تبدو مدينة الداخلة في جغرافية المغرب قصية،غير أنها في تضاريس تاريخ البلاد دانية … فاعلة… داخلة في كيميائه . عبر بطولات «أولاد دليم» في جيش التحرير من أجل استكمال استقلال المغرب ،وعبر انتفاضة 14 غشت 1979 لتأكيد مغربية وادي الذهب، واليوم عبر احتضانها لفضاء الحوار العالمي المرموق «كرانس منتانا» الذي يؤشر على بداية نضج المقاربة الواقعية الدولية لقضية الصحراء المغربية. وما بين كل تلك «العبرات»، لمواطني الداخلة ونخبتها حضور وطني فاعل في المد الديمقراطي والتنموي المغربي .
خطاب جلالة الملك إلى فضاء الحوار بالداخلة تضمن أفكارا وتوجهات من مشتل الواقعية السياسية، في التعاطي مع حزمة المعضلات التي تخترق إفريقيا وتثقل خطوها نحو أن تكون فقط إفريقيا لذاتها ومنتجة لشعوبها. خطاب ملكي قابل لأن يسمع من أي ثائر من حفدة رواد حركة التحرر والوحدة الإفريقية، خطاب تشريح دقيق لمعضلات إفريقيا التنموية، المتصلة بعضها برواسب الاستعمارات وبانفجارات إرث ألغام الحدود، وفي الخطاب نفسه، مقترح عملي، على مسعى استنبات الربح المشترك من تعاون متعدد الأطراف ومتنوع المصالح، تكون فيه الداخلة مرفـأ تعاون إفريقي مغاربي أطلسي، منتج سياسيا ومفيد اقتصاديا لكل تلك الأطراف.
وهي توجيهات نابعة من سياسة جارية التحقق في ممارسة نوعية وعملية للبعد الإفريقي في سياستنا الخارجية. التحريض على أن تكون إفريقيا للأفارقة و على فاعلية التعاون الإفريقي لتجويد التعامل الدولي مع إفريقيا هو من جديد ملك البلاد، وهو صادر، في أساسه، من رؤية شمولية وواقعية للتعاطي مع تحديات ومعضلات التنمية المغربية .
رؤية أرست محاور عدة سياسية، اقتصادية، اجتماعية ودبلوماسية، وباشرت تعريفها في مبادرات متعددة ،متنوعة ومتكاملة، هي قيد تحقيق نجاحات وتفعيلات ملموسة، سياسية، اقتصادية واجتماعية، رغم بطء أو حتى تعثر بعض مناولاتها أو انزياح بعض تنفيذاتها عن مسار أهدافها. وحدث الداخلة وحوارها العالمي اليوم، هو من صلب تلك الرؤية وإحدى ثمراتها.
الحوار في الداخلة، هو في آنه وفي مكانه ،حدث مغربي وحدث إفريقي في تكامل جدلي بين الداخلي ومحيطه الخارجي، بين الذاتي ومحيطه الموضوعي.
جاذبية الداخلة لممارسة ذلك الحوار، تأتت من واقع كونها مدينة هادئة، منهمكة في تطوير ممكناتها الاقتصادية وتجويد مقومات العيش لساكنتها، ومنشغلة بالتقدم في تحصين الحقوق الوطنية المغربية وبإقرار الحقوق الديمقراطية ، وضمنها الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك ما سمح للمدينة أن تكون موقعا لعدة استثمارات و أوراش تعاون (تنموية) ومن بينها تلك التي من مصدر إفريقي وعلى صلة بحاجات اقتصادية بإفريقيا .
الانشغال بحاجة إفريقيا إلى تقويم إفريقيتها وتنميتها وتشذيبها من الشوائب العالقة بها من مخلفات استعماراتها ، ليس خطابا للاستهلاك الداخلي أو الدبلوماسي لدى القيادة السياسية المغربية. إنه خطاب نابع من عمق الرؤية السياسية الواقعية التي تتحسس موضوعية المصير القاري المشترك في مواجهة الأخطار المتفشية من مستنقعات سياسات الانغلاق القطري، والاستغراق غير المحدود في الانفعال مع استفزاز براكين و زلازل الحدود.
لذلك من حضر إلى حوار الداخلة كان حافزه، ثقته في أن الموضوع على قدر هام من الجدية وعلى قدر معقول من قابلية الحوار للاستمرار والتفاعل في مستقبل الشهور قبل السنوات.
وبعض من حضر، أبان عن حاجاته إلى أن يكون حاضرا في المستقبل الإفريقي عامة، ومن تفرعات ذلك، وأساسا، أن يكون شاهدا أو مساعدا على الحل الواقعي، العملي والايجابي الممكن، للنزاع حول الصحراء المغربية.
أمام المعضلات الأمنية الكبرى بإفريقيا، باتت واحدة من خلاصات القراءة السياسية الواقعية للقضايا الإفريقية ، هي الفائدة الإفريقية والدولية في دعم المبادرات الواقعية لحل التوتر الذي تفتعله الجزائر ضد المغرب حول الصحراء المغربية.
السيد خوصي ساباثيرو ،القيادي الاسباني اليساري المعروف، لم يقرر المشاركة في حوار الداخلة من أجل سياحة ليومين ينعم فيها بأطباق السمك الطازج . إنه من راسل وزير خارجية اسبانيا ليخبره بسفره إلى الداخلة في جنوب الصحراء المغربية. قراره اتخذه عن سبق إصرار وعمق تفكير وواضح تبصر .

حضوره فتح نقاشا في اسبانيا، بدأه وزير الخارجية الاسباني متشنجا ، حول علاقة اسبانيا بموضوع الصحراء المغربية وقد يمتد إلى علاقات اسبانيا بالمغرب .
وهو نقاش يفتح «طريقا سيارا» أمام أنصار المقاربة السياسية الواقعية في إسبانيا، لأنه لابد أن ينطلق من أو يصل إلى حساب مصلحة اسبانيا، السياسية و (الأمنية) والاقتصادية، وهو التفكير الذي يساعد عليه إقدام المغرب على مبادرة الحكم الذاتي فاتحا جسرا سلميا نحو حل واقعي لنزاع الصحراء. ذلك النزاع الذي تغذيه الجزائر لما هو ضد مصلحتها وضد مصلحة المنطقة وضد مصلحة الفرقاء الخارجيين عن المنطقة.
بقراره «الذاتي» يكون ساباثيرو قد وقع بخطواته على صوابية الحكم الذاتي في الصحراء المغربية . لقد حل بالمغرب ليشارك في حوار دولي يقام في إحدى مدن الصحراء الغربية (بالتعريف الجغرافي لأقاليمنا الصحراوية).
خطوة ساباثيرو تهشيم لطابو ( أو عقيدة ) في سلوك النخبة السياسية الاسبانية. طابو يبدو أنه فقد مفعوله لدى فئات من تلك النخبة، التي يعبر عنها السيد خوصي ماريا ساباثيرو. التحرر من ذلك الطابو هو ما سيسمح لنقاش، وصراع، من هذا المستوى حول، أو من، داخل تلك «العقيدة» المعادية للمغرب بأن يطلق نسائم ربيعية، لتواكب تحولات هامة مرتقبة، في التعاطي الإسباني مع قضية الصحراء. وبثقافة سياسية جديدة، تقيم فاصلا ما بين المقاربة السياسية الواقعية والمستقبلية وبين المقاربة القطرية الواهمة والماضوية.
سنونو واحد لا يصنع الربيع … نعم … غير أن خطوة ساباثيرو هي سنونو في سرب هو قيد التشكل. في الداخلة نفسها ، قال سنونو آخر، رئيس الحكومة الفرنسية الأسبق ،الشاعر ،دومنيك دوفيلبان عن التقدم الحاصل في المغرب ،سياسيا واقتصاديا و حقوقيا وعن المفعول الارتدادي لتلك المميزات إفريقيا، ما من شأنه أن يزيد من حنق السيدين عبد العزيز بوتفليقة والمراكشي ومعهما بعض الرفاق المتمركسين والأمميين جدا حتى عادوا بلا وطن . وهو الآخر، السياسي والمثقف الفرنسي اللامع، رمى مسبقات التعامل مع النظام السياسي المغربي و الاستخفاف بمكتسباتنا الديمقراطية لدى مثقفي بعض نخبة القرار الفرنسي و الأوروبي، رمى كل ذلك، دفعة واحدة بقذيفة منجنيق .
في حوار الداخلة نفسه، حضور شخصيات من حزب المؤتمر الوطني الحاكم في جنوب إفريقيا ، وتصريحات بعض أعضائه المنبهرة بما تحقق من تقدم في المغرب وفي الداخلة، والمتحمسة لتعاطي جديد مع قضية الصحراء سنونو ثالث . ولا حاجة للتذكير بالاحتضان اللا مشروط الذي تمنحه دولة جنوب إفريقيا للبوليساريو…
حوار الداخلة سمح بإبراز الأهمية التي بات يحوزها المغرب قاريا ودوليا، بما يجعله مركزيا في استراتيجيات مواجهة التحديات العالمية في مستويات التعاطي معها كافة، إفريقيا، عربيا، وأوربيا. وتجلى ذلك في الحضور النوعي والشجاع لشخصيات أوروبية و أمريكية وإفريقية حرصت على إشهار تقديرها للمغرب، ودعت إلى لفه بنظر جديد….لنستعد جميعنا لتعامل جديد و منصف معنا، مغربا وقضية.
شكرا لكل من أوصى بعقد حوار « كرانس مونتانا» في الداخلة وحث عليه. وشكرا لكل من أشرف أو ساعد على تنظيمه….و شكرا لكل من حضره ووجه من الداخلة التحية للسيد بوتفليقة أو للسيد المراكشي…وأعلمهما، بأن ربيعا يلوح ،من غير بعيد، سيعم الصحراء فليلتحقا بلا كثير تلكؤ.

*عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

    الثلاثاء 17 مارس 2015