كان بيان سياسي صادر عن اللجنة المركزية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، المنعقدة ببني ملال يوم 4 أبريل 1976، تحت رئاسة الكاتب الأول آنذاك، الزعيم الكاريزمي عبد الرحيم بوعبيد، قد أثار ردود فعل متعددة، بلغ بعضها حد اتهام الاتحاديين بالخيانة، لأنهم نبهوا الى ضرورة التعامل مع اقليم الصحراء الغربية الجنوبية المغربي، من منطلق ديمقراطي، يستحضر الخصوصية الثقافية لأهلنا بالصحراء، مطالبا بمنحهم ما يشبه حكما ذاتيا، ضمن جهوية موسعة، وها قد قطع المغرب 40 سنة، ليعود إلى نفس ذلك الطرح الاتحادي الاستباقي المتقدم، من خلال مشروع الحكم الذاتي المقدم سنة 2007 ومشروع الجهوية الجديد كما ينص على ذلك دستور 2011 . ان ذلك البيان والنقاش الذي أثاره يشكل وثيقة تاريخية، نقدمهما لقرائنا اليوم، من ذات موقع اليقين الوطني الديمقراطي للحركة الاتحادية ولحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

تقول الوثيقة:

«استعرضنا أمس بعض المعطيات التي تؤسس خصوصية موقفنا في قضية الصحراء المسترجعة ومسلسل تطورها انطلاقا من الربط الجدلي بين الموقف المبدئي والتطور الحتمي، وإجابة علي بعض التساؤلات التي تطرح في أوساط بعض الشبان والمثقفين حرصا منا على توضيح موقفنا بالنسبة للجميع وتعميق رؤية مناضلينا لمهام المرحلة الراهنة والمقبلة.
هناك تساؤلات أخرى تطرح في هذا المجال نفسه، مجال العناصر التي تميز موقفنا عن موقف القوى الوطنية الأخرى، بخصوص قضية الديمقراطية, وللإجابة عن هذه التساؤلات نبدأ بعرض مختلف المواقف المطروحة في الساحة الوطنية بخصوص قضية الديمقراطية منذ ان طرحت جنبا الى جنب مع قضية الصحراء.
1 – كان هناك من يقول بتأجيل الدخول في التجربة الديمقراطية الى أن تتحرر الصحراء. وموقفنا من هذا الرأي كان – ومايزال – هو هو، واضحا متميزا. لقد ربط مؤتمرنا الاستثنائي ربطا جدليا محكما بين التحرير والديمقراطية والاشتراكية، وانطلاقا من هذا الربط المبدئي ربطنا – مرحليا – بين – الديمقراطية وتحرير الصحراء. وقلنا غير ما مرة ان مسلسل تحرير الصحراء مسلسل طويل متطور لا يمكن أن ينتهي بين عشية وضحاها، ولذلك كان لابد من أجل ملاحقة هذا المسلسل وتوجيهه الوجهة التي تخدم قضية الشعب المغربي في استكمال وحدة ترابه من الاعتماد على مساهمة الجماهير وفعاليتها وديناميتها, لأن ذلك هو وحده الطريق الصحيح الوحيد الذي يضمن السير بمسلسل التحرير إلى نهايته مهما كانت التطورات والمفاجآت.
ان تمكين الشعب من التقرير والمراقبة والسهر على التنفيذ سيجعل المواطنين يشعرون بوعي بثقل المهام المطروحة، وبضرورة تحمل التضحيات اللازمة، فضلا عن أن ذلك في حد ذاته يشكل جوابا على الانتقادات التي توجه بحق أو بغير حق الى المغرب. ان التحرير في اطار من الديمقراطية الفعلية الحقيقية، وبواسطتها سيعطي للمغرب وجها آخر سواء على صعيد المنطقة أو على الصعيد العالمي كله. الوجه الذي مازال يفتقده منذ الاستقلال.
من أجل ذلك نادينا وننادي بأن النضال من أجل تحرير الصحراء وباقي الأجزاء الاخرى من التراب الوطني لا يتناقض قط مع البناء الديمقراطي الحقيقي، بل بالعكس، إن هذا البناء الديمقراطي الحقيقي هو الشرط الضروري الذي يعطي لعملية التحرير مضمونها الحقيقي. وهذا شيء واضح لا يعاند فيه إلا من يصدر في آرائه عن حسابات أخرى.

2 – ومن جملة هذه »»الحسابات الأخرى»« حساب يحاول أن يخفي مراميه الحقيقية تحت شعار «»الحكومة الشعبية أولا«« و «»التغييرات الجذرية ثانيا« «و »»التهيؤ للانتخابات ثالثا«« ثم أخيرا – وربما ليس آخرا – الانتخابات نفسها. ان هذا الموقف ينطوي على عدة خلفيات وحسابات نرفضها، من جملتها:
– انه موقف يصدر من نظرة وسلوك يفرضان الوصاية على الجماهير. إن لسان حال هذا الموقف يقول: يجب أن أختار أنا للجماهير قبل أن أمنحها حقها في الاختيار.
– انه موقف يجعل الجماهير موضوعا للتغيير لا ذاتا تمارس التغيير بشكل جدلي على نفسها وعلى الأوضاع التي تعاني منها. انه موقف لا يختلف في شيء عن المواقف التي تدعي»الاصلاح»و »»الاشتراكية»« من فوق كما حصل في الجزائر ومصر. ان ما تقرره جماعة من فوق، وفي غيبة عن الجماهير يمكن ان يقرر عكسه اشخاص آخرون، ومن فوق، وفي غيبة عن الجماهير ونضالاتها ردود فعلها.. والأمثلة واضحة.
– انه أيضا موقف ذاتي- انتهازي – الموقف الصادر عن الشعور بالضعف، والذي يجعل الحصول على مقاعد برلمانية هدفا له من الديمقراطية والانتخابات..
انه موقف نرفضه جملة وتفصيلا.. وقيام الاتحاد الاشتراكي، والمؤتمر الاستثنائي من العناصر الجوهرية التي تميزنا عن هذا الموقف.

3- وهناك موقف آخر، يستنسخ بعض التجارب الخارجية، ويتمسك بالشعارات، شعارات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، تمسكا جامدا استاتيكيا. انه الموقف الذي يرى في المرحلة الراهنة التي تجتازها بلادنا ما يطلق عليه اسم »مرحلة الثورة الديمقراطية والوطنية«, ناقلا شعارا صالحا لظروف معينة وفي فترة زمنية معينة وفي بلاد معينة دون النظر الى حقيقة الوضعية السائدة في بلادنا ولا اعطاء المعطيات الخاصة بالوضعية المغربية ما تستلزمه من اعتبار خاص.
اننا نرفض هذا الموقف لأنه يهمل الخصوصية ويقتل الديالكتيك ويحول دينامية الاحداث الى قوالب جامدة. ان شعار »مرحلة الثورة الوطنية والديمقراطية« لا ينطبق على بلادنا كما هي الآن.
ليست المعركة الوحيدة الدائرة في بلادنا اليوم هي معركة بين الطبقة العاملة والطبقة الرأسمالية المالكة لوسائل الإنتاج. ان الصراع في بلادنا ليس صراعا ثنائيا على هذا الشكل. انه صراع متعدد الواجهات, صراع مع الاستعمار ومخلفاته، صراع مع النفوذ الامبريالي العالمي، صراع مع بقايا الاقطاع وفلول الرجعية، صراع بين برجوازية طفيلية لا تنطبق عليها مقولة «البورجوازية الوطنية» وحيث لا توجد بورجوازية وطنية حقيقية تملك وسائل الانتاج وتستحوذ على ازمة السلطة السياسية والادارية، تنقد مقولة «»الثورة الديمقراطية والوطنية« «كامل معناها. على أن شعار »الثورة الديمقراطية والوطنية«، ليس، ولم يكن، صالحا في كل وقت حتى عند أولئك الذين نادوا به وطبقوه في مرحلة ما من مراحل كفاحهم. إنه خاضع في وجوده وعدمه، في صلاحيته وعدم صلاحيته، لدينامية الاحداث، خاضع أكثر لخصوصية المجتمع وميزان القوى.
إن الذين يتمسكون بهذا الشعار بحسن نية أو بدافع حسابات معينة نقول: هل تعتقدون أن وسائل الإنتاج في المغرب الراهن هي في يد بورجوازية وطنية حقيقية؟ هل تعتقدون أن الصراع الاجتماعي السياسي الايديولوجي الآن في بلادنا يتحكم فيه فقط التناقض بين البروليتاريا والطبقة الرأسمالية »المغربية« ـ إن كانت موجودة ـ تقوم فعلا بدورها التاريخي في تصنيع البلاد، وتطوير وسائل الإنتاج، ومن ثمة فرز طبقة بروليتالية أكبر عدداً وأعمق وعيا؟
إن الجواب عن هذه الأسئلة بالنفي أو الإيجاب هو الذي يقرر مصير شعار» »الثورة الديمقراطية والوطنية« «في بلادنا خلال المرحلة الراهنة من تطورها.

4 ـ وهناك موقف آخر يرفض الدخول في أية تجربة ديمقراطية في ظل الأوضاع القائمة. ويرى أن تغيير الأوضاع مقدمة ضرورية لإقامة تجربة ديمقراطية حقيقية. وإلى هؤلاء نورد هذه الحكاية التالية:

يحكى أن جماعة من الفئران اجتمعت في أحد الغيران وأخذت تتداول في الكيفية التي تمكنها من الإفلات من مخالب القط الذي ينتظرها كلما خرجت من الغار. وبعد المداولة استعصى عليها إيجاد الحل. فقام فأر صغير ولعله »متياسر« وقال: لدي حل. يجب أن نعلق جرساً في عنق القط بكيفية تجعله يقرع كلما تحرك القط. فبهذه الطريقة تعلم بوجود القط بمجرد تحركه، فنتجنب طريقه ونبقى سالمين.
فرحت الفئران بهذه »الفكرة الجهنمية« واعتقدت أنها تغلبت على المشكلة. ولكن فأراً كبيراً »ولعله مناضل خاض تجارب عديدة« قام وقال: إن المشكلة الأساسية هي: من سيعلق الجرس في عنق القط. نعم من سيعلق الجرس؟
إنه السؤال المطروح. السؤال المعروف بـ: »ما العمل؟«. السؤال الذي يجيب عنه اختيارنا الديمقراطي الاشتراكي. الديمقراطية هدف ووسيلة. مسلسل النضال من أجل الديمقراطية من الممكن جداً أن يؤدي إلى البناء الديمقراطي للاشتراكية، خصوصاً إذا كان ذلك في إطار العمل مع الجماهير وفي صفوفها: جماهير العمال والفلاحين والصناع المهنيين والتجار الصغار وكافة فئات الطبقة الكادحة المحرومة.. أما »العمل« في حلقات ..فلن يؤدي إلا إلى حلقات مفرغة.

من نص البيان السياسي العام (4 أبريل 1976)

عقدت اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يوم الأحد 1976/4/4 أولى دوراتها العادية لسنة 1976 بمدينة بني ملال. وبعد أن استمعت للتقرير السياسي الذي قدمه الأخ عبد الرحيم بوعبيد الكاتب الأول للاتحاد باسم المكتب السياسي، وبعد مناقشة هذا التقرير مناقشة جادة ومسؤولة، أصدرت البيان التالي:
»لقد عرفت بلادنا منذ الاجتماع الأخير للجنة المركزية المنعقد بطنجة يوم 1975/7/13 تطورات وأحداثاً هامة اتسمت بتحركات جماهيرية واسعة وكفاحات شعبية متواصلة، سواء على صعيد النضال الوطني من أجل استرجاع الصحراء أو على صعيد النضال السياسي والاجتماعي من أجل إقرار ديمقراطية فعلية وعدالة اجتماعية حقة. ولقد أبرزت هذه التحركات الجماهيرية مرة أخرى مقدرة شعبنا الهائلة على البذل والعطاء من أجل الوطن والنضال من أجل أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية تضمن لبلادنا النمو والتقدم على طريق التحرير والديمقراطية والاشتراكية. وبذلك تأكدت مرة أخرى سلامة خطتنا السياسية والنضالية المبنية على الربط الجدلي بين النضال الوطني والصراع الطبقي بوصفهما طرفين متكاملين في مسلسل واحد، مسلسل التعبئة والنضال والدفع بالأحداث والتطورات لإنجاز المهام المرحلية لحزبنا: مهام استكمال التحرير والدخول في مسلسل التحول الديمقراطي الذي يستجيب لمتطلبات تعميق الوعي الجماهيري، السياسي والاجتماعي ويمهد لقيام شروط البناء الاشتراكي الحق.
وإذا كان حزبنا قد حرص خلال هذه الفترة الدقيقة من حياة شعبنا، على ربط حاضره النضالي مع ماضيه البطولي وتجاربه الكفاحية الطويلة، مما مكنه رغم قلة وسائله المادية واستمرار أنواع القمع والجور المسلط عليه، من الوقوف في موقع الطليعة الوطنية من أجل التعبئة الجماهيرية في الداخل، وتأكيد حضور بلادنا في الساحة الدولية، وفي الأوساط التقدمية العالمية بكيفية خاصة، فإنه قد استمر أيضاً في تأدية ضريبة الكفاح التي ترتفع دائماً بارتفاع درجة الوعي والقدرة النضالية عند الجماهير الكادحة، وتراجع فلول الإقطاعية وأذناب الاستعمار الممتصين لخيرات بلادنا المستغلين لجماهير شعبنا.
ولقد كانت ضريبة الكفاح هذه المرة ثقيلة فادحة، لئيمة غادرة، استهدفت أحد مناضلينا الأفذاذ الشهيد عمر بنجلون. (…)
إن التحاق رفيقنا عمر بركب الشهداء الذين وهبوا أرواحهم في سبيل الوطن وفي سبيل كرامة الجماهير المغربية, ليزيدنا اعتزازا باستمرار حزبنا في المساهمة في فداء الوطن وشعبه الكادح، خصوصا وقد جاءت لحظة استشهاد عمر في وقت تقدم فيه بلادنا مزيدا من التضحيات والفداء في سبيل استكمال وحدة ترابها وتحرير قسم من شعبها، وإننا إذ ننحني بهذه المناسبة، إجلالا لأرواح شهداء الوحدة الترابية نحيي بتقدير واعتزاز جنود وضباط القوات المسلحة الملكية الذين يفدون بدمائهم وأرواحهم وحدة ترابنا الوطني، ويقفون صامدين يقظين دفاعا على بلادهم وكرامة شعبهم، مثلما وقفوا بالأمس وقفة المغربي الشجاع أمام جيوش الصهاينة في الجولات وقناة السويس, مدافعين عن أرض العروبة وكرامة الأمة العربية، إننا نحييهم ونكبر فيهم الاستعداد التام لفداء الوطن وأهله، ونعتز بكونهم يجسدون الآن في كل يوم وليلة، القيم الأصيلة لشعبنا، ويعكسون بحق وجدارة الروح النضالية التي طبعت عبر تاريخ بلادنا، تحركات الجماهير المغربية كلما تعرض ترابها الوطني إلى التهديد والعدوان.
على أن مسلسل التحرير الذي فجرته جماهير شعبنا بتعبئتها سياسيا، وأخذت تصونه وترعاه قواتنا النظامية بتعبئتها عسكريا – بقطع النظر عما تخلله من ملاحم جماعية وبطولات فردية – يجب تقييمه من خلال الأبعاد التاريخية التي يضيفها على المرحلة الدقيقة التي تجتازها بلادنا في المرحلة الراهنة من كفاحها وتطورها، تلك الأبعاد التي ستكيف، لا محالة حجم ومضمون دورنا على الساحة العربية والافريقية وفي منطقة البحر الأبيض المتوسط خاصة، وعلى مساحة النضال العالمي من أجل الديمقراطية والاشتراكية بكيفية عامة.
أن بروز الجماهير المغربية كقوة فاصلة في معركة المصير التي تخوضها بلادنا قد أعطى الدليل لخصومنا، قبل أصدقائنا، على أن جميع فصائل الشعب المغربي الكادح لم تنل منها ما عانته من أساليب التزوير لإرادتها، وكبت لتطلعاتها، ومسخ لأهدافها، وقمع لتنظيماتها. بل لقد ظلت روح المقاومة لديها وقادة متحفزة، وظل حسها الوطني يزداد وعيا وعمقا. وهكذا استطاعت الانتفاضة الشعبية الكبرى، التي عرفتها بلادنا من أجل تحرير الصحراء ومواجهة التحديات الخارجية، والتي انطلقت من التحركات المكثفة التي قامت بها الأحزاب الوطنية وفي مقدمتها الاتحاد الاشتراكي الذي لم يكن قرار الحظر قد رفع عنه بعد، وتوجت عبر المسيرة الشعبية بانفساح المجال المسلح، استطاعت تلك الانتفاضة الكبرى تصحيح الأخطاء والهفوات التي تسببت فيها أعوام من الديبلوماسية السرية ومهادنة المستعمر وسياسة الانعزال عن الجماهير والاستخفاف بمقدرتها ووعيها.
لقد تمكنت بلادنا بفضل التعبئة الجماهيرية وما تخللها من تضحيات مازالت مستمرة أن تحرز على مكاسب هائلة لا يعادلها في أهميتها إلا ما يفرضه الحفاظ عليها من جهود وجدية وما تتطلبه الآفاق التي انبثقت عنها من تحولات عميقة في المناهج والعقليات التي تستمد منها السياسة الرسمية في بلادنا اتجاهها وأسلوبها.
فعلى صعيد هذه المكاسب نسجل:
– التبخر الفعلي لأسطورة تقرير المصير التي تبناها المستعمر، وذلك نتيجة خوفه – أمام صلابة الإرادة الشعبية في المغرب – من انعكاس مضاعفات الوضعية في الصحراء على نظام ما بعد (فرانكو)، مما أدى إلى اتفاق مدريد وقيام السلطة المغربية في صحرائنا الجنوبية الغربية.
– الرجوع بعلاقاتنا مع موريتانيا الشقيقة إلى وضعها الطبيعي وسلوك طريق يربط حاضر شعبنا بماضيهما مما فتح آفاق التعاون والتضامن بين الشعبين على أساس نفس المقومات التي كانت تجمعهما في الماضي، مع مراعاة المعطيات المتولدة من التاريخ المعاصر للمنطقة وجدلية الترابط ما يحق لنا، نحن الاتحاديين على الخصوص أن نعتز به كل الاعتزاز وأن نواصل العمل من أجل
الدفع بمسلسل التضامن والترابط بالشكل الذي يحقق لشعوب المنطقة جنوبا وشمالا، شرقا وغربا وحدتها المصيرية، وحدة المغرب العربي التي نعتبرها ضرورة تاريخية، اجتماعية واقتصادية وثقافية.
– تمركز جنودنا وضباطنا البواسل أعضاء القوات الملكية المسلحة، في جميع المراكز الحيوية في صحرائنا المسترجعة، ووقوفهم بكل عزم وتصميم في وجه العدوان مهما كان.
إن هذه المكاسب الثمينة قد خلفت وضعية لا تقبل الارتداد الى الوراء، على الرغم من استمرار التهديد والعدوان، ولكنها وضعية ستظل مهزوزة ما لم تعزز، على المستوى السياسي، بما يتطلبه تركيز هذه النتائج، وما يقتضيه جعل حد حاسم للتضحيات الحالية والمتوقعة التي يتحملها أبناء شعبنا الساهرين على مغربية الصحراء.
إن إصرار حكام الجزائر على إقحام أنفسهم في قضية صحرائنا، واتجاههم في ذلك وجهة العداء الصريح والعدوان المكشوف، وجهة الزج بالمنطقة في مخاطر الحرب العسكرية والديبلوماسية، كل ذلك قد يؤدي الى تطورات من شأنها أن تجر شعوب المنطقة الى الهاوية. ولذلك أصبح من الضروري اتخاذ التدابير الكفيلة بتطويق الخطر وتجاوز مخلفات الصراع والدفع بالأحداث في اتجاه إيجابي بناء.
إن تحركات الحكام الجزائريين ومشاريعهم التوسعية التي يجب اعتبارها على حقيقتها، أي كممارسات تحددها طبيعة النظام اللاديمقراطي اللاشعبي القائم هنا وهناك، لا يمكن أن يخفي أهدافها القريبة والبعيدة، اختلاق الحركات المزيفة والمؤسسات الصورية أو التذرع بشعار «»الشعب الصحراوي»« ومبدأ «تقريرالمصير».انها تحركات سيكون مآلها الفشل حتما إذا عرفت بلادنا كيف تبني سياستها وعملها في مختلف المجالات على أساس التفتح المخلص على الجماهير المغربية بما في ذلك جماهير الصحراء نفسها. إن هذا التفتح الحقيقي والمخلص هو وحده القادر – في ظل الظروف القائمة حاليا – على خلق شروط التعبئة الديمقراطية الحقة والشعارات المضللة التي ينخدع بها اليوم أكثر من واحد، خصوصا بين صفوف شبابنا الصحراويين.
كما أن المحاولات الرامية الى تطويق بلادنا ديبلوماسيا، والزج بالمنطقة كلها في الوقوع في شباك حسابات الدول العظمى، وبالتالي القضاء على حظوظ بناء مغرب عربي موحد ومتحرر، ستفشل هي الأخرى حتما إذا عرفت بلادنا – التي أصبحت اليوم تتمتع بإمكانيات أكبر – كيف ستستثمر بكل جدية ومسؤولية وزنها الحضاري ومؤهلاتها الجغرافية و طاقاتها البشرية والاقتصادية في اتجاه تقدمي يمكنها من ممارسة إشعاعها على الساحة العربية والإفريقية ومنطقة البحر الأبيض المتوسط كلها، علما بأن الجدية والمسؤولية في هذا الشأن – سواء تعلق الأمر بالإدماج الفعلي والضروري لفئة الشباب الصحراوي المغرر به، وللعناصر المتحفظة ازاء الحكم في البلاد، أو كان يتعلق باستقطاب الرأي العام الدولي لصالح قضيتنا الوطنية – لا تقاسان بمدى صدق نوايا الحاكمين أو قوة الحجج المدلى بها أو كثافة التحركات الديبلوماسية رغم أهميتها. أن الجدية والمسؤولية في هذا المجال انما تتحددان بشروع بلادنا عمليا في اجراء التحولات الكفيلة بتغيير وجه المغرب في الداخل والخارج في اتجاه يحرك التعاطف ويفرض الثقة والاحترام.
إن صيانة وحدتنا الترابية واستكمال تحرير ما تبقى من ترابنا الوطني تحت السيطرة الأجنبية يتطلبان توفير شروط مناعتنا العسكرية وحرية تصرفنا على الصعيد الخارجي، الشيء الذي يقتضي منا اليوم وغدا بذل مجهودات جبارة وتضحيات كبيرة لا يمكن تسديدها بمساعدات خارجية، ولا بارتباطات تدخل في التوزيع العالمي لمناطق النفوذ. إن ذلك يتنافى كلية مع عدم التبعية الذي أقره المغرب منذ الاستقلال منهجا له وسلوكات، ذلك المبدأ الذي لا يمكن أن تتقاعس الجماهير المغربية في الحفاظ عليه. هذا فضلا عن أن الدوران في فلك من الأفلاك الدولية لم يعد اليوم يفيد فتيلا. فالتحالفات الدولية لا تتحكم فيها اليوم الاعتبارات الايديولوجية ولا أشكال الأنظمة الاقتصادية أو السياسية، وإنما تتحكم فيها المصالح الاقتصادية والحسابات الاستراتيجية. ولذلك فالطريق الوحيد لتحقيق أهدافنا الوطنية واسترجاع مكانتنا الدولية هو الاعتماد علي جهودنا الذاتي لضمان تواجدنا كقوة عسكرية قادرة على فرض حقوقنا وكقوة اقتصادية وسياسية تحظى برضى الشعب أولا، وبتعاطف قوى التقدم في العالم ثانيا. وهذا أمر لا يمكن أن نصل إليه إلا بإدخال تغييرات جذرية عميقة على هياكلنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على طريق التحرير والديمقراطية والاشتراكية: تحرير الاقتصاد، وديمقراطية المؤسسات، واشتراكية الانتاج والتوزيع.
إن الوطنية الحقة تفرض اليوم أكثر من أي وقت مضى القيام بالتحولات الضرورية على مستوى تشريك وسائل الانتاج وتوزيع الدخل الوطني توزيعا عادلا واتباع تخطيط انمائي ديمقراطي يدشن عهدا لا تكون فيه الجماهير مجرد آلة تستعمل ظرفيا وعند الحاجة في حين تبقى في وضعية دائمة من الفاقة والاستغلال.
في هذا الإطار طرحنا ونطرح الديمقراطية كغاية ووسيلة. إننا لا نطالب بديمقراطية شكلية تكرس الاستغلال الطبقي في جو من الليبرالية المزعومة والتنافس الحزبي المزيف الذي يتيه بأهداف الجماهير في متاهات المزايدات الفارغة، والمساومات على الكراسي على حساب الشعب ونضالاته ومطامحه. ان الديمقراطية بالنسبة إلينا لا يمكن فصلها عن التحرير والاشتراكية: آنها غاية لأننا نؤمن بالبناء الديمقراطي للاشتراكية، وهي وسيلة لأن طريق الاشتراكية لن ينفذ إلى أعمق أعماق الجماهير إذا لم نفسح المجال لهذه الجماهير لتمارس حقها في التقرير والتنفيذ.
ولذلك فإن نضالنا من الديمقراطية مفهومة على هذا الشكل، ليس وليد ظروف عابرة، بل إنه الطابع الذي طبع تحركات حزبنا في الماضي كما سيطبعها في المستقبل. إن نضالنا من أجل الديمقراطية واعطاء الكلمة للشعب سيستمر مهما كانت الظروف ومهما تقلبت الأحوال، لأننا نؤمن بأن الجماهير التي هي مصدر السيادة – مصدرها الوحيد المشروع – هي وحدها القادرة – متى تحررت من النزيف والحجر – على الوقوف أمام التحديات مهما كانت بما يلزم من الصلابة والتضحية والأفق التاريخي« (…).

 

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

28 فبراير 2015