في كل مرة أقرأ أو أسمع فيها تصريحات و مواقف «جذرية جدا»، من بعض الأوساط اليسارية، سواء حول المسألة الدستورية، أو غيرها من الإشكالات السياسية، و خاصة ما يتعلق بالمؤسسات القائمة، أو عن التحالفات مع الأحزاب الأخرى، يتبادر إلى ذهني سؤال عريض، هو كيف يمكن لمثل هذه الأوساط أن تحول كلامها إلى فعل؟
مثلا، عندما تطالب بمجلس تأسيسي منتخب، لوضع الدستور، هل تعتقد أن تنظيم هذه الانتخابات سيفرز أغلبية تقدمية و حداثية، لتصوغ دستورا مماثلا لما هو موجود في أعرق الديمقراطيات؟ أم أن العكس هو الذي يمكن أن يحصل، في ظل إمعانها في تشتيت قوى اليسار؟
ثم عندما تطرح تصوراتها الجذرية، في كل شيء، و تتزايد على الأحزاب الأخرى، ذات التوجه الاشتراكي، و تصفها ب»اليمينية»، و بنعوت مماثلة، و تتهجم على قادتها، فهل هي قادرة على تقديم بديل ملموس في الساحة، عبر قوة انتخابية، «لقلب موازين القوى»؟ و هو التعبير الذي يعجبها كثيرا استعماله.
ثم هل لدى هذه الجماعات اليسارية جدا، بدائل أخرى في الساحة؟ هل لديها امتدادات عمالية كبيرة، أو تنظيمات جماهيرية ضخمة، و هل هي قادرة على التعبئة لتنظيم المظاهرات الحاشدة و الاحتجاجات الضاربة و الانتفاضات المجيدة؟
أم أن الأمر فقط مجرد كلام في كلام، و أن المزايدات هي الرأسمال الرمزي، الذي تتغذى منه بعض هذه الأوساط، و هذا هو مبرر وجودها في الساحة، لأن دورها هو تأثيث المشهد بهذه النفحة من الرومانسية الثورية.
مثل هذه الظواهر المعزولة، توجد في كل المجتمعات، لكن السمة الأساسية التي تتميز بها في المغرب، هي تخصصها في التهجم على أحزاب الصف الديمقراطي، بدل أن تجتهد و لو قليلا في إرساء قاعدة جماهيرية، تنفعها في الخروج من المراتب المتدنية في الانتخابات، أو على الأقل معالجة وضعها التنظيمي، حتى يتجاوز أعضاؤها و أنصارها، الأرقام التي تتوفر عليها حاليا.
إنه لمن المحبط حقا، أن تبتعد مثل هذه الأوساط عن الأدوار التي تدعي أنها خلقت من أجلها، و يصبح دورها مختزلا في المزايدات، و التحامل على أحزاب الصف الديمقراطي، و التواطؤ مع صحافة معادية لكل ما هو تقدمي و حداثي، لمدها بما تبحث عنه و تبتغيه، من تهجم سافر على قيادات هذه الأحزاب. فالعديد من المنابر تبيع بهذه السلعة، لأنها تخدم أجندتها، و ليس لأنها متعاطفة مع «اليسار الجذري»، فعسى ألا يتحول إلى مجرد ظاهرة إعلامية، افتراضية، وجودها في أرض الواقع يكاد يكون مجهريا.

*لاربعاء 25 فبراير 2015