لقد تتبعت كل ما يكتب في بلادنا عن النخبة، العمل السياسي، حركة 20 فبراير والحراك الاجتماعي،… لكنني بعدما تتبعت كل هذه المواضيع في الجرائد الوطنية الورقية والإلكترونية، أجد نفسي بكل صراحة مضطربا نتيجة وجود هفوة كبيرة بين المدلول اللغوي والأهداف السياسية الصرفة لهذه الأفكار، والواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي. اسمحوا لي معشر القراء – وعددكم قليل جدا للأسف الشديد، وهذا من ضمن أحد العوامل التي تزيد اضطرابي اضطرابا- أن أعترف لكم بالضبابية التي تغزو مخيلتي عندما أقابل الفكر والواقع…ضبابية تكاد تجعلني أحيانا أقتنع أن التدافع، وأعتذر على استخدام الكلمة لما لها من معاني، في شأن الأمور الهيكلية للعمل السياسي ببلادنا لا يجسد مستوى الحراك المطلوب الذي يجب أن يميز الحركية داخل المجتمع… إن النخبة تعيش صراعا داخليا ما بين أفكار «الصفاء الذهني» والأفكار المعاشة المرتبطة بحركية الواقع ومنطق الفاعلين فيه. لقد تحدث العديد عن «استقالة المثقف» بدون أن يمعن ولو قليلا في العبارة، وبدون أن يميز بين محاصرة المثقف واستقلاليته وتماهيه واستقالته….بدون أن يتحدث عن الفواصل وشروط «التموقع» الإرادي أو اللاإرادي في أوضاع قد تكون «الاستقالة» أو «التماهي» أو «المحاصرة»….. فالعمل السياسي لا يستوي بدون التوفر على مؤسسات منتخبة قوية (البرلمان، المجالس الجهوية والإقليمية والمحلية، الغرف المهنية، ممثلي المأجورين)، وقوة هذه المؤسسات تبقى إذن مرهونة إلى حد بعيد بمدى وجود آليات سياسية يجب أن تخلق الإجماع ما بين الدولة والأحزاب السياسية والنقابات العمالية، آليات تمكن من إنتاج نخب كفؤة ومسؤولة وذات رؤية سياسية (أي بالدارجة «نخب فاهمة»)…فمسألة اعتماد العزل الإداري لرؤساء المجالس المحلية المنتخبة مثلا يعد أحد التجليات المجسدة للمفارقة ما بين ممارسة المسؤولية السياسية والإدارية وطبيعة النخب. لقد تتبعنا بعض الحالات في هذا الموضوع التي أبانت عن تناقضات واضحة، حيث نجد أن عددا من الرؤساء المعزولين قد تم انتخابهم بأغلبية كبيرة، وتمكنوا بعد ذلك من الحصول على ثقة المنتخبين في المجالس التي يرأسونها في كل المحطات خاصة محطتي التصويت على الميزانيات وعلى الحسابات الإدارية (أي تصويت من طرف ممثلي المجتمعات المحلية)، ومع ذلك تعرضوا للعزل على إثر إجراء تفتيش أو فحص إداري لطريقة تدبيرهم للشؤون المحلية. موازاة مع هذا المعطى، عندما يتعلق الأمر برؤساء المجالس الجهوية والإقليمية، نجد أن مسألة العزل لا تثار وتكاد تكون منعدمة. ظاهرة أخرى، في إطار الحديث عن الحراك والنضال من أجل غد سياسي أفضل (ديمقراطية ملموسة تضمن التناغم ما بين طبيعة الفعل العمومي وطبيعة النخب)، لا نجد للمثقف عموما مكانة في التمثيل السياسي حيث يجد نفسه أمام شيوع أفكار عديدة لا تلامس قناعاته وحبه لوطنه، أفكار تحاصره أينما حل وارتحل. فلا يمكن للمثقف أن لا يسمع يوميا عبارات عديدة مرتبطة بعدد الأصوات ك: «الأعيان»، «الانتخابات هي المال»، «تدبير الهشاشة لا يتم بالأفكار»، «الاختراق المخابراتي»، «التدرج في الإّصلاح»…، عبارات تجعله يتخبط بين أمواجها وهو يعلم ومتيقن أن تحقيق التوافق الوطني ما بين الدولة والأحزاب السياسية في شأن «آليات إنتاج النخب» قد يغير من منطق الفعل السياسي في زمن قياسي…. إنها الإرادة السياسية الموضحة للرؤى والتي يجب ملامستها في العمل السياسي للمرور من منطق «التدرج البطيء في الإصلاح» إلى «التدرج السريع في الإصلاح» في إطار الاحترام التام لثوابت البلاد ووحدتها الترابية. إنه كذلك الشرط للحد من زمن تفاقم السياسة «الشعبوية» والتطرف والإرهاب، والعودة إلى ربط السياسة بالفكر. وفي هذا الشأن، ونتيجة للتحولات السياسية التي تعرفها البلدان الأوروبية، ما أحوجنا اليوم إلى إدماج أحزاب اليسار المغربية في العمل المؤسساتي التمثيلي والتنفيذي، لكن ليس على حساب إضعاف الأحزاب الوطنية التاريخية.

الخميس 26 فبراير 2015