الداخلة (المغرب) –عن صحيفة العرب  [نُشر في 14/03/2015، العدد: 9856،

اعتبر محللون أن استضافة مدينة الداخلة، بالصحراء المغربية، لأعمال المنتدى العالمي “كرانس مونتانا”، يشكّل اعترافا دوليا بسيادة المغرب على أرضيه في الأقاليم الجنوبية، وأيضا اعترافا دوليا بأهمية المقاربة المغربية الداعية إلى النهوض بالعمل العمل الأفريقي المشترك بما يشكل حافزا للتنمية وجسرا للانفتاح والتفاعل والاندماج بين البلدان الأفريقية في ظلّ التحديات التنموية والأمنية المشتركة.

ظلت أوروبا، على مدى عقود طويلة، الشريك الاستراتيجي والاقتصادي الأول لدول المنطقة المغاربية والأفريقية؛ فيما كان التعاون جنوب جنوب ضعيفا وطي الإهمال إلى أن جاءت المقاربة المغربية لتبعث روحا جديدة في التعاون الأفريقي أفريقي.

جعلت هذه المقاربة من علاقات المغرب بدول أفريقيا جنوب الصحراء ذات أولوية، تبدأ بالتواصل السياسي رفيع المستوى، مرروا بالتعاون الاقتصادي والاستثماري والتنموي، وصولا إلى التنسيق الأمني، خاصة وأن المنطقة تشكل حاضنة هامة للخلايا الجهادية النائمة والنشطة.

وأكدت الزيارات الأفريقية المكثفة، خلال السنتين الأخيرتين، للعاهل المغربي الملك محمد السادس، التزام الرباط بالانفتاح على جذورها الأفريقية.

وقد كان هذا الخيار الاستراتيجي الداعم لشراكة جنوب جنوب أحد أبرز الأسباب التي رشّحت مدينة الداخلة المغربية لتستضيف فعاليات منتدى “كرانس مونتانا” العالمي خلال الفترة من 12 إلى 14 مارس 2015، تحت شعار “أفريقيا والتعاون الإقليمي والتعاون جنوب-جنوب”.

وجاء اختيار مدينة الداخلة، ذات المكانة الخاصة، باعتبار أنها توجد في منطقة الصحراء المغربية، ليؤكد الاعتراف الدولي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وفق تصريح جون بول كارترون، الرئيس المؤسس لـ”كرانس مونتانا” العالمي، الذي قال إن “التنمية البشرية والنمو الاقتصادي وتوطيد الروابط الروحية واستتباب الأمن، التي تشكل أهم الركائز المغربية إزاء القارة السمراء، محط إعجاب المنتدى ولذلك أصر على تنظيم المنتدى بالصحراء المغربية وبالتحديد في مدينة الداخلة”.

ووصف كارترون الداخلة بأنها أصبحت “نموذجا” و”مثالا” للتنمية بالمغرب وأفريقيا برمتها، ونوها بالجهود “الجبارة” التي يقوم بها المغرب لتنمية هذه المنطقة التي تعد “إحدى أجمل المناطق في العالم”.

ويدعم هذا الرأي، الخبير الأسباني، رامون مورينو كاستيا، الذي كتب بدوره في في مقال نشرته مجلة “أطلايار بين الضفتين” “أن اختيار مدينة الداخلة بالصحراء المغربية لاستضافة أشغال منتدى “كرانس مونتانا” هو “اعتراف بالعمل الجبار الذي يقوم به الملك محمد السادس من أجل تنمية وتقدم ورفاه ساكنة أقاليم الصحراء المغربية”.

من جانبه، قال رئيس جمعية الجهوية المتقدمة والحكم الذاتي، أحمد الصلاي، إن منتدى “كرانس مونتانا” سيمكن مدينة الداخلة من الاستفادة من الأفكار والخبرات التي يقدمها المشاركون لمعالجة الإشكاليات الرئيسية والآفاق بالنسبة إلى أفريقيا، خاصة في إطار التعاون جنوب-جنوب”.

نموذج تنموي ناجح

حظي اختيار مدينة الداخلة لاستضافة فعاليات دورة 2015 لمنتدى “كرانس مونتانا” بإشادة العاهل المغربي الملك محمد السادس الذي أكد أن الاختيار المنطقي والعقلاني لأرض الصحراء المغربية “يشكل عاملا من عوامل النجاح والتوفيق”.

وأضاف الملك محمد السادس، في الكلمة التي وجهها إلى المشاركين في المنتدى، أن “التنوع الكبير في الأطراف المشاركة في هذا المنتدى، من مؤسسات رسمية ومجتمع مدني وفاعلين اقتصاديين باختلاف انتماءاتهم وأطيافهم، علاوة على أهمية المواضيع المطروحة للنقاش، يشكل عاملا من العوامل التي من شأنها تعزيز ثقتنا في الاختيارات الاستراتيجية، الهادفة إلى انبثاق قارة أفريقية متضامنة تتطلع بكل عزم نحو المستقبل الواعد”.

ويشارك في الدورة السنوية لـ”كرانس مونتانا” عدد كبير من المسؤولين ورؤساء منظمات دولية وإقليمية وخبراء ورجال أعمال من دول مختلفة، يناقشون على امتداد أيام المنتدى عددا من القضايا الاقتصادية والتنموية في القارة الأفريقية في إطار المحاور التالية: “التنمية الاقتصادية في أفريقيا وتعزيز التعاون جنوب-جنوب، وسياسة المغرب في مجال التعاون الأفريقي” و”التدبير الجيد للموارد الطبيعية في أفريقيا” و”تحديات الثورة الرقمية في العالم وفي أفريقيا” و”تنمية الصناعات البحرية في أفريقيا” و”الأمراض والأوبئة العابرة للحدود ومخاطرها على الصحة العمومية” و”تطوير الصناعات الزراعية والغذائية والصيد البحري في أفريقيا” و”تطويرالقطاع المالي في أفريقيا” و”النهوض بالصناعات السياحية في أفريقيا” و”العناية بالطاقات المتجددة في أفريقيا” و”تعزيز الحوار بين أفريقيا ودول المغرب العربي وأوروبا” و”قضايا التربية والشغل والشباب في أفريقيا”.

ويعكس هذا العدد الهام للمحاور والقضايا، التي تجري مناقشاتها في “كرانس مونتانا”، أهمية هذا الحدث الذي توقع المشاركون أن يحقّق نجاحا لافتا بالنظر للعدد الكبير من المشاركين وللمواضيع المهمة التي يناقشها، حيث سجلت مشاركة 112 بلدا من مختلف انحاء العالم منها 36 بلدا أفريقيا و30 بلدا آسيويا و31 دولة أوروبية و15 دولة من أميركا اللاتينية، فضلا عن أكثر من 20 منظمة إقليمية ودولية.

وبالنسبة إلى المنظمة السويسرية المشرفة على المنتدى فإن تنظيم “كرانس مونتانا” في الداخلة يمثل “مبادرة سلام هامة وفرصة للجميع للالتقاء والحديث”.

وأبرزت المنظّمة أن المغرب دأب، خلال السنوات الأخيرة، على تعزيز مكانته المتميزة ضمن البلدان الأفريقية كبلد رائد على الصعيد التنموي، وهو ما أكد عليه الملك محمد السادس في خطابه، مشيرا إلى أن “النموذج التنموي الجديد لجهة الصحراء، الذي تبنته المملكة، يطمح بالفعل إلى تحويل هذه المنطقة إلى قطب للتلاقي بين المغرب العربي وأفريقيا جنوب الصحراء”

وأضاف العاهل المغربي “وفي هذا السياق، فإن مدينة الداخلة مدعوة لاحتلال موقع محوري ضمن القطب الاقتصادي الأفريقي المستقبلي، المندرج في إطار السعي إلى تعزيز السلم والاستقرار في منطقة جنوب الصحراء. وينبثق هذا النموذج التنموي الجديد من رؤية سياسية طموحة، قائمة على جيل جديد من الإصلاحات المؤسساتية التي تعتمد الجهوية المتقدمة ركيزة لها. ومن هذا المنطلق، تتطلع المملكة المغربية إلى استثمار الخصوصيات المحلية لكل منطقة من مناطقها، والنهوض بالحكامة المحلية الجيدة، وبلورة سياسات عمومية، على صعيد الجهات، تضمن نجاعة تدخل الدولة وشراكتها مع الجماعات الترابية”.

وشدد الملك محمد السادس في كلمته على أن “مصير مدينة الداخلة، هو أن تصبح منصة للمبادلات متعددة الأشكال، بين الفضاء الأطلسي، ومنطقتي المغرب العربي والساحل”.

وشدّد على ذلك شيوخ وأعيان القبائل، بإقليم وادي الذهب والداخلة، الذين اعتبروا هذه التظاهرة فرصة مواتية لإبراز الوجه الاستثماري للإقليم. وأشاروا إلى أن هذا الحدث، سيتميز بإطلاق نادي “أفريقيا الأطلسية”، الذي وصفه منتدى “كرانس مونتانا” بـ”المبادرة الهامة” في مجال دعم التنمية والاندماج الإقليمي بالقارة الأفريقية.

موقع استراتيجي للمغرب

نقلت وكالة المغرب العربي للأنباء عن المشرفين على تنظيم المنتدى أن الموقع الاستراتيجي للمغرب يجعله حلقة وصل في العلاقات بين الشمال والجنوب وكذلك بين بلدان الجنوب؛ ويضطلع بدور متميز باعتباره نقطة تقاطع رئيسية لهذه العلاقات.

وقد أكد عبدالفتاح الفاتحي، خبير استراتيجي في قضايا الصحراء والشؤون المغاربية، أن تنظيم منتدى “كرانس مونتانا“ بالداخلة يشكل انتصارا لسياسة المغرب إزاء أفريقيا وخاصة ما يتعلق بمقاربته للتعاون جنوب جنوب.

وأوضح الفاتحي أن مقاربة المغرب للتعاون جنوب-جنوب تعزز تحركاته الاقتصادية والتنموية في العمق الأفريقي.

وبدأت نتائج هذه التحركات تتبلور على أرض الواقع في العديد من الدول الأفريقية من بينها التعاون مع السنغال وبوركينا فاسو وغينيا الاستوائية والكوت ديفوار.

 
 

وبعد أن أشار إلى أن تنظيم هذا المنتدى بالداخلة يشكل “اندحارا لدعاية الجزائر وفشلا لمخططها الرامي إلى رهن مسيرة النماء بهذه الأقاليم”، قال الفاتحي إنه بينما “يتوفر المغرب على سياسة واضحة ورؤية تقدمية ترنو نحو المستقبل في مجتمعات تنعم بالأمن والاستقرار، فإن الجزائر تستغل الدول الأفريقية الفاشلة لنيل إرادتها السياسية نظير دولارات البترول والغاز الطبيعي”.

وأكد أن للمنتدى عائدات جيو- استراتيجية، موضحا أنه سيعزز الرؤية التنموية المتوجهة نحو المستقبل وبالخصوص المساهمة في تنمية منطقة الساحل والصحراء وأفريقيا عبر مشاريع متوازنة. وشدد الخبير المغربي على أن “رهن المنطقة في تجاذبات إقليمية لا يخدم المنطقة بل يشجع على أن تتحول إلى ملاذ للجماعات الإرهابية”. واعتبر الخبير الاستراتيجي في قضايا الصحراء والشؤون المغاربية أن الاستراتيجية اللوجستيكية تعد رهانا أساسيا لتحقيق النمو الاجتماعي والثقافي في المنطقة، وتضمن الاستقرار والعيش الكريم، وهو “منطق مطلوب لضمان استقرار منطقة الساحل والصحراء”.

بشهادة الخبراء الدوليين، نجح المغرب الذي لم يكن موجودا على خارطة الأعمال الأفريقية، في وقت وجيز، في فرض وجوده على مستوى بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، بل إن هذه المقاربة أعادت الاعتبار لهذه البلدان، وأخرجتها من صورتها النمطية وجعلتها تتجاوز علاقتها التقليدية بالمستعمر القديم. فأفريقيا، كما جاء في كلمة الملك محمد السادس “دفعت أكثر من غيرها الثمن غاليا، خلال فترة الاستعمار، وإبان الحرب الباردة، ولا زالت تعاني، للأسف الشديد، من آثارهما إلى يومنا هذا. فالحدود التي ورثتها بلدان القارة عن المستعمر، لا تزال تشكل، في الكثير من الأحيان، البؤر الرئيسية للعديد من الاضطرابات والنزاعات”.

وتواجه القارة وضعا أمنيا هشّا خاصة في ظلّ التمدد الخطير للتنظيمات الإرهابية وجماعات الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر والمخدّرات، وغيرها من التحدّيات. والحل لمجابهة هذه الأخطار، من وجهة نظر الملك محمد السادس، مصدره الأساسي أبناء أفريقيا أنفسهم، لا من الخارج، فلا بد “لأبناء أفريقيا أن يبتكروا السبل الكفيلة بتحويلها إلى فضاءات مفتوحة للتلاقي والتبادل المثمر بين المجتمعات الأفريقية”.