لقد اقتنيت كتاب عبد الله العروي، أطال الله في عمره لما أسداه ويسديه من أدوار وخدمات فكرية تطوعية تتغذى منها السياسة بالمغرب من حين لآخر، ووضعته على مكتبي وسطرت له برنامجا للتمعن في محتواه، وقرأت كل ما كتب في شأنه في الجرائد الورقية، وتتبعت كذلك، مساء يوم فاتح مارس 2015 البرنامج التلفزيوني على شاشة القناة الثانية حول المقاوم عبد الرحمان اليوسفي الذي دشن مرحلة الانفتاح السياسي بالمغرب بعد مسار نضالي وطني ودولي طويل (برنامج عرض باللغة الفرنسية وأتمنى أن تتم ترجمته إلى اللغة العربية لتكتمل الصورة عند المغاربة عن هذا المناضل الكبير)، واستنتجت، وكما كنت دائما مقتنعا بذلك، أن الإصلاح والرفع في وتيرته لا يمكن أن يتحقق بالمغرب إلا بالملك ومع الملك.
لقد تبين من خلال تتبعي للكلام الموزون الثقيل للرجلين أن التذرع بضرورة تشبيب الحياة السياسية لا يمكن أن يشكل سندا لتمييعها، ولا يمكن لزعماء قيادة التغيير بالمغرب السماح بذلك. فالتشبيب لا يعني الانتهازية، التبعية، التماهي، الخذلال، الانبطاح، والاستخبار ونشر الإشاعات المغرضة،… صفات يتم التظاهر بالتميز بها لا لشيء سوى للوصول إلى مصالح ذاتية ضيقة لا علاقة لها بالوطنية وحب الشعب المغربي. بالفعل، لقد كان وقع خروج عبد الرحمان اليوسفي في البرنامج السالف الذكر، والذي ركز على مجريات الأحداث السياسية ما قبل 2002، وخروج العروي في أواخر شهر فبراير 2015، بمثابة شحنة طاقية كبيرة للشباب المغربي المتتبع والغيور على أحوال بلاده، شحنة لا تنال من العزم والإصرار في العمل على تقوية ثورة الملك والشعب باستمرار. لقد تبين لي بالموازاة أن المغرب بلد محظوظ جدا لأنه بلد منفتح على المستويين الداخلي والخارجي، وأن الفرص تمكنه دائما من استدراك هفوات الماضي. فما فهمته من خلال كلام الرجلين العظيمين أن تداعيات القرارات السياسية التي واكبت الاستحقاقات البرلمانية لسنة 2002 يمكن تجاوزها، تداعيات، مشحونة بلا شك بضغوطات المرحلة، كانت بمثابة فرصة للمتربصين للنيل من مسلسل الانتقال الديمقراطي سعيا في تعطيل أو عرقلة المسار التحديثي في بدايته، فرصة كذلك مكنت رواد الفكر التقليدي من الركوب على مجريات الأحداث, محاولين منذ ذلك الحين الانقضاض على مفاصل مختلف المؤسسات التقريرية في الدولة والمجتمع للتمكن من تسهيل عملية إرجاع البلاد إلى الوراء.
على أي، ونحن في بداية الشهر الثالث من سنة 2015، يمكن أن نقول أن محاولات الخروج عن مسار البحث عن تحقيق الاستجابة الصادقة لتطلعات الشعب المغربي للمرور من مرحلة الديمقراطية العددية الجوفاء إلى الديمقراطية التنموية (دائما على أساس نتائج صناديق الاقتراع) لا يمكن، بحكم التاريخ، أن تحقق أهدافها. لقد ربح مغرب اليوم، دولة وشعبا، محطة أساسية في حياته السياسية، محطة أبانت أن المزايدات الفجة المغرضة، وما صاحبها من كلام اندفاعي وشعبوي، والتي تم ترويجها في السابق في المنابر العديدة المتاحة (المفبركة)، لم تكن إلا وسيلة لروادها للوصول إلى السلطة، وأن الاستمرار على نفس المنطق لا يمكن اعتباره إلا إرادة معلنة واضحة للتشبث بالسبيل الوحيد والواحد للاستمرار في التحكم، ولو جزئيا إن اقتضى الأمر، في مجريات الأحداث السياسية بمنطق تعسفي، يكاد يلتقي مع الفكرة المستبدة التي يعتمدها البعض منا وهي «أنا وما بعدي الطوفان».
وعندما أتحدث عن «الفرصة المواتية للتدارك»، أتحدث عن القيمة الكبيرة للأحداث السياسية ما قبل سنة 2002. مرجعيتي في ذلك، إضافة إلى الإشارات القوية التي جاءت على لسان اليوسفي وفي كتاب عبد الله العروي، هي حصيلة التفاعل السياسي الإيجابي الذي ميز تاريخ المغرب المعاصر: مقاومة الاستعمار بمنطق ذكي (حسب شهادات المفكرين الفرنسيين)، الاستقلال والقوة الثالثة والنضال من أجل الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان الكونية، الانفتاح السياسي في التسعينات وإعطاء الانطلاقة لمسار الانتقال الديمقراطي.
وعليه، وكما تمت الإشارة إلى ذلك في مقالي السابق تحت عنوان «النخب ومسألة تسريع وثيرة الإصلاح بالتدرج»، أعتقد أن الحاجة إلى تجاوز معضلة البطء تتطلب، حسب تجربتي المتواضعة، توفير شروط إنتاج النخب المواتية على أساس المسؤولية الواضحة في مختلف المستويات الترابية، خصوصا الإدارية منها، لتحقيق المرور السريع من الديمقراطية العددية، المسنودة على الإشاعة المولدة للعواطف وتصفية الحسابات وشراء الذمم بالأموال مجهولة المصدر….، إلى الديمقراطية التنموية الضامنة لجودة الفعل العمومي وعقلانية العلاقة ما بين الرأسمال بصفة عامة والطبقة العاملة. فعندما يتم الحديث عن جودة الفعل العمومي، نعني بذلك قوة الوقع التنموي، والإسهام الملموس في تحسين مستوى عيش المغاربة. قدوتنا في ذلك هو ما يقوم به جلالة الملك في المجال الاجتماعي (مؤسسة محمد الخامس للتضامن) وتوجيهاته المستنيرة في مجال الاستثمار العمومي في التجهيزات المهيكلة للتراب الوطني ، قدوة يجب أن تدفع الفاعل، كيف ما كان موقعه، إلى رفض العبارة الدارجة الرائجة في عدد من الأوساط الإدارية «كن بحالنا إلى بغيتي تخدم معانا». الجواب عن هؤلاء يجب أن يكون دائما: «النخبة تبدع ولو في المجالات الضيقة الهامشية، وأن إبداعها أساسه تشبثها بتقليد القدوة جلالة الملك، وأنها تؤمن بفكرة لكل زمان رجاله، وأن المغرب، تحت القيادة الحكيمة لجلالته، سيتدارك يقينا هفوات الماضي، ليمر المغرب إلى مرحلة لن يكون فيها البقاء إلا للأصلح، مرحلة ستندثر فيها كل معيقات الممارسة الديمقراطية «الحقة»، مرحلة سيشتد فيها الخناق على كل من يصطاد في الماء العكر.
 

5 مارس 2015