فشلت الحكومة لحد الساعة في تأسيس الثقة مع الفرقاء النقابيين بواسطة الحوار الاجتماعي، ولم تستطع أن تكرس هذه الآلية المتعارف عليها في الدول الديموقراطية في تدبير النزاعات الاجتماعية كممارسة قارة في حل القضايا الخلافية بينها وبين الشريك الاجتماعي.
وبالعودة إلى ثلاث سنوات من عمر التجربة الحالية في تدبير الشأن العام، فلابد للملاحظ الموضوعي أن يسجل بأن الحكومة التي يقودها عبد الإله بنكيران، وحدت كل الفاعلين الاجتماعيين ضدها، ولم تكن قوى العمل والإنتاج والخدمات والأجراء في حاجة إلى مزيد من الوقت لتكتشف أن هذه الحكومة تريد أن تفرغ الحوار الاجتماعي من أي مضمون استراتيجي يخدمها، ويوفر على البلاد حالات التصدع التي تهدد السلم الاجتماعي الذي تحتاجه البلاد لتقوية مناعتها في سياق إقليمي وداخلي مطبوع بالاستفهامات الكبرى، وموشوم بالقلق الفردي والجماعي.
ولقد مسخت الحوار الاجتماعي، باعتباره الوسيلة الكفيلة بإيجاد التفاهم بين مكونات الحقل الاجتماعي في قضايا ذات الاهتمام المشترك، على قاعدة الارتباط بالسياسة العمومية في الاقتصاد وفي الإنتاج.
وفشلت الأغلبية الجديدة في تطوير فعالية الهيئات والآليات التي تؤطر هذا الحوار، باعتباره هو نفسه مفهوما حضاريا، وممارسة ذات أهداف ديموقراطية سلمية ، مبنية على التشاور المنظم والمسؤول. والسؤال هو : أين الحكومة ورئيسها من هذا المعنى ؟
فقد تابع المهتمون والمعنيون كيف سعت الحكومة إلى التسويف المتكرر، في ظبط العلاقة بينها وبين النقابات، عبر تغيير أشكال ذلك، لتتخذ مؤخرا شكل لجان موضوعاتية تكون الحكومة أول من يسحب منها البساط، لأنها تشكلت لأغراض سياسوية ضيقة، وغالبا ما تنسحب منها النقابات نظرا لانكشاف طابعها التاكتيكي الفج.
لا يحتاج الفاعلون والشركاء الاجتماعيون إلى دليل إثبات بأن الطابع الغالب في علاقة الحكومة بالنقابات وغيرها من الشركاء، هي علاقة يطبعها التهرب اللامسؤول من الوصول إلى الأهداف المتفق عليها وطنيا ومن ذلك : التهرب من اتفاق 26 أبريل، الذي قطعت فيه النقابات والحكومات السابقة أشواطا مهمة، كانت ثمرة مجهود جماعي، وتوافق سمح بالوصول إلى نتائج عملية.
فالحكومة مازالت ترفض تحديد منهجية قارة للحوار، متفق على جدول أعمالها وطريقة اشتغالها،
والحكومة تسعى إلى فرض الأمر الواقع ، سواء في الزيادات التي فرضتها بدون شراكة اجتماعية في القرار، أو بتجميد الأجور أو تعطيل العمل بحق الإضراب، والتصرف بدون قوانين تنظمه وتعطيها صلاحية معاقبة المضربين، كما أنها مازالت تغض الطرف عن القوانين المجحفة، ومنها قانون ضرب حق الانتماء النقابي السيء الذكر..
وتكون النتيجة أن الحكومة تنسف المجهودات التي تراكمت منذ سنين من أجل أن يكون الحوار الاجتماعي أفضل وسيلة لإرساء نظام علائقي مهني واقعي ومتقدم…
وتختار الحكومة في كل مناسبة تفرضها النقابات لإسماع صوتها، التقليل من أهمية الغضب الاجتماعي، والسعي إلى تسفيه المطالب النقابية وشيطنة النقابيين – وهم الأغلبية الساحقة من النشطاء الاجتماعيين – الذين يعلنون معارضتهم لها.
والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، كحركة إصلاحية ذات مضامين اجتماعية، الذي ضم في صفوفه منذ نشأته القوى العاملة، إلى جانب القوى الأخرى في الوطن، يعتبر أن المسعى الحكومي الحالي يضع السلم الاجتماعي في مهب الريح، لفائدة حسابات سياسية ضيقة، تغذيها النزعة الامتثالية لقرارات الهيئات الدولية المالية، والتهافت على تدبير المجال الاجتماعي بما يخدم هذه الهيئات ويزيد من الطابع اللاشعبي للسياسة الحكومية ، ويضاعف أضرار أهدافها التفقيرية والمناهضة لحق التنظيم النقابي والحق في العيش الكريم..