإعلام المغربي في هذه الموجة من خلال تبخيسه للعمل الحزبي لصالح مركزة العمل السياسي في يد فاعل واحد يتحكم في جميع مفاصل الحقل السياسي في زمن دستور 2011، وذلك في ضرب واضح وممنهج لأهمية الأحزاب السياسية والتي مهما كانت علاتها وأمراضها فهي مؤسسات منوط بها تأطير وتمثيل فئات المجتمع المغربي برمته. فالأحزاب السياسية تحتاج اليوم إلى نقاش هادئ ورصين حول مسؤوليتها في تكريس أزمة المشاركة السياسية للشباب باعتبارها مدخلا جوهريا للمشاركة بمفهومها الأعمق، لأن الأداء الحزبي بشكله الحالي أصبح معضلة حقيقية تشكل أحد التمثلات الرئيسية للعزوف عن المشاركة.
فأحزابنا المغربية بشكلها الحالي تمثل عائقا أمام انخراط فعال للشباب في الحياة السياسية بسبب الجمود الذي تعرفه على المستوى التنظيمي والسياسي والتأطيري وتجديد نخبها، وتقاعسها عن تشكيل قوة اقتراحية تقدم البدائل والبرامج الواقعية في الانتخابات. لهذا فإن تفكيك أزمة الثقة بين الشباب والأحزاب وشبيباتها يمر عبر إصلاح الحقل الحزبي وإقرار ديمقراطية حقيقية داخلية تفتح الباب أمام الشباب للانخراط وتحمل المسؤولية وتقديم كل مساحات الاطمئنان ليعبر عن مواقفه وتمرده وثوريته ورؤيته لمغرب المستقبل دون أن يوظف كأداة تنظيمية في الصراع بين القيادات الحزبية.
إن المناخ السياسي الذي نعيشه اليوم والتحولات المتسارعة داخل البنيات السياسية منذ 2011 والتراجعات التي يشهدها المغرب مع الحكومة الحالية هي الفرصة الأنسب للمشاركة السياسية للشباب لكن شريطة أن نربطها بإشراكه في معالجة قضاياه وحاجياته ومشاكله الاجتماعية والاقتصادية كالبطالة والتعليم والتهميش الاجتماعي والصحة حتى يدمج الشباب في محيطهم السوسيو ثقافي لتتاح لهم فرصة المساهمة والعطاء السياسي. فمغرب اليوم في حاجة إلى سماع آراء شبابه حول السياسة وإشراكهم في وضع السياسات العمومية سواء كفئة مستهدفة أو قوة اقتراحية مساهمة في الترافع والنضال من أجل الكرامة والحريّة والعدالة الاجتماعية لأن ذلك هو المدخل لبناء جسور الثقة بين الشباب والسياسة بمفهومها النبيل داخل مجتمع مازال يتردد للدخول إلى المواطنة المنتجة القائمة على رابطة القانون والمساواة والحق والواجب وهو المسار الذي يجب أن تقوده الأحزاب الوطنية التقدمية بعد أن تقتنع بأن الوطنية المغربية إرث مشترك، وبأن الشرعية السياسية تكتسب كل يوم عبر النضال المستمر من أجل إرساء قيم الديمقراطية والحداثة.


* عضو المكتب الوطني للشبيبة الاتحادية.