هذا هو «الكوبلي » أو الغوفغان» بلغة الأغاني؛ الذي يردده   مؤدو إحدى  أغنيات الراب أو الهيت المغربي للانتقال من فكرة إلى أخرى داخل  إحدى الإبداعات المرافقة لحملة التشجيع على المشاركة السياسية للشباب ؛والتي تتنافس قنوات الإذاعات الخاصة على إذاعتها بشكل مستمر وتنقل من خلالها مجموعة من الأحكام الغاضبة التي   تتقاذفها مستويات متعددة من  التوجهات، والتي تلتقي حيناً وتتنافر بل تتناقض  أحياناً أخرى ؛ فما الذي يمكن قراءته من اختيار فكرة كون الوزراء “شفارة “أي مفسدين والحكومة “دبلعاني” أي مزيفة أو صورية أو أشياء كثيرة أخرى لتأثيث حملة لتحفيز الشباب على المشاركة السياسية  ؛وما هي مساحات الحيرة والالتباس التي تخلقها هذه الصورة  التي ترسم ملامحها هذه الترنيمة وغيرها عند المتلقي، خصوصا وأنها في المقابل  تحث في أحد منحنياتها الموسيقية على ضرورة المشاركة عبر التسجيل والتصويت  ؛ وهل “الوزراء هم كما تصفهم الأغاني  والحكومة فعلا صورية ومزيفة ؛ وما تراه يكون رأي حكماء وحكيمات   الهيأة العليا للاتصال السمعي والبصري في الموضوع ؟؟
تمثل  قناعة كون  الأجهزة التنفيذية وأعضائها  بالضرورة فاسدين ومزيفين وفاشلين؛ جبهة أخرى من جبهات الصراع  داخل دفتر السلطة في المغرب  ؛ الذي خُط فيه بحبر التوافق المشوه مجموعة من المبادئ العامة التي تمتح من تصورات كونية للأنظمة الديمقراطية ؛ والتي لم تُترجم بعد إلى خطاطات التقاليد ولم تنتصر على الأعراف المرسومة بواقع الحال وخريطة القوى التي لاتزال تتمركز في دوائر ضيقة تجعل من فاعليها بؤر ضبط  وصناعة يحج  إلى مزاراتها الفاعل السياسي بكل إرادوية طلباً للانخراط بدورٍ في التصور العريض الأحادي للوطن.

كما أن عبارة الحكومة “دبلعاني ” أي غير الحقيقية ؛ تحمل بين طياتها مرامي  متناقضة ومتنافية التأثير ؛ إذ اعتباراً لكون  الحكومة مزيفة ؛ فإنها إذن بدون سلطة وبلا فاعلية   ؛ إلا أن الأمر لا يقف هنا لأن نفس العبارة يمكن أن تعني أيضاً أن الشباب لا يعتبر الحكومات بصفة عامة  حقيقية، وبالتالي لن يحملها مسؤولية الجوانب السوداء من الواقع المعاش ؛ وأنه يخاطب مدبراً آخر بتغييب الحكومة ؛ فهل يهدف الغاضبون والمخونون””للوزارا” و”الحكومة دبلعاني” إلى تبرئة الحكومات المنتخبة عموما من النتائج الإيجابية والسلبية لأداء السلطة،  وبالتالي تعليق المحاسبة والمسؤولية وكل ما يمكن أن يربط الفاعل بالفعل ؛ أم هل يريدون ترسيخ قناعة لا كفاءة الحكومات أيا كانت ومهما حاولت وإلى الأبد ؛ ودون إمكانية استئناف هذا الحكم ؛ وبالتالي هل يقترحون نموذجاً مبتكراً للدولة  قائماً على غير الفعل السياسي  ؛ دون حكومات ولا وزراء ولا نخبة سياسية ولا انتخابات  ؛ أم لعلهم يرون أن اعتماد المبادئ  الديمقراطية وفصل السلط أدى إلى منح سلطات كثيرة لوزراء وحكومات خانت الأمانة وبدلت تبديلا ؛ فآل الأمر إلى حقيقة “انت كتعاني “الشعب كلو كيعاني “وبعدها وفجأة سيكون أن نقترح من داخل هذا الضيق أن الفرج يتمثل فجأة في التسجيل في اللوائح الانتخابية للمشاركة والتصويت على من ..؟؟ بنفس المنطق ..على غير “الوزارا ” وغير “الحكومات ديال  بلعاني ” والتي لم يُحدد من تكون وما تكون ولايتها وماهي منجزاتها ومفاسدها وماهي حدود مسؤولياتها ….ًالتفكير سينحو بمنطق الطرح  إلى الحساسيات السياسية  التي لم تساهم في تاريخها في أي حكومة من الحكومات “المزيفة “بلغة الأغنية والتي لا تضم أسماء استوزرت ..فأفسدت ودائما بلغة الهيت المتماوج  فوق ترددات انفتاحنا الإعلامي …إلا أن هكذا شروط لا تتوفر في جملة الأحزاب الممثلة في البرلمان ؛ لأنها بعد 2011 تعتبر كلها مساهمة في التدبير ؛ بطريقة مباشرة في الأغلبيات الحكومية ؛ أو لكونها مشكلة من كتل برلمانية حملها الترحال إلى العلامات الحزبية الوافدة ؛ بعد أن ساهمت بشكل أو بآخر في أغلبيات غير   ثابتة بفعل وباء الترحال ..وبالتالي دفتر التحملات هذا لن  يجد مواصفاته  إلا في أطياف حزب الممانعة الكبير المكون   من يسار ممانع  وجماعات محظورة ومناضلي حركة 20 فبراير والذي لم تقدم الدولة أي خطوة أو مبادرة في اتجاهه في ظل أجندة انتخابية  مباغتة، مكدسة بالغموض والترقب فما العمل إذن ..؟؟
ويمكن أن نسترسل في تحليل الموضوع  بمنطق هذا النغم الذي يملأ يوماً بعد يوم  قناعات شباب عريض ؛ ويحشو فراغ التكوين السياسي برسائل غير سليمة تستلمهم داخل منظومات ملغومة تواطأت فيها السياسات التعليمية الهزيلة مع شذوذ المشهد السياسي متبلا بالسلطوية،   وتجاهلها التحولات  الكبيرة وضعف الشباب أمام خطاب التخوين والتيئيس والذي لا يُنتج  غير  الغلو والتطرف مخرجاً ؛ والذي لن يفهم ما معنى أن يأخذ حقه في التصويت دون أن يأخذ حقه في فهم ما حدث وما يحدث حوله ؛ ولا حقه في معرفة لماذا “الووزارا” بالضرورة “شفارة” وهل يمكن أن ننخرط في مسار الدمقرطة بحكومات تتنافس إذاعاتنا الخاصة على وصفها بالمزيفة   ؛وكيف  سيجد المواطن المأخوذ برزنامة يومه المتعب وهمومه الكثيرة وانكساراته، زمناً أو دافعا أو إرادة للانخراط في مسلسل التقييد في اللوائح ولا نقل التقييد ولا التشطيب ولا الطعن ولا كل هذه الإجراءات  من أجل اختيار منتخبين ووزراء تميل  جل الإذاعات الخاصة إلى أنهم “شفارة” دون أن تحدد لونهم ولا فترة تدبيرهم ولا أسماءهم ؛ ولا طبيعة المسروقات،  وكيف  سيقرر المواطن المنكسر أن يختصر من زمنه المعقد ما يتتبع به الإصلاحات الدستورية والصلاحيات الحكومية و ًالبرلمانية وكل ما تقوله الدولة والهيئات السياسية ؛ ما دامت حكمة “حكومة بلعاني ” مازالت تسبح على ترددات إذاعاتنا بشكل يفوق الوصف ؛ مدعومةً ببرامج  متعددة تنتحب دون أناة على أوضاع السياسيين والأحزاب ؛ وتحملهم كل مساوئ الاختيارات العمومية ؛ وتلوي آذانهم ؛ وتبتر استرسال القراءات التحليلية عند خط مسؤولية الأحزاب غاضة الطرف عن تورط الدولة ورجالاتها ؛ ومخططاتها وخيوطها ؛ وابتكاراتها الحزبية  وإدارتها في صناعة  المشهد السياسي القائم واحتكار المستقبل بضغط الواقع والممكن .
أعتقد أن استمرار نهج استراتيجية تنفير الشعب من السياسة رغم انكماش أحزاب الرحم الشعبي يرجع الآن   بالأساس إلى أطروحات نسف التاريخ  وتشييد قطيعة مفتعلة  مباغتة ؛ تقلب صفحة الشرعية التاريخية والنضالية ؛ لتصنع ملامح مغرب  جديد بفاعلين جدد لا يلوكون في كل محطة مطلباً إصلاحياً متقدماً ؛ ولا يتنافسون  على  الشرعية التاريخية ؛ ولا يذرفون شهداء ومخطوفين ومعتقلين ؛ ولا يملكون صوراً بالأبيض والأسود لزعماء عاشوا الاستعمار والاستقلال والاستبداد والفرج ؛ فقط يتحدثون عن المغرب الجديد كبشرى  من السماء  والدستور الأخير كمنحة الحراك العربي ؛ والإصلاحات كقدر ..والحريّة كنبات بري لم يسقه
دم المناضلين والمختطفين  ولم تكتبه بالنار والحديد سياط الاستبداد فوق جسد  الصف الديمقراطي ؛ فهل يمكن أن ترتفع  هامة الوطن أمام قضاياه الكبيرة ورهاناته المصيرية دون ..تاريخ …لا أعتقد ..وهل يمكن أن يبنى نظام ديمقراطي دون ..سياسة ..لا أعتقد.

الخميس19 مارس 215