لم يتوقف الحديث عن بناء المغرب العربي الكبير على مدى العقود الأخيرة، كما تشهد بذلك مختلف البيانات والتصريحات الصادرة عن قيادات حركات التحرر الوطني في بلدان المنطقة إبّان معارك الاستقلال وحتى اليوم.

لكن يبدو أنّ الخطوات العملية باتجاه تنفيذ ما يتم الإعلان عنه من مشاريع وخطط تروم بناء هذا الإطار، مازالت تصطدم بصد يحول دون إتمام هذه الغاية، أساسه تعنت الجزائر في ما يتعلق بأحقية المغرب في سيادته على أراضيه المفتكة زمن الاستعمار، وتحديدا قضية الصحراء المغربية.

شكلت فكرة توحيد منطقة المغرب الكبير أساسا من الأسس النضالية الضمنية حينا، والعلنية أحيانا أخرى، بالنسبة إلى شعوب المنطقة، ضد الاستعمار خلال القرن الماضي، خاصة في فترات الحماس من أجل الاستقلال والوحدة، غير أنّ هذا المشروع ظلّ يراوح مكانه ولا يتقدّم كما ينبغي، لوجود عدد من العوائق والعقبات الجدية التي تحول دون ذلك، والتي فرضت على دول المغرب العربي عدم التقدم في إنجاز أي خطوات نوعية في هذا الاتجاه.

ومن بين المشاكل الكبرى التي تعرقل سير المشروع، تحتل العلاقة المتوترة بين المغرب والجزائر على خلفية تعنت مواقف الأخيرة في ما يتعلق بأحقية المملكة في السيادة على أراضيها المفتكة زمن الاستعمار، الصدارة.

توتر بين البلدين أفضى إلى حالة من التجاذب والصراع بينهما تجلت على المستويات السياسية والاستراتيجية، وكانت محورا لتشكيل تحالفات، وتحالفات مضادة تنضم إليها البلدان المغاربية الأخرى، وفق ما تراه متلائما مع مصالحها في هذه الفترة أو تلك أو حسب درجة الضغوط التي تمارس عليها والتحديات التي يطرحها عليها تشكيل تلك المحاور.

النوايا الحسنة لم تستطع الصمود أمام التباين العميق بين رؤى صناع القرار في البلدان المغاربية

علاقة متوترة مثلت عائقا حقيقيا أمام إتمام المشروع، ارتبطت به في ما بعد سياسات ومواقف الدولتين المحوريتين في المغرب الكبير (المغرب والجزائر)، دون أن يعني ذلك أنها كانت حكرا عليهما، ذلك أن العلاقات القائمة بين بلدان المنطقة الأخرى (تونس وليبيا وموريتانيا) تأثرت هي الأخرى بهذا الصراع الجزائري المغربي.

وفي حين يسعى المغرب، بالنظر إلى الأهمية التي تكتسيها التكتلات شبه الإقليمية، إلى إحياء اتحاد المغرب العربي، الذي يحتفل هذه السنة بعيد ميلاده السادس والعشرين، من خلال البحث عن حلول توافقية (مع احتفاظه بحق السيادة على أراضيه طبعا)، إضافة إلى اضطلاعه بدور جد فاعل ضمن تجمع دول الساحل والصحراء الذي يعقد قمته القادمة على تراب المغرب، علاوة على مواصلة مسار تقاربه المثمر مع العديد من المنظمات الإقليمية بكل من غرب ووسط أفريقيا، تبدي الجزائر تعنتا واضحا إزاء حل المسائل الخلافية التي من شأنها أن تؤبد أسباب التعطيل وتحول دون إتمام المشروع.

عوائق تحول دون البناء

 

يمكن تلخيص بعض العوائق الأساسية التي عطلت مشروع المغرب العربي الكبير في:

* الإرث الاستعماري وكيفية التعامل معه: فقد كان الاحتلال الفرنسي القاسم المشترك بين المغرب والجزائر وموريتانيا وتونس، بغض النظر عن الشكل الذي اتخذه ذاك الاحتلال، سواء كان مباشرا واستيطانيا كحال الجزائر، أو حماية في ظل استمرار الدولة الشرعية كما هو حال المغرب. وقد ترتب على ذلك الوضع سلوك فرنسي تجلى في التعامل مع الجزائر باعتبارها مقاطعة فرنسية في شمال أفريقيا، وكان هذا أساس التعامل معها على جميع المستويات، بما في ذلك تحديد حدودها الجغرافية، حيث عمد المستعمر الفرنسي إلى ضم أجزاء واسعة من التراب المغربي إلى الجزائر التي لم يكن يتصور يوما أنه قد يضطر إلى الانسحاب منها.

وعشية استقلال المغرب طرحت مسألة المطالبة بإعادة الأقاليم والمناطق المقتطعة منه، غير أن رأيا عاما داخل الحركة الوطنية المغربية ارتأى تأجيل ذلك إلى أن يتم تحرير الجزائر، حتى لا يتم التشويش على نضالها التحرري الذي يسانده المغرب بشكل مطلق.

ويبدو أن اتجاها وازنا في الثورة الجزائرية، أيضا، كان يرى أن مسألة الحدود مع المغرب سيتم حلها، بشكل ودي، بينهما، عندما يتم دحر المستعمر. غير أن القيادة الجزائرية، التي استلمت الحكم بعد نجاح الثورة، تنكرت لكل ذلك، واعتبرت أنها قد قدمت ضريبة الدم بخصوص كل شبر انسحب منه المستعمر الفرنسي، وهو ما أدى إلى اندلاع ما يطلق عليه بـ”حرب الرمال” بين المغرب والجزائر، عام 1963. وهي حرب حاولت الجزائر، دائما، الترويج لها باعتبارها عدوانا مغربيا عليها من أجل إسقاط حكم الثورة، في تجاهل تام للأسباب الحقيقية التي كانت تقف وراء اندلاع ذاك النزاع.

* الاصطفافات الدولية: كان من الطبيعي أن تصطف القيادة الجزائرية، بمجرد نجاحها في إبعاد المستعمر الفرنسي، إلى جانب صفوف القوى الإقليمية والدولية التي ساندت ثورة الشعب الجزائري في نضاله من أجل الاستقلال، وفي مقدمتها الاتحاد السوفيتي السابق وكل القوى التي تربطها علاقات تنسيقية أو تحالفية معه.

وعلى الرغم من الدعم المادي والسياسي الكبير الذي قدمه المغرب للجزائر في عهدي الملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني، إبان ثورتها التحررية، ورغم ما قدمته لها الحركة الوطنية المغربية، انطلاقا من قناعتها بالنضال المشترك في أفق تحقيق الأهداف المشتركة للشعبين المغربي والجزائري، فإن القيادة الجزائرية اعتبرت أن المغرب ينتمي إلى ما كان يسمى “العالم الحر”، وأنه حليف للإمبريالية الأميركية في المنطقة، وبالتالي فإن المطلوب منها، ضمن منطق الصراع بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي آنذاك، هو مناهضته على جميع المستويات، بما في ذلك مسألة استرجاع أراضيه، واستكمال وحدته الترابية، بدعوى ضرورة الحفاظ على الحدود الموروثة عن الاستعمار، وهو “مبدأ” يتنافى مع أبسط التصورات الوطنية التحررية لمجمل القوى التي ناهضت التواجد الاستعماري في مختلف مناطق العالم.

وكما لو أن المطلوب من هذه الحركات التحول إلى حراس للحدود التي رسمها الاستعمار لمناهضة نضال الشعوب من أجل تحقيق وحدتها الترابية والوطنية خدمة للأهداف التي تمت بلورتها في دهاليز صنع سياسات الدول الاستعمارية.

* قضية الصحراء المغربية: تشكل قضية الصحراء المغربية تجسيدا ملموسا للسياسة المناوئة للمغرب التي اعتمدتها الجزائر، وقد تحكمت في هذه القضية عوامل عديدة ومتداخلة أدت إلى جعلها مستعصية عن الحل، يتلخص أهمها في عنصرين اثنين، الأول يتعلق بمحاولة خلق دولة قزمية في المنطقة المغاربية، استكمالا للمشروع الاستعماري الأسباني، وبالنيابة عنه، لغاية إقامة حاجز اصطناعي بين المغرب وعمقه الأفريقي، وعدم إتاحة أي فرصة أمامه لاسترجاع أراضيه الّتي ضمها الاستعمار الفرنسي إلى الجزائر من خلال ترسيم نهائي للحدود بينهما.

أمّا الثاني فيتعلق باعتقاد القيادات السياسية والعسكرية المتعاقبة على حكم الجزائر، بعد نجاح ثورتها التحريرية الكبرى، ضد الاستعمار الفرنسي، بأنها في موقع يؤهلها لفرض إرادتها السياسية، على مجمل دول المنطقة، وأنها ينبغي أن تقود، لوحدها ودون منازع، مختلف التحولات الاستراتيجية التي تعرفها أفريقيا التي بدأت تخرج تدريجيا من ربقة الاستعمار.

وفي سياق هذا الاعتقاد، نظرت تلك القيادات إلى المغرب باعتباره المنافس القوي لها، والذي سيعمل، لا محالة، في نظرها، على إفشال مساعيها الهيمنية في المنطقة. ولذلك ناصبته العداء على جميع المستويات تقريبا، محاولة تغليف ذلك بدعاوى مرتبطة بتعارض سياسات البلدين، وتباين المعسكرين الدوليين اللذين ينتميان إليهما، في السابق، وبذرائع واهية جديدة مثل قضية الشعب الصحراوي المزعوم، في حين أن الجميع يدرك تماما أن مسألة الصحراء المغربية ليست وليدة فترة إنشاء البوليساريو، وإنما كانت دائما قضية الشعب المغربي منذ عقود طويلة.

النوايا الحسنة لا تكفي

تكفي قراءة موضوعية لبعض مواد وثيقة تأسيس اتحاد المغرب العربي، والمعروفة بمعاهدة مراكش في 17 فبراير 1989، لتبيان بعض الحقائق الأساسية، حول نوايا المؤسسين، وكيف أن هذه “النوايا الحسنة” لم تستطع الصمود أمام التباين العميق بين رؤى صناع القرار في البلدان المنضوية تحت لوائه، ومن بينها؛

* أولا، رغبة دول المغرب الخمس المعلنة، في توضيح الرؤية المشتركة التي ينبغي أن تسود فيما بينها، وهو ما نصت عليه بصريح العبارة، المادة الرابعة عشرة من الوثيقة عندما أكدت أن ” كل اعتداء تتعرض له دولة من الدول الأعضاء يعتبر اعتداء على الدول الأعضاء الأخرى”. وجاءت المادة الخامسة عشرة لتوضيح بعد أساسي من أبعاد المادة السابقة عندما أعلنت تعهد” الدول الأعضاء بعدم السماح بأي نشاط أو تنظيم فوق ترابها يمس أمن أو حرمة تراب أي منها أونظامها السياسي”.

* ثانيا، سياق هذه المعاهدة هو الذي يعطيها معناها الحقيقي ويؤطر مجال تأويلها، وقد تحكمت فيه عناصر أساسية، من بينها فشل جبهة البوليساريو الانفصالية في تحقيق الأهداف التي تم إنشاؤها من أجلها، رغم اعتمادها أسلوب حرب العصابات لاستنزاف المغرب، وخاصة بعد استعادة المغرب لوادي الذهب، وبناء الجدار الأمني الذي عقد شروط تلك الحرب العبثية، وهو ما رجح لدى القيادة الجزائرية، حاضنة البوليساريو، ضرورة التفكير في حل ما غير الحل العسكري.

تلك الأحداث، وموقف الشاذلي بن جديد (الرئيس الجزائري حينها) منها ومن التطورات اللاحقة، تفضي إلى أنّ رغبة أكيدة في التقدم إلى الأمام كانت تقود موقفه من العلاقات مع المغرب، بل يمكن القول إن المادتين الرابعة عشرة والخامسة عشرة من اتفاق مراكش، تشيران إلى أن قضية البوليساريو أصبحت محسومة، بالنسبة إليه، لجهة عدم السماح لها بعرقلة بناء المغرب الكبير، غير أن القيادات العسكرية المستفيدة من استمرار النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية على مختلف المستويات، يبدو أنها لم تكن لتقبل باتخاذ هذا المسار، لذلك لم تتردد في إنهاء هذا المسار بإبعاد بن جديد، مما أثر بصورة جوهرية، على مختلف السياسات الجزائرية، لتعود قضية النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية إلى واجهة الأحداث، حيث تمحورت حولها جل سياسات الدولتين الجزائرية والمغربية بعد ذلك. وبذلك تراجعت مسألة بناء المغرب الكبير إلى الوراء وتعطلت مسيرته، إلى حد بعيد، بشكل واضح إلى أن تم عمليا وأد معاهدة مراكش، رغم الحديث عنها في بعض المناسبات الرسمية أو شبه الرسمية.

وبذلك ظل مشروع اتحاد المغرب العربي حبرا على ورق، بل تحول إلى رهينة التوجهات الهيمنية للقيادة السياسية والعسكرية الجزائرية التي يبدو أنها لا تعير اهتماما كبيرا لجدوى هذا الصرح، الذي تختلق كل الذرائع والخلافات الممكنة لمنع بنائه.

*عن صحيفة العرب حسن السوسي [نُشر في 16/03/2015، العدد: 9858،