كشفت حكاية «داعش» وجها من الأوجه القبيحة للعالم العربي والإسلامي، كان لابد يوما أن نراه. فنحن أمام منتوج خرج من هذا الجزء من الكرة الأرضية، والفاعلون فيه، هم أبناء هذه الجهة من العالم، والإيديولوجية التي يصرفونها، بزغت فيها، وانتشرت في محيطها الآسيوي والإفريقي.
هذا وحش خرج من أحشائنا، وهو مقتنع بأنه يحيي سنة السلف الصالح، ويعود بالناس إلى عهود الخلفاء الراشدين، ويطبق الشريعة، ويبني دولة الإسلام «الأصيلة»، حسب النموذج المثالي، الشائع في الكتب «التراثية»، التي تعج بها مكتباتنا.
لذلك من حقنا التساؤل: هل كل ما يروج له «الداعشيون»، وكل الجرائم الوحشية، والفظاعات التي يرتكبونها، هو من نتاج خيالهم، أم أن لهم السند «الشرعي»، في ذلك؟
سيكون من باب الكذب على النفس، أن ندعي أن لا سند لداعش في ما تقوم به، إذا اعتبرنا أن كل ما وصلنا من التراث العربي الإسلامي، صحيح، وأن مرجعيته الدينية، لا غبار عليها.
ودون أن نعود «لأمهات الكتب»، كما تسمى، فلدينا في بعض الدول ، أمثلة واضحة على أحكام بتر اليد، والإعدام بقطع الرؤوس، في الساحات العمومية، والتعامل مع المرأة كحرمة وجارية، وغيرها من المظاهر التي لم تعد مقبولة في عالم اليوم، وفي المرجعيات الإنسانية للبشرية منذ القرن الماضي.
إذا عدنا إلى تراثنا، سنكتشف ما يكفي ويزيد، لكي تجد «داعش»، ما تحتاجه لتبرير جرائمها ووحشيتها، ومبررات وجودها أيضا. وسنجد في هذا التراث عشرات الأمثلة على ممارسات تعتبرها المرجع «الشرعي»، فيما تقوم به، من قبيل القتل بسبب الاختلاف في المعتقدات، وسبي النساء والإغارة على الناس.
أما بالنسبة لنظرية الخلافة، فحتى هي بدورها وضعت حولها هالة إيديولوجية، وأصبح من غير الممكن مناقشتها. وعندما كتب الشيخ الأزهري، علي عبد الرازق، كتابه ««الإسلام وأصول الحكم»»، سنة 1925، رفض فيه فكرة الخلافة وأكد أن النبي جاء برسالة دينية بحتة، وليس بنظام حكم، تعرض للمحاكمة والفصل عن عمله وصودر كتابه.
لذا لا يمكن محاربة ظاهرة مثل« داعش»، وغيرها من ظواهر التطرف، دون القيام بثورة ثقافية حقيقية، شجاعة، نغربل فيها تراثنا، في ضوء تطور المعرفة الفكرية، ومبادئ حقوق الإنسان، وبمناهج العلوم الإنسانية، والدراسات المتقدمة في علوم الأديان واللغة والرموز والدلالات، وإلا فإننا سنواصل احتضان مقومات خصبة لميلاد وحوش من أحشائنا.