وجدت المرأة، سيدة الأرض، من ربيعها الى ربيعها، نفسها في معركة ثلاثية، في الدول التي هبت عليها رياح التغيير أو الثورة أو الانتقال. وكان عليها أن تصلح للكوكب فصوله، وتعدل مناخه، كما كانت هي، كذلك ، أصل الكينونة المتجددة.
كان عليها، بفعل حدسها التاريخي الذي صقلته مرارة تجربتها الإنسانية الطويلة، العمل الى جانب الرجل من أجل ألا تعود الأنظمة السابقة، بفسادها وتفاوتاتها وبوليسيتها، من جهة، والوقوف في وجه الإعصار الاستبدادي الذي أفرزته ثورات الربيع العربي، وهي معركة مشتركة أيضا من جهة ثانية، إضافة إلى إسقاطات الاستبداد السياسي والديني والثقافي على وضعها الذاتي، والنزعة الحريمية التي تتحكم في النزوع الجديد للقرار السياسي الفائز.
في بلادنا، عملت المرأة على تحريض التاريخ على الطفرات النوعية، في كل مرة كان يحتاج الى دفعة للتقدم. وكذلك فعلت في حراك فبراير وفي عز الربيع المغربي.
ولكن ما يقع اليوم، يبين من خلال الموقع الذي اختاره لها المحافطون، هو معاقبتها على جرأتها ومسايرتها للتاريخ في تنقله نحو الأعلى .. نحو المزيد من شساعة الحرية، نحو الأفضل المعيشي، ونحو التألق والتحرر من كافة العواطف والنظرات المتدنية، نحوها.
ونحن نتابع اليوم أطوار الفرملة التي يقوم بها التوجه المحافظ، تنافسه في من يركب موجة المرأة ..سافلا، ومن يستطيع أن يبرز ذكوريته أكثر وينتصر أكثر للقيم المتخلفة..
وفي واقع الأمر، سبق لهذا التحالف الذي وصل الحكم، من باب المحافظة على الوضع، في أحسن الأحوال، أو الرجوع به الى الخلف، في أسوئها، أن لعب الدور ذاته.
فمع التناوب السياسي لعبت الأحزاب المشكلة للتحالف المحافظ دور الثورة المضادة من داخل المجتمع، واليوم في التناوب الآخر، السياسي والزمني، يلعب نفس الدور من أعلى السلطة. ومن دائرتها النافذة.ولن يتغير الدور، في تعطيل الزمن وهدره، حتى تستقر الأوضاع على ما سبقها!
إن ما خسرته المرأة:هو أن تربح اللغة الرجعية مكانا في مؤسسات الدولة الجديدة!!
ما خسرته المرأة، أيضا، ضياع اللغة الرزينة، التي تحفظ للإنسان كرامته. لكن ذلك لا يمكن أن يغيب عنا الأساس.
فخطورة استدراج المعنيات والمعنيين الى مستوى منحط من النقاش مع المرأة وحولها، هو أنه يخلق المحيط المناسب والمناخ المشجع للحركات الأكثر رجعية والأفكار الأكثر تخلفا وتحقيرا. فالمسؤولية هنا ليست في الفعل المباشر، عبر التعبير عن الافكار المتخلفة والفتاوى المهزوزة، فقط، بقدر ما هي كذلك في التبييض غير المباشر لها، عبر الإسفاف في الأحاديث عنها وعن قضاياها.
ليس صدفة أن دعوات تزويج الطفلات، وفتاوى التعويض التشيئي عن الرغبة، والحديث عن النوم مع الزوجات الميتات، تزامنت بالفعل مع دعاوى رسمية الى بقاء النساء في البيوت، ومع تحقير الخصوم السياسيين من النساء بلغة الإيحاءات البهيمية.. نحن هنا أبعد من توزيع الادوار، بين «اعتدال مؤسساتي» يناهض ثقافة التحديث، وبين تكتل من «المجتمع» يريد أن يعطي شرعية لما هو أبعد من الزعم الوسطي. نحن هنا في «تراشح بيولوجي » بين وعاءين..يخدم الواحد منهما الآخر..
من مميزات الفكر الرجعي ، الحقد الاخلاقي» الذي يستشعره صاحبه إزاء المرأة ، باعتبارها عتبة الحداثة، وبالتالي فهي النقيض الذي يزعجه. وتزداد الخسارة عندما يتم استدراج المرأة نفسها الى معاداة حقوقها، وتحويلها الى آلة دعائية ضد شقيقتها المرأة وحقوقها.
وليس صدفة أن تكون فجوة النوع، في هذه المنطقة من العالم من بين المناطق الأدنى في العالم، ومن المتوقع أن تزداد مع مناخ الترهيب العام الذي تمت تنميته في المنطقة..
المشاركة في صناعة القرار نفسها تحيل الى ضعف الوضع وهشاشته. رغم الرجة التكتونيكية التي عرفتها القشرة السياسية المغربية، في فبراير 2011، فإن المشاركة النسوية في صناعة القرار، عبر كل مساره الوطني، ما زالت جد هزيلة، حيث يحتل بلدنا الرتبة 8 في ترتيب 19 دولة عربية. وهو ما يعني أن قوة الحضور النسوي، في مجالات متعددة ومتباينة، من العلوم الى الرياضة، مرورا بالاقتصاد والنضال السياسي، والبرلمان والمقاولة والتربية والتطبيب والهندسة والمجالات العسكرية والأمنية، فإن المغربية ما زالت تحت درجة تفوقها المادي والرمزي، في ما يخص صناعة القرار.
ومن شأن تعطيل المناصفة أن تزيد من هشاشة الوضع المادي والرمزي للمرأة، وتعود الدورة من جديد إلى عطالتها الأصلية.
نحن نتحدث عن القوانين، في واقع الأمر، ليست النصوص الجامدة، بل النصوص التي من شأنها تثوير الذهنية المغربية ومقاومة النزوعات المتواترة في مغرب اليوم…
 

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

9 مارس 2015