من المؤكد أن الدينامية النسقية التي انخرط فيها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية منذ مؤتمره الوطني التاسع، لم تكن فقط دينامية تنظيمية ميدانية و مؤسساتية، مكنت الحزب من استعادة المبادرة والعودة القوية إلى ساحة الفعل الوطني من موقع المعارضة، وإنما كانت أيضا دينامية دبلوماسية حققت توهجا غير مسبوق في مسار التجربة الاتحادية على صعيد العلاقات الخارجية، ومكنت من إنجاز اختراقات قوية في عدد من المواقع المستعصية والمحافل المناوئة، واتسمت بتملك رؤية متجددة لمهام الحزب في الواجهة الدبلوماسية في سياق دولي وإقليمي مضطرب، كما أتاحت تجديد الطاقات الاتحادية المتخصصة وتعزيز قدراتها بما مكن الحزب من التوفر على جهاز دبلوماسي يتسم بالجاهزية والفعالية، وبتنوع الاختصاصات والكفاءات المقتدرة النسائية والشبابية.
لقد كانت القيادة الاتحادية الحالية منتبهة أشد ما يكون الانتباه إلى أهمية المخاضات الناجمة عن التطور المتسارع على المستوى العالمي والإقليمي، ما جعلها تحرص على بلورة مقاربة جديدة لمكانة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الإقليمية والدولية، ولدوره الدبلوماسي في واجهة العلاقات الخارجية، مقاربة تأخذ بعين الاعتبار المصلحة الوطنية للمغرب في تفاعلها مع التحولات الجارية من حوله، وخاصة منها مجريات ما سمي بالربيع العربي والوضع في الساحل جنوب الصحراء والرهانات المطروحة في حوض المتوسط والفضاء الأوروبي.
ففي سياق الهزات العنيفة التي عرفتها المنطقة العربية، سارعت بعض القوى الأوروبية المانحة، والمعروفة بعدائها التقليدي لوحدتنا الترابية إلى التدخل في إعادة هيكلة المشهد الحزبي العربي، مستغلة الفراغ المترتب عن انهيار ظاهرة الحزب – الدولة (تونس، مصر..) وهشاشة الأوضاع الانتقالية ، وتفشي روح الانتهازية لدى بعض الجهات العربية من أجل إقحام جبهة البوليساريو في النسيج الحزبي العربي في إطار مناورة ابتزازية مكشوفة لفرض تطبيع القوى التقدمية العربية مع ظاهرة الانفصال والبلقنة باسم ثورات الربيع العربي.
لا داعي للعودة إلى تفاصيل الجهود الاستثنائية التي بذلها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في صمت وصمود من أجل ردع هذه المناورة ، المهم أنه تمكن في النهاية من إقناع الأحزاب الاشتراكية العربية الجادة بعقد الاجتماع التأسيسي للمنتدى الديمقراطي الاجتماعي العربي بالرباط كإطار تنظيمي تقدمي ينبثق من صلب انتفاضات الشعوب العربية ، ينبذ الانفصال ويرفض الهيمنة. والاتحاد الاشتراكي لايزال اليوم يواصل جهوده في تطوير المنتدى من موقعه كعضو وازن في هيئته التنسيقية الانتقالية.
في ذات السياق توفقت الشبيبة الاتحادية إلى حد بعيد عندما تمكنت مؤخرا من إحباط مناورة محبوكة لإقحام الانفصاليين في اتحاد الشبيبة الاشتراكية الديمقراطية في العالم العربي، وذلك موازاة مع المكاسب التي حققتها ليس فقط في التصدي للمزايدات الانفصالية المعهودة داخل الاتحاد الدولي للشباب الاشتراكي، بل وفي إعادة هذه المنظمة الشبابية العالمية إلى صوابها وتصحيح توجهها من أجل التعاطي المتزن مع النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.
ولعل من المكاسب المهمة التي خاض من أجلها الاتحاد الاشتراكي معارك شرسة في الأممية الاشتراكية، مكسبين أساسيين يتمثلان أولا في إقناع القوى الوازنة في الأممية الاشتراكية بضرورة تغيير مقاربتها لقضية الصحراء، والاطلاع على حقائق الأوضاع في الميدان بدلا من الاكتفاء بإصدار مقررات دعائية لفائدة الانفصال ومعادية للوحدة الترابية المغربية ، ثانيا الرفض النهائي لملف طلب جبهة البوليساريو لتغيير وضعها في الأممية الاشتراكية من عضو ملاحظ إلى عضو كامل العضوية وذلك بعد إقناع لجنة الأخلاقيات التابعة للأممية الاشتراكية، بأن الأمر لا يتعلق بحزب اشتراكي ديمقراطي وإنما بتنظيم ستاليني مسلح يرأسه أقدم رئيس في العالم.
والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وإن كان يحرص على تنويع تدخلاته وإسهاماته الخارجية في عدة قضايا دولية وإقليمية كالأزمة العالمية والإرهاب والهجرة السرية والقضية الفلسطينية، فإنه يضع قضية الصحراء المغربية في صدارة أولوياته وتحركاته، ويسخر كل جهوده وطاقاته في مختلف المحطات لإحباط مناورة الانفصاليين ومحاصرة تمددهم وفضح جرائمهم.
فإذا كان حزبنا قد نشأ من صلب المجتمع المغربي ومن عمق قواته الشعبية، فإنه ترعرع أيضا في نسيج العلاقات الدولية، وفي إطار تضامن الشعوب من أجل التحرر والانعتاق، وساهم قادته في ترسيخ فكرة التضامن العالمي وسيادة الدول وإقرار السلام.

*الاربعاء 25 فبراير 2015