إلـــى:
 ــ المرأة في عيدها الأممي الذي يبقى محتفى به حتى تحقيق كافة الحقوق الإنسانية للمرأة.
 ــ جميع الحاضرين في أول ندوة تقيمها جمعية التنوير للثقافة والفكر، بعد الانتهاء مباشرة من عملية إنجاز ملفها القانوني.
ــ كل من وجهنا إليهم الدعوة، ولم يحضروا إما لغياب الاهتمام، أو استخفافا بالجمعية.
ـ الأعضاء المؤسسين لجمعية التنوير للثقافة والفكر.

ــ أعضاء المكتب الذين أخذوا على عاتقهم السير بالجمعية، في اتجاه تحقيق أهدافها النبيلة.

ــ من أجل ثقافة تنويرية متحررة.

ــ من أجل ترسيخ قيم نبيلة في واقعنا.

**********

محمد الحنفي

تقديم:

في إطار العمل على تفعيل جمعية التنوير للثقافة والفكر، تقرر تدشين برنامجها السنوي، بتنظيم ندوة في موضوع: الواقع الحقوقي للمرأة ـ الآفاق. وقد تكلفت شخصيا، أنا والأستاذة كرومي خديجة، عضوة مكتب الجمعية، بتأطير هذه الندوة، فكان شق الندوة الذي تكلفت به ذا بعد تاريخي / فلسفي / ديني، أما الشق الذي تكلفت به شخصيا، فكان ذا بعد واقعي / حقوقي.
وهكذا، ومن خلال المداخلة التي تكلفت بها، تناولت الشروط التي نعيشها على المستوى العالمي، وعلى المستوى المغربي، والتحولات القائمة في المغرب، وانعكاسها على واقع الإنسان المغربي، وعلى واقع المرأة المغربية بالخصوص، كما تناولت مفهوم المرأة على مستوى النوع، وعلى مستوى المرأة كإنسان، ووقفت على أن الأصل في المرأة، هو كونها مساوية للرجل، ثم سيدة، لتتحول بعد ذلك، عبر التشكيلات الاقتصادية ـ الاجتماعية الاستغلالية، إلى أمة، لتستمر في المعاناة من الدونية، حتى وإن تخلصت من العبودية التقليدية، لتقع بعد ذلك تحت تأثير أشكال أخرى من العبودية، الناتجة عن التحولات العميقة التي عرفتها التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الاستغلالية، من التشكيلة المشاعية، إلى التشكيلة العبودية، إلى التشكيلة الإقطاعية، إلى التشكيلة الرأسمالية، وفي مجتمعات نمط الإنتاج الأسيوي، ذي التشكيلات المتعددة، ثم انتقلت بعد ذلك إلى تناول النظرة الدينية للمرأة، فقسمتها إلى ما قبل وجود الديانات، وما بعد وجود الديانات، لنصل إلى خلاصة: أن النظرة الدينية للمرأة، يتم اختصارها في تبعية المرأة للرجل، وتناولت، بعد ذلك، تسييد دونية المرأة في كل المجتمعات الاستغلالية، وأن تكريس الدونية، اقتضى أن يكون النضال من أجل انعتاق المرأة من أسر دونيتها. وفي هذا الإطار، سجلنا مستويات الاختلاف القائم بين جميع التشكيلات الاقتصادية ـ الاجتماعية، وبين الدول القائمة من جهة، وبين الدول المتقدمة، والدول المتخلفة من جهة أخرى. وبعد ذلك، انتقلت إلى معالجة واقع المرأة المغربية، واقفا على شروط تحكم الواقع المغربي في المرأة، التي يمكن إجمالها في اعتبار المغرب بلدا متخلفا، واعتباره بلدا رأسماليا تابعا، واعتبار المجتمع المغربي محكوما بقيم العادات، والتقاليد، والأعراف، بالإضافة إلى اعتبار المجتمع المغربي متدينا. ومعلوم أن المرأة تبقى رهينة بشروط الواقع: على مستوى الأسرة، وعلى مستوى المجتمع، وعلى المستوى الحقوقي.
وبعد الوقوف على واقع المرأة على المستوى العام، وعلى المستوى المغربي، انتقلت إلى معالجة آفاق المرأة، كذلك، على المستوى العام، وعلى المستوى المغربي، كما تقتضي المنهجية ذلك.
فعلى المستوى العام، نجد أن الآفاق مفتوحة على النضال من أجل التمتع بالحقوق العامة، وعلى النضال من أجل التمتع بحقوق النوع، والنضال من أجل التخلص من دونية المرأة، وإلى الأبد.
وعلى مستوى المغرب، نجد، كذلك، أن الآفاق مفتوحة على النضال من أجل المساواة القانونية، في إطار مقاومة كل القيم الحاطة من كرامة المرأة: (العادات، والتقاليد، والأعراف، واستغلال الدين لتكريس دونية المرأة، والتصدي المستمر لاعتبار المرأة عورة)، والعمل على امتلاك الوعي الحقوقي، والحرص على التمتع بكافة الحقوق الإنسانية، بالإضافة إلى الحرص على التمتع بحقوق النوع، والنضال من أجل ملاءمة القوانين الوطنية، مع الإعلانات، والمواثيق، والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، والنضال من أجل تطبيق بنود الاهتمام، في أفق الوصول إلى المناصفة، على مستوى المسؤوليات، وتحقيق المساواة الكاملة بين النساء، والرجال، على مستوى الحقوق، وعلى مستوى الواجبات.
وبعد هذه المعالجة المسهبة عن الواقع، وعن الآفاق، وصلت إلى خلاصة: أن المرأة في الأصل كانت مساوية للرجل، وأنها تمكنت من السيادة عليه في مرحلة تاريخية معينة، وأن المرأة عاشت عصورا من العبودية، امتدت من التشكيلة العبودية، مرورا بالتشكيلة الإقطاعية، ثم التشكيلة الرأسمالية، التي لا زالت قائمة في يومنا هذا، وأن المرأة ناضلت، ولا زالت تناضل من أجل التمتع بالحقوق العامة، وبحقوق النوع، وان نضال المرأة أصبح مفتوحا على تحقيق المساواة الكاملة بين النساء، والرجال، في الحقوق، وفي الواجبات، في أفق إيجاد مجتمع نوعي، لا وجود فيه لما يخدش كرامة المرأة.

الشروط التي نعيشها في هذا العصر:
وبما أن حقوق الإنسان، ومنها الحقوق الخاصة بالمرأة، تكون مرتبطة بالشروط الموضوعية القائمة في الواقع، على المستوى العالمي، وعلى مستوى المغرب. فإذا كانت هذه الشروط تخدم ضمان تمتيع جميع الناس بالحقوق الإنسانية في طابعها العام، الذي يشمل الكون برمته، وفي طابعها المغربي الخاص، كانت هذه الحقوق مضمونة للجميع، وبدون استثناء، بما في ذلك تمتيع المرأة بحقوقها الخاصة، كما هي في اتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة. وإذا لم تكن كذلك، فإن حرمان جميع الناس، من جميع الحقوق، بما في حرمان المرأة من كافة حقوقها الخاصة، هو الذي يصير سائدا على المستوى العام، وعلى مستوى المغرب.
وإذا كان التمتع بحقوق الإنسان، رهينا بالشروط القائمة، فإن الشروط القائمة الآن تتمثل في:
أولا: على المستوى العالمي: سيادة النظام الرأسمالي، وتحكم هذا النظام في مصائر الشعوب، وتحول هذا النظام من الليبرالية التقليدية، إلى الليبرالية الجديدة، التي أجهزت على كافة الحقوق الإنسانية: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، وشرعت تدعم كل التوجهات الساعية إلى مصادرة الحقوق الإنسانية، بما في ذلك الإجهاز على ما تحقق للمرأة من مكتسبات، وخاصة عندما تدعم أنظمة الليبرالية الجديدة، ما تقوم به داعش، التي رجعت بالبشرية قرونا إلى الوراء، مطبقة بذلك سياسة الهمج، ومكرسة التخلف الضارب في الأعماق، وبدعم من دول الليبرالية الجديدة، في أمريكا، وفي أوروبا، ومن دويلات التخلف البترولي العربي، بهدف الإجهاز على كافة الحقوق الإنسانية، التي تحققت، بالخصوص، في البلاد العربية، من خلال إعادة تشكيل هذه البلاد، وفي إطار صياغة ما صار يعرف بالشرق الأوسط الجديد.
ثانيا: على المستوى المغربي: حيث نجد أن الشروط التي نعيشها، لا تختلف عن الشروط على المستوى العالمي، إلا في كون المسؤولين، على اختلاف مستوياتهم، محكومين بهاجس الاستمرار في إجهاض حركة 20 فبراير، حتى لا تقوم بأي دور لصالح الشعب المغربي، وخاصة، بعد أن انسحب منها من اعتبروا أنفسهم أساس قيام حركة 20 فبراير، حتى لا يشوشوا على الحكومة، التي يقودها حزب العدالة والتنمية في المغرب، والتي تعمل على:

1) عدم تنزيل دستور فاتح يوليوز 2011، الذي يقر حقوق المرأة.
2) الإجهاز على ما تحقق من الحقوق الإنسانية، لصالح الشعب المغربي.
3) الإجهاز على ما تحقق من حقوق لصالح المرأة.
4) الإجهاز على ما تحقق لصالح الجمعيات المناضل،ة كالجمعيات الحقوقية، ومنها الجمعيات المهتمة بحقوق النساء.
5) إقحام الدين في الصراع الحكومي، مع مختلف الإطارات الجماهيرية.
6) ادعاء الحكومة محاربة الفساد، والكشف عن المفسدين، في الوقت الذي ترفع فيه شعار: (عفا الله عما سلف)، للحسم في ضرورة استمرار الفساد، نظرا للدور الذي يلعبه المفسدون في مختلف أجهزة الدولة، بما فيها جهاز الحكومة.
7) استمرار الفساد والاستبداد.
8) غياب أجرأة الممارسة الديمقراطية، بمضامينها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية.
9) غياب دستور ديمقراطي شعبي.
10) ربط الدين بالسياسة في الحياة العامة، ورهن الحياة الفردية بأمور الغيب، التي يتم إقحامها في الشأن الديني.
11) الابتعاد الكلي، الذي يكاد يكون مطلقا عن علمنة الحياة، وعن جعل أمور الحياة العامة، والحياة الخاصة، من شأن الإنسان.
12) تسييد الفهم الخاطئ للدين.
13) غلبة طابع أدلجة الدين الإسلامي، على برامج المدرسة العمومية.
14) رهن الحياة العامة، والدينية بالخصوص، بتسييد أدلجة الدين الإسلامي، الذي صار يملأ فضاءات المساجد، والمناسبات الدينية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، بفعل الدور الذي تقوم به الأحزاب، والتوجهات المؤدلجة للدين الإسلامي.
وهذه الشروط التي توافرت بكثافة في الواقع المغربي، مع استفحال أمر الاستبداد القائم، لا يمكن أن تؤدي إلا إلى تكريس التراجعات الخطيرة، على مستوى الحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، وعلى مستوى حقوق المرأة، التي تزداد ترديا.

التحولات القائمة في المغرب، وانعكاسها على الواقع:
وانطلاقا من الشروط العامة، ومن الشروط الخاصة بالمغرب، نجد أن ارتباط المغرب بالمنظومة الراسمالية العالمية، بحكم تبعيته للنظام الرأسمالي العالمي، يجعل التحولات التي يعرفها، مرتبطة بالتحولات التي تعرفها المنظومة الرأسمالية، وخاصة في صيغتها النيو ليبرالية، التي تسعى إلى طمس كل قيم التطور، والتقدم، التي يمكن أن تعرفها هذه الدولة، أو تلك، أو التي يمكن أن يعرفها هذا الشعب، أو ذاك. وهذا الارتباط يجعل المغرب يتأثر سلبا، أو إيجابا، بكل تحولات المنظومة الرأسمالية، نظرا ل:
1) الارتباط الوثيق بين الاقتصاد المغربي، واقتصاديات النظام الرأسمالي العالمي.
2) تكريس التبعية الثقافية المغربية للنظام الرأسمالي العالمي، إلى جانب العناية بالثقافة التقليدية العتيقة، التي تغرق الإنسان المغربي في دوامة من التخلف، التي يصعب الخروج منها بسهولة.
3) تسييد أدلجة الدين الإسلامي، على أساس أنها هي الدين الإسلامي الحقيقي، مع العلم أن الدين الإسلامي في واد، وأدلجة الدين الإسلامي في واد آخر.
4) شرعنة قيام أحزاب، وتوجهات سياسية، وجمعيات، ونقابات، على أساس ديني، مما يجعل الدين الإسلامي من الآليات الكثيرة، التي توظف لتكريس تخلف المغاربة.
5) وصول مؤدلجي الدين الإسلامي إلى الحكومة، مما يمكنهم من فرض برنامجهم الذي يصير برنامجا حكوميا.
7) عدم أجرأة بنود دستور فاتح يوليوز 2011، المتعلقة بحقوق الإنسان، وحقوق المرأة.
8) التضييق الذي تعرفه الحريات العامة، وخاصة في المجال الجمعوي.
وهذه التحولات مجتمعة، والتي لها علاقة بالمنظومة الرأسمالية، في تحولها، وبأنظمة البيترو دولار، وبنهب ثروات الشعب المغربي، لا يمكن أن تنتج لنا إلا تكريس التراجعات الخطيرة، التي أصبح يعرفها المغرب، على مستوى التضييق على الحريات العامة، وعلى مستوى التراجع عن مكتسبات حقوق الإنسان العامة، والخاصة بالمرأة.

مفهوم المرأة:

إننا عندما نطرح هذا المفهوم للنقاش، لا نكاد نستثني أحدا من النظرة الدونية للمرأة، مهما كانت المكانة التي تحتلها في المجتمع، ومهما قدمت من تضحيات لا حدود لها، من أجل المجتمع، مع أنها هي التي ولدت:

1) لتضحي من أجل أسرتها.

2) لتضع نفسها رهن إشارة زوجها.

3) لتهتم بإعداد بناتها وأبنائها جيدا.

4) لتضاعف المجهود في عملها، وفي كل ميادين الاشتغال.

5) لتكشف عن قدرات فائقة في المجالات العلمية والمعرفية.

6) لتفصح عن قدرات فائقة في مجالات الإبداع الفني والأدبي.

7) لتبرز كفاءاتها وقدراتها الفائقة، في الساحة النضالية: الجماهيرية، والسياسية.

8) لتناضل من أجل ضمان الحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، كما هي في الإعلانات، والمواثيق، والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.

9) لتبرهن عن حرصها على التمتع بحقوقها الخاصة، كما هي في اتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة.

10) لتحرص على مساواتها للرجل في جميع المجالات.

إلا أن هذه التضحيات جميعا، من أجل المجتمع ككل، ومن أجل النساء على حد سواء، لا تكاد تبرز على السطح، للاعتبارات الآتية:

الاعتبار الأول: كون الحكم، في أي بلد، يعتبر أن التحكم في المرأة، واستعبادها، وتدجينها، وسيلة للتحكم في المجتمع ككل.

الاعتبار الثاني: أن تحكم العادات، والتقاليد، والأعراف، في واقع بلدان المسلمين، يعتبر سدا منيعا ضد انطلاق المرأة، في اتجاه تحطيم كافة القيود، التي تحول دون التمتع بكافة الحقوق الإنسانية، وبحقوقها الخاصة.

الاعتبار الثالث: تحول الأيديولوجية المترتبة عن أدلجة الدين الإسلامي، إلى دين جديد، يستعيد إلى الواقع القيم المتخلفة، بما فيها قيم امتهان كرامة الإنسان، وهضم كافة حقوقه الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، وقيم امتهان كرامة الإنسان، بما فيها كرامة المرأة بصفة خاصة، بشكل مطلق، حتى يصير اعتبار المرأة عارا، أو عورة في الوجدان الشعبي، وباسم الدين الإسلامي، الذي ليس إلا أدلجة للدين الإسلامي.

الاعتبار الرابع: اعتماد قوانين للتطبيق في الحياة العامة، وفي حياة المرأة، غير متلائمة مع الإعلانات، والمواثيق، والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان العامة، والخاصة، بما فيها اتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة، وهو ما يجعل حقوق الإنسان، وحقوق المرأة بالخصوص، تنتفي من الواقع، كما تسعى إلى ذلك الحكومة الحالية في المغرب، والتي يقودها حزب العدالة والتنمية.

ولذلك، فمفهوم المرأة يمكن أن نعمل على تحديده، انطلاقا من تصورنا له، وانطلاقا من الواقع القائم، المحكوم بالاعتبارات التي أتينا على ذكرها.

فتصورنا للمرأة كمفهوم، مستمد من مضامين الإعلانات، والمواثيق، والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، كما هو مستمد من اتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة، التي تمت المصادقة عليها سنة 1979.

وبناء على هذا التصور، فإن المرأة إنسان، لها نفس الحقوق، وعليها نفس الواجبات، التي للرجل لا فرق بينهما، لأنها تتمتع بنفس القدرات العقلية، والفكرية، التي للرجل، ويمكن أن تكون لها نفس القدرات العضلية، والوجدانية. وإذا كان هناك ما يفرق بينهما، فيرجع إلى نوعية المرأة، ونوعية الرجل على المستوى الجنسي. وهو فرق لا يمكن وضعه كوسيلة لإعطاء الاعتبار للرجل، على حساب كرامة المرأة، خاصة وان المرأة تتميز عن الرجل، باعتبارها ولودا، بينما الرجل لا يستطيع ذلك، ولهذا فالأفضلية يجب أن تكون للمرأة، باعتبارها وسيلة لاستمرار البشرية، وتكاثرها على وجه الأرض، وانتشارها، وباعتبارها المربية الأولى للأجيال الصاعدة. وهو أمر لا يتمكن منه الرجل، في أي مرحلة من مراحل التاريخ، وهو امتياز مكن المرأة من السيادة في المرحلة الأميسية، وخاصة قبل انقسام المجتمع إلى طبقتين رئيسيتين، في المجتمع العبودي، حيث نجد الأسياد، والعبيد، وفي المجتمع الإقطاعي، حيث نجد طبقة الإقطاعيين، وطبقة عبيد الأرض، وفي المجتمع الرأسمالي، الذي لا زال قائما، حيث نجد الطبقة البورجوازية، وطبقة العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين. وحيثما صرنا، نجد المرأة تعاني من الاستغلال المزدوج، الذي يمارسه الأسياد، أو العبيد، أو الإقطاعيين، أو الأقنان، أو البورجوازية، أو العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، على المرأة في أماكن العمل، وفي البيت.

وانطلاقا من هذا التصور، فإن المرأة إنسان، ولا يمكن أن تكون شيئا آخر، غير الإنسان، تتمتع بكافة الحقوق الإنسانية، كما هي في الإعلانات، والمواثيق، والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وكما هي في اتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة، التي عليها أن تنخرط في النضال ضد الاستعباد، الذي لا زال قائما بشكل، أو بآخر، وضد الاستبداد، ومن أجل تحقيق الديمقراطية، بمضامينها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، وضد الاستغلال، من أجل تحقيق العدالة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية.

أما إذا انطلقنا من الواقع القائم، الذي يبقى بعيدا عن الإعلانات، والمواثيق، والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، فإن المرأة تبقى ذلك الكائن المستعبد على المستوى العام، وعلى مستوى البيت. وهذا الاستعباد المزدوج، من قبل المجتمع، وبحكم العادات، والتقاليد، والأعراف المتخلفة، وبفعل الاستغلال الممارس على الرجل، والمرأة على السواء في المجتمع، وبفعل الاستغلال الذي يمارسه الرجل على المرأة في البيت، لتصير قيمة المرأة متدنية، إلى درجة التعامل معها ككيان حيواني صرف، من حق مالكه أن يفعل به ما يشاء، ودون مساءلة من المشرفين على تطبيق القانون 

وبناء على ما رأينا، فإن المرأة إنسان حسب تصورنا لها، والمرأة حيوان لا قيمة له حسب الواقع القائم، والفرق كبير بين أن تكون المرأة إنسانا، وبين أن تصير مجرد حيوان.

 وكيفما كان الأمر فإن هذا العصر الذي نعيشه، مفتوح على كل الاحتمالات، بما فيها تحقيق المساواة الكاملة بين النساء، والرجال على حد سواء، خاصة، وأن وتيرة النضال من أجل ذلك، في ارتفاع مستمر، والجمعيات الحقوقية، والنسائية، في تزايد مستمر. وهو ما يجعل وعي المرأة بكافة حقوقها في تزايد مستمر، رغم إغراق المجتمع بالفتاوى الحاطة من كرامة المرأة، ورغم حلول الأيديولوجية المنبنية على أساس استغلال الدين الإسلامي، محل الدين الإسلامي في واقعنا، وهو ما يمكن أن نعتبره عرقلة في حق الرجل الإنسان، وفي حق المرأة الإنسان. ولذلك فلا مناص من أن يتصدى الرجل، والمرأة على حد سواء ل:

1) الاستعباد الذي يستهدف الرجل والمرأة على السواء.

2) الاستبداد الذي يحول دون تمتع الرجال، والنساء بالديمقراطية.

3) الاستغلال الذي يمتهن كرامة الرجال، والنساء في نفس الوقت.

4) أدلجة الدين الإسلامي، التي تقود إلى امتهان كرامة النساء، والرجال على حد سواء.

5) الحرمان من التمتع بالحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية.

6) النضال من أجل تحقيق المساواة الكاملة بين النساء، والرجال.

7) النضال من أجل ملاءمة كل القوانين المعمول بها، مع الإعلانات، والمواثيق، والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.

8) تجريم ممارسة العنف، وكل أشكال الإهانات، التي تتعرض لها المرأة في البيت، وخارج البيت على حد سواء، حتى وإن كان أبوها، أو أخوها، أو قريب منها، أو زوجها، أو ابنها لفرض احترام كرامة المرأة.

الأصل في المرأة:

إن ما تعيشه البشرية في عصرنا هذا، لا يتجاوز أن يكون عارضا، والعارض هو ما خالف الأصل، الذي تمثل، ومنذ وجود الجنس البشري على وجه الأرض، في:

1) المساواة بين الرجال، والنساء. 

2) التوزيع العادل للثروة، التي يأخذ منها كل فرد حسب حاجته من الطبيعة، باعتبارها مصدرا للخيرات، التي تضمن للكائن البشري شروط استمراره.

3) التمتع التلقائي بكافة الحقوق الطبيعية، التي لا حاجة فيها إلى وجود مواثيق دولية؛ لأن الدول حين ذاك غير قائمة، خاصة وأن الحاجة إليها منعدمة في واقع الإنسان، في مرحلة التشكيلة المشاعية.

4) ظهور، ما صار يعرف تاريخيا، بالمرحلة الأميسية، التي صارت المرأة فيها متحكمة، وسائدة في المجتمع، ولها الكلمة الأولى على الرجل، الذي يبقى تابعا لها، ولا وجود إلا للقيود التي تكبل الرجل، وتحول دون تحركه، من أجل النيل مما تقوم به المرأة في المجتمع الأميسي. وبعد تمكن الرجل من امتلاك الأرض، وانقسام المجتمع إلى طبقتي الأسياد، الذين يشكلون قلة في المجتمع، والعبيد الذين يشكلون السواد الأعظم من المجتمع، بما في ذلك النساء، اللواتي صرن من جملة ممتلكات الأسياد، وعليهن أن ينجبن المزيد من العبيد، والإماء، الذين، واللواتي، يشكلون، ويشكلن ثروة هائلة، في ملك الأسياد، كما يشكلون، ويشكلن يدا عاملة في خدمة مصالح الأسياد، لتصير بعد ذلك المرأة تعاني من الاستعباد، والاستغلال المزدوج، والدونية، حتى وإن كانت حرة، خاصة، وأن المرأة مجرد كلمة معبرة، عن امتهان كرامة المرأة، كما هو معمول به في عصرنا هذا.

وإذا كان الأصل في المرأة، أن تكون مساوية للرجل، وأن تتقاسم معه الخيرات التي تنتجها الطبيعة، وإذا تطور هذا الأصل لتصير المرأة سيدة في المرحلة الأميسية، فإن ما عرفته المرأة من مهانة، بعد انقسام المجتمع إلى طبقتين رئيسيتين: طبقة مستغلة، وطبقة يمارس عليها الاستغلال، منذ التشكيلة العبودية، ومرورا بالتشكيلة الإقطاعية، وصولا التشكيلة الرأسمالية، هو نتيجة لتكريس الاستغلال الطبقي، وقيام الدولة الطبقية. وهو ما يعني، في عمق الممارسة الفكرية، أن قضية المرأة قضية طبقية، ولا يمكن أن تكون غير ذلك.

فالمرأة في المجتمع الطبقي، إذا لم تناضل ضد الاستغلال، الذي يمارس على جنس الرجل، وجنس المرأة على حد سواء، ولا يمكن أن تتخلص من دونيتها، التي صارت بمثابة الإرهاب الممارس على المرأة: اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، وخاصة في العصر الرأسمالي الليبرالي الجديد، الذي برهنت فيه المرأة عن كفاءات نضالية، وقدرات تفوقت فيها على الرجل، في العديد من المجالات التي تكرس فيها دونية المرأة، باسم القانون، وباسم الدين الإسلامي.

فالقانون، يجب أن يتلاءم مع الإعلانات، والمواثيق، والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، حتى يصير دستوريا، حسب دستور فاتح يوليوز 2011 بالمغرب، لتصير المرأة مساوية للرجل في جميع مجالات الحياة.

والدين الإسلامي، يجب أن يبتعد عن الشأن السياسي، وأن لا يقحم فيه، وأن تجرم كل الأحزاب، والتوجهات السياسية، والجمعيات، والنقابات، التي تأسست على أساس استغلال الدين الإسلامي، وإقحامه في السياسة، وفي العمل الجماهيري، مع أن الدين الإسلامي لله، وليس للاستغلال السياسي، كما في القرءان: (وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا). وهو ما يعني ضرورة إبعاد الدين عن السياسة، كما جاء في القرءان أيضا: (وأمرهم شورى بينهم)؛ لأن الواقع، في تمظهراته المختلفة، متغير باستمرار.

أثر التحولات الاقتصادية، والاجتماعية على واقع المرأة:

وانطلاقا من أن المرأة المساوية للرجل، والمرأة السيدة، هي الأصل، فإن ما عرفته المرأة من فقدان للمساواة، وللسيادة، ليس إلا نتيجة لانتقال المجتمع البشري من تشكيلة المشاعة، إلى التشكيلة العبودية، ثم إلى التشكيلة الإقطاعية، ثم إلى التشكيلة الرأسمالية.

وإذا كانت المرأة مستهدفة إلى جانب الرجل، في كل التشكيلات الاستغلالية، فإنها، إلى جانب ذلك، مستهدفة باستغلال الرجل، حتى وإن كان عبدا، أو قنا، أو عاملا / أجيرا، حسب طبيعة التشكيلات التي عرفها التاريخ البشري، مما جعلها، ويجعلها معانية من الاستغلال المزدوج:

أولا: الاستغلال العام، الذي يمارس على المرأة والرجل، في ظل أي تشكيلة من التشكيلات الاقتصادية ـ الاجتماعية، التي عرفتها المجتمعات البشرية.

ثانيا: الاستغلال الخاص الذي يمارسه الرجل على المرأة في البيت.

ولذلك، فالمرأة في التشكيلة العبودية، عليها أن تخدم مصالح السيد، وأن تخدم مصالح زوجها العبد في البيت، بالإضافة إلى مطالبتها بإنجاب أكبر عدد من العبيد، والإماء، الذين ينتزعهم منها السيد، لبيعهم في أسواق النخاسة، لجمع المزيد من الثروات.

والمرأة في التشكيلة الإقطاعية، عليها أن تخدم مصالح الإقطاعي، كقنة في المزرعة، أو في القصر، بالإضافة إلى خدمة مصالح زوجها القن، في بيت الزوجية، ويطلب منها أن تساهم، بشكل كبير، في مضاعفة عدد الأقنان المرتبطين بالإقطاعية، لضمان مضاعفة خدمة الأرض، حتى تنتج أكثر، لصالح الإقطاعي.

وفي التشكيلة الرأسمالية، نجد أن المرأة تستغل كعاملة، إلى جانب العامل، لمضاعفة الإنتاج، الذي لا يستفيد منه إلا الرأسمالي، في الوقت الذي تحرم فيه العاملات، والعمال من كافة الحقوق العامة، والخاصة بالشغل. وفي نفس الوقت، نجد أن المرأة تتعرض لاستغلال الرجل في البيت، الذي قد يكون عاملا معها، في نفس العمل، إلى جانب أن تربية الأولاد، صار بحكم العادة، من شأن المرأة.

وفيما يخص المجتمع ذا التشكيلات المتعددة، أو المحكوم بنمط الإنتاج الأسيوي، كما يسمى في الأدبيات الماركسية، نجد السيد، إلى جانب الإقطاعي، إلى جانب الرأسمالي، كما نجد العبد، إلى جانب القن، إلى جانب العامل. وهو ما يعني تعدد التشكيلات الاقتصادية ـ الاجتماعية، وتداخلها، مما يجعل الدارسين لهذه المجتمعات، يحتارون في تحديد الطبقتين الرئيسيتين، خاصة، وأننا نجد في بعض الأحيان، أو في كثير من الأحيان، أن الرأسمالي، هو نفسه الإقطاعي، وهو نفسه السيد، إذا كان يعتقد أن من يرتبطون به في قصره عبيد له. وكيفما كان الأمر، فإن المرأة في نمط الإنتاج الأسيوي المتعدد التشكيلات، تعاني بدورها من الاستغلال المزدوج، استغلال الأسياد، أو الإقطاعيين، أو الرأسماليين، أو تعاني من الاستغلال المزدوج من الرأسمالي / الإقطاعي / السيد، ومن استغلال الرجل العبد، أو القن، أو العامل في البيت، الذي يجد له مبررا دينيا، لتزداد بذلك معاناة المرأة في الواقع، وفي البيت في نفس الوقت.

النظرة الدينية للمرأة:

وانطلاقا من النظرة التي عانت منها المرأة في التشكيلات الاقتصادية ـ الاجتماعية الاستغلالية، ولا زالت تعاني منها، في إطار التشكيلة الاقتصادية ـ الاجتماعية الراسمالية، التي لا زالت مستمرة إلى يومنا هذا، تبرز مختلف الأديان السماوية، التي تكرس تلك الدونية، وتعتبرها قدرا لا مفر للمرأة منه. وعلى سبيل المثال، نجد في الدين الإسلامي، كما ورد ذلك في القرءان (وللرجال عليهن درجة)، و (للذكر مثل حظ الأنثيين) في الإرث، و (أحل لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) في شروط معينة، بالنسبة لتعدد الزوجات، وغير ذلك من النصوص الواردة في هذا الشأن. وهو ما يترتب عنه:

1) تكريس الدونية التي عرفتها المرأة في مختلف التشكيلات الاستغلالية، التي عرفتها البشرية. وذلك بإعطاء الشرعية لها من خلال موقف الدين من المرأة.

2) الانطلاق من أن المرأة دون مستوى الرجل.

3) اعتبار الرجل المتدين أفضل من المرأة المتدينة.

4) اعتبار التفاضل في الإرث تكريسا لتلك الدونية على المستوى الاقتصادي.

5) تمكين الرجل من الحق في الجمع بين عدة نساء، تختلف المذاهب والمفسرون في عددهن، انطلاقا من النص القرآني الذي اشرنا إليه.

وهذه الدونية التي تكرسها الأديان المختلفة، بما فيها الدين الإسلامي، لا يمكن أن تعبر إلا عن مسايرة الأديان للتشكيلات الاقتصادية / الاجتماعية الاستغلالية، التي تكرست فيها دونية المرأة بشكل كبير.

ونظرا للقداسة التي تكتسبها النصوص الدينية للأديان السماوية، فإن المومنين بتلك الأديان، لا يجرؤون على مناقشة التربية المكرسة في هذه الأديان المختلفة، التي تصير جزءا من الحياة العامة للبشرية، إلى درجة الربط بينها، وبين السياسة، كما حصل في الدين المسيحي في القرون الوسطى، وحتى قيام الثورة الفرنسية، وبعد حملات الإصلاح الديني في كل أرجاء أوروبا، وكما يحصل في فلسطين المغتصبة، حيث تقيم إسرائيل دولة دينية على أساس ديانة اليهود، وكما حصل في تاريخ المسلمين، حيث كانت كل الدول التاريخية تعتبر نفسها إسلامية، وكما يحصل الآن في بلدان المسلمين، حيث تربط الدول بينها، وبين الدين الإسلامي. وهو ما يمكن اعتباره وسيلة لاعتبار المرأة تحتل مكانة متدنية في الدين، في الوقت الذي يحتل فيه الرجل مكانة عليا، ليتمتع بأفضليته عليها.

وانطلاقا من الواقع الذي عرفته المرأة في مختلف التشكيلات التي عرفتها البشرية، فإننا يمكن أن نميز بين مستويين من النظرة إلى المرأة:

النظرة التي تعاملت مع المرأة ككيان مساو للرجل، في الحقوق، والواجبات، فيما يخص المرحلة المشاعية، وأفضل من الرجل في المرحلة التي كانت تسود فيها المرأة على الرجل، وهي التي صارت تعرف بالمرحلة الأميسية.

النظرة التي تعاملت مع المرأة ككائن دون مستوى الرجل، من خلال التشكيلات الاقتصادية ـ الاجتماعية، التي عرفتها البشرية في تواريخها المختلفة، والتي جاءت الأديان السماوية المختلفة لتشرعنها، حتى صار ينسب إلى الله أنه هو الذي قرر دونية المرأة، وفرضها في الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، ودون اعتبار الشروط التي كانت قائمة أثناء نزول الرسالات، التي ترتبت عنها تلك الأديان السماوية، التي ابتدأت بالرسالة التي أو حي بها إلى موسى، المعروفة بالتوراة، والرسالة التي أوحي بها إلى عيسى، المعروفة بالإنجيل، والرسالة التي أو حي بها إلى محمد، المعروفة بالقرآن، والتي حرصت على أن تتلاءم مع الشروط التي كانت قائمة حينذاك، حتى تلقى القبول من المتلقين، وحتى يومن أكبر عدد من الذين تلقوا تلك الرسالات، كل رسالة في العصر الذي نزلت فيه، كوحي تلقاه موسى، أو تلقاه عيسى، أو تلقاه محمد. ودون ذكر الرسالات التي نزلت من قبل؛ لأن ما هو شائع، الآن، في العالم، من الديانات السماوية: ديانة موسى، وديانة عيسى، وديانة محمد. وهذه الديانات جميعا، تقر أفضلية الرجل على المرأة، كما تقر فرض دونية المرأة، انطلاقا من النصوص الدينية، وتقف إلى جانب الحاكم، الذي آمن بها، حتى وإن كان قاهرا للشعب.

وهذه النظرة الدونية للمرأة، لا تنفي وجود المرأة السيدة، التي تمارس القمع على النساء الإماء، وتمارس عليهن التعذيب، وتستغلهن أبشع استغلال، كما لا تنفي وجود المرأة الإقطاعية، التي تستعبد القنات، وتمارس عليهن، وعلى الأقنان، كذلك، أبشع استغلال، ولا تنفي كذلك وجود المرأة البورجوازية، أو المرأة البورجوازية / الإقطاعية / السيدة في هذا العصر الذي نعيشه، والتي تملك وسائل الإنتاج، لتمارس بواسطتها أبشع استغلال على العاملات، والعمال على حد سواء، أو تصير مالكة لوسائل الإنتاج، ومالكة للإقطاعية، أو الإقطاعيات، بالإضافة إلى اعتبار من تتخذهم للسخرة، في قصرها، عبيدا لها.

وإخضاع النظرة الدونية للمرأة، وخاصة في الدين الإسلامي للنقاش، يحتاج إلى قدرات فائقة، وشجاعة كافية، للدخول في سجال ضد فقهاء الظلام، الذين يكرسون دونية المرأة، ويستغرقون في ذلك بدون حدود، من أجل تفنيد رؤاهم الظلامية، وإبطالها، وتوعية النساء، وخاصة الأمهات، والرجال على حد سواء، بضرورة الوعي بخطورة تلك الرؤى، وبأهمية التمتع بالحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، كما هي في الإعلانات، والمواثيق، والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وخاصة المرأة، التي تشكل نصف المجتمع، والتي غالبا ما تتبنى وجهة النظر الدينية في دونية المرأة، وتدافع عنها، وتعتبر أن أفضلية الرجل عليها، على المستوى الديني، لا نقاش فيه.

وإخضاع الرؤيا الدينية لدونية المرأة للنقاش الجماهيري، يعتبر مدخلا لخلخلة الرؤى الطبقة للمرأة، في أفق نفيها، وإقرار المساواة الكاملة بين النساء، والرجال، بعيدا عن إقحام الدين في أمور السياسة، كما يفعل مؤدلجو الدين بصفة عامة ومؤدلجو الدين الإسلامي بصفة خاصة، في أفق نفي الرؤى الطبقة للمرأة، التي صارت ترتدي لباسا دينيا، انطلاقا من النصوص الدينية، ومن فتاوى فقهاء الظلام.