يمكن أن يكون مقبولا (وأحيانا ربما مطلوبا)، سياسيا وأخلاقيا، أن تتصيد أخطاء وزلات خصمك أو منافسك. لكن لن يكون إلا مذموما وممقوتا، أخلاقيا على الأقل، أن تحرف كلامه عن مواضعه وتُحمِّله، تعسفا وافتراء، ما لم يكن لا مقصودا ولا مرغوبا.
والتحريف يبدأ بإخراج الكلام من سياقه لإعطائه معنى غير المعنى الذي اقتضاه المقام، تلميحا أو تصريحا. ويمكن، بكل بساطة، وضع هذا السلوك في خانة التلفيق والتزوير… أو على الأقل، في خانة التأويل المغرض.
مناسبة هذا الكلام، هي الأبعاد التي أخذتها كلمة “التشخشيخ” التي استعملها الأستاذ “إدريس لشكر”، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الإقليمي للحزب بمدينة “تيزنيت”.
لقد أصرت بعض الجهات وبعض الأقلام الحاقدة على الاتحاد الاشتراكي على إقحام اسم الفنانة الأمازيغية “فاطمة تباعمرانت” في كلمة “التشخشيخ”. وهو إقحام فيه بلادة طافحة وحقد دفين، أعمى أصحابه عن تبين الخبر الصحيح عن الذي ينقله الفساق الذين يصيبون أقواما بجهالة. وهؤلاء الأقوام المتضررون من جهالة الفساق، ناقلي “النبأ”، ليسوا سوى جزء كبير من المغاربة، أمازيغ وغير أمازيغ، كما سنبين ذلك في السطور الموالية.
لقد رأى المغرضون في استعمال كلمة “التشخشيخ” إشارة إلى كلمة “الشيخة”. وقبل الحديث عن السياق الذي استعملت فيه كلمة”التشخشيخ” والمقصود منها، نشير إلى أن ردود الأفعال المتشنجة والغاضبة والشاجبة…التي تم التعبير عنها إما سياسيا (بيان التجمع الوطني للأحرار) أو إعلاميا (مقالات بعض دعاة الدفاع عن الأمازيغية، الذين يسيئون إليها أكثر مما يخدمونها)، تحمل، بما لا يدع مجالا للشك، نظرة احتقار وازدراء لفن وثقافة جزء كبير من هذا الوطن (الأطلس المتوسط ومناطق أخرى من المغرب التي يطلق فيها على الفنانة الشعبية اسم “الشيخة”). ومثل هذا الموقف، الذي يمتح من الثقافة العنصرية، مدان ثقافيا وسياسيا وأخلاقيا واجتماعيا… !
لست في حاجة إلى التذكير بغنى وتنوع ثقافتنا الشعبية التي يعتبر الفن الشعبي أحد روافدها الأساسية. كما لست محتاجا إلى التذكير بتنوع فنوننا الشعبية التي تحتل فيها “الرايسات”(في منطقة سوس) و”الشيخات” (الأطلس المتوسط ، السهول الوسطى للساحل الأطلسي، الخ) و”المعلمات”(مكناس ومدن أخرى)…- إلى جانب “الروايس” و”الشيوخ” و”إنشادن” و”إمديازن”… وفرق “أحيدوس” و”أحواش” و”الهيت” ومختلف ألوان العيطة…الخ- مكانة متميزة، تجعل حضورهم في مناسباتنا السعيدة (الأفراح بمفهومها الواسع) من أوجب الواجبات لتكتمل شروط الاحتفال.
ونحن، في الاتحاد الاشتراكي، نرفض أن يزايد علينا أحد في المسألة النسائية أو الأمازيغية، أو غيرهما من القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية والحقوقية… التي تعتبر من صميم المشروع المجتمعي لحزب القوات الشعبية الذي قدم تضحيات جسام دفاعا عن الحرية والديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان…وهذا ليس لا ادعاء ولا استعلاء ولا مَنّا، وإنما تأكيد لما جاء في تقارير هيئة الإنصاف والمصالحة. ومن يشكك في ذلك، فإما أنه جاهل كل الجهل بتاريخ المغرب المعاصر وإما أنه حقود وجحود.
ولنعد إلى كلمة “التشخشيخ”، لنوضح إلى الذين يريدون أن يعرفوا ما ذا وقع فعلا في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الإقليمي لحزبنا بمدينة “تزنيت”(أما بالنسبة للمغرضين، فلا أملك سوى أن أقول لهم: “الله ينعل للي ما يحشم”). لقد أتت هذه الكلمة في سياق حماسي، ألهبته فقرات الافتتاح التي اشتملت على كلمات قوية وأداء فني وشعري أمازيغي راق. وفي تفاعل مع هذا الجو الحماسي، ترك الأستاذ “إدريس لشكر” الورقة التي كان قد أعدها بالمناسبة ليرتجل خطابا، عبر من خلاله عن إعجابه بما قدم من فقرات، قبل أن يتوجه للاتحاديات والاتحاديين قائلا: “شوفوا الفرق بين حزبكم والأحزاب الأخرى ديال التشخشيخ”.
ولم يكن الأستاذ “إدريس لشكر” يجهل بأن بالقاعة غير الاتحاديين؛ فالجلسات الافتتاحية لمؤتمراتنا تضم الضيوف من ممثلي الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني والإعلام وشرائح مختلفة من المواطنين. وحديث “لشكر” فيه تثمين وتقدير للجدية وللجهود التي بذلتها اللجنة التحضيرية للمؤتمر؛ وفيه أيضا انتقاد للأحزاب الأخرى- التي لا نتقاسم معها لا التوجهات ولا القناعات- والتي سماها “أحزاب التشخشيخ”، دون أن يعني حزبا بعينه.
وكلمة “التشخشيخ” لا علاقة لها لا بـ”الشيخة” ولا بـ”الرايسة” ولا بـ”المعلمة” ولا بأي لون من ألوان الغناء والفنون الشعبية الأخرى. وبغض النظر عن المعاني التي يمكن أن تعطى لهذه الكلمة، فإنها لن تخرج عما هو معروف في تقسيم معاني الألفاظ إلى معنى حقيقي ومعنى مجازي.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن نرى في الكلمة معنى “التهشيم” و”التحطيم” و”التكسير”(“التهراس”). وهذا ما تعنيه الكلمة في الدارجة المغربية. فقد يقول قائل: “طاح ليا الكاس أو الطبصيل أو الغراف… وتشخشخ”؛ أي تحول إلى قطع صغيرة أو جزيئات. وهذا هو المعنى الحقيقي لكلمة “التشخشيخ”. أما المعنى المجازي، فهو أوسع من المعنى الحقيقي ويسمح باستعمال الكلمة في سياقات مختلفة؛ بحيث يمكن القول، مثلا: “السيد مصطفى الخلفي ‘تشخشخ’ في إذاعة أوروب 1″؛ بمعنى “تشوه”.
واستعمال كلمة “التشخشيخ” بمعنى التهشيم والتكسير، يحيل على الجلجلة التي تحدثها هذه العملية. فالكلمة تستعمل للتعبير عن الصوت الذي تحدثه الأشياء التي تتهشم أو تتكسر (“تتشخشخ”). وهذه “التيمة”( أي “تيمة” الصوت) تسمح، هي في حد ذاتها، بالانتقال من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي، في حال ما إذا تم استعمال كلمة “التشخشخ” من أجل التهكم، مثلا.
وإذا علما أنه كان من بين الحضور في الجلسة الافتتاحية التي نتحدث عنها، مسئول في حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي لم يلمس في كلام “لشكر” ما يفيد أنه يقصد حزبه أو نائبة الحزب بمجلس النواب، الفنانة “فاطمة تابعمرانت”، قبل أن نفاجأ، بعد ذلك، ببيان لتنسيقية الحزب بالإقليم، يُقوِّل الكاتب الأول للاتحاد ما لم يقله (ربما تحت تأثير التأويلات الصحافية المغرضة أو لكون بعض مسئولي الحزب هم من أصحاب “الفز”)، فإننا ننتقل من مستوى “الشخشيخ” إلى مستوى “التفرشيخ.”.
وتعني كلمة “التفرشيخ”، هي أيضا، التهشيم؛ لكنها تكتسي خطورة أكبر لكونها تعني تهشيم الرؤوس (الآدمية أو الحيوانية) ولا تعني تهشيم الأشياء. فحين نسمع، مثلا، بأن زيدا “فرشخ” رأس عمرو ، فذلك يعني أنه هشم رأسه بسلاح أبيض(سيف، شاقور، فأس، مطرقة…) أو حجارة أو غير ذلك. وهو دليل على العنف المادي، في أجلى صوره.
وتجاوزا، يمكن أن نطلق هذه الكلمة على العنف المعنوي قصد توصيف الهجمة الشرسة التي تعرض لها الاتحاد الاشتراكي من قبل بعض الجهات التي وجدت في كلمة “التشخشيخ” مبررا للتهجم عليه وتصفية الحسابات السياسية الرخيصة مع قيادته. وهكذا، فقد جعل بعض الجبناء – من أصحاب الأقلام المكسورة أو المأجورة، لا فرق – من استعمال الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي لكلمة “التشخشيخ” مناسبة للانقضاض، مثل الضواري الجائعة أو عصابات قطاع الطرق، على “الجسد الاتحادي” (مجازيا، طبعا)، محاوِلة “فرشخة” تاريخه وأمجاده باستعمال معاول الحقد والضغينة والجهل والجهالة، وهلم جرا… !!!