تكاثر في السنتين الأخيرتين ما يسمى “برامج دينية”، في عدد من الإذاعات الخاصة. قد يبدو الأمر عاديا. لكن متابعة هذه البرامج تكشف إشكالات غير عادية، ولا يمكن تجاهلها، ذلك أن هذه البرامج هي مزيج من النصائح الدينية، والشعوذة والخرافات وتفسير الأحلام…
حيث يتحول “الفقهاء”، الذين ينشطون هذه البرامج، إلى عارفين في كل شيء، يفسرون أحلام المستمعين، الذين يتصلون بهم، فيقومون مقام الطبيب المتخصص في التحليل النفسي، ويناقشون أيضا مشاكل غريبة مثلما يعتبر “مسًا بالجن”، ويتحدثون بلغة عالمة عن الشياطين، ويعرفون طريقة تجلياتهم، ويبدعون في الكلام عن السحر، كما ينصحون الناس باعتماد ما يسمى بـ”الرقية” والراقي هو رديف L exorciste ، في الثقافة الغربية، التي لم نعد نراه إلا في أفلام الرعب…
وتتمادى تلك البرامج إلى حد إطلاق العنان “لفتاوى” ما أنزل الله بها من سلطان، ومنها مثلا ما يتعلق بالموضة، التي تعد “غير مستحبة”، بل وحراما. وفي إحدى الحصص أفتى “الفقيه المبجل”، بمنع شاب من لباس قميص مرسوم عليه صورة بطل في كرة القدم، ونصحه بألا يصلي به، واعتبر ذلك حراما في حرام.
غرائب كثيرة يمكن للهيأة العليا للاتصال السمعي البصري أن تكتشفها إذا اهتمت بهذا الملف، واعتبرت أن الرخص التي سمحت بها لإنشاء هذه المحطات، بناء على دفاتر التحملات، التي قدمتها هذه الإذاعات الخاصة، لا تتضمن نشر الخرافات والشعوذة.
كما يمكن لهذه الهيأة أن تستند إلى الظهير المؤسس لها وعلى القانون المؤطر للقطاع السمعي البصري، لتجد أن لديها أدوات متعددة، قانونية وثقافية ومهنية وأخلاقية، لوضع حد لهذه التراجيديا، التي تنسف كل المشروع الراقي، الذي كان وراء عملية تحرير هذا القطاع.
والأهم من كل هذا، هو أن هناك دستورا جديدا، حدد بدقة السلط، ووضع الشأن الديني في يد مؤسسات تتعالى فوق الجميع، كما رسم مجالات التحرك في هذا المجال، حتى يحفظ للبلاد وحدتها الدينية، وأمنها الروحي، ويحمي المذهب المالكي والتقاليد الوسطية، في إطار مشروع حداثي، لا يمكن أن يتم التحايل عليه، بمثل هذه البرامج التي تنتمي للقرون الوسطى.
الأمر خطير جدا، وينبغي التفكير بمعالجته في إطار الدستور والقوانين، حتى لا يتحول القطاع السمعي البصري، إلى حامل لمشروع خرافي، متخلف، في الوقت الذي يجب أن يكون رائدا في التربية على حرية التفكير والنقد والعقلانية والحداثة.

* عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

الثلاثاء 3 مارس 2015