ثمة عدة مداخل للتحليل الذي يمكن أن يقدم عددا من الممكنات الذهنية التي تخص حاضر ومستقبل العالم العربي والإسلامي والتي يحتمل أن تنطوي على إجابات تنقل إحدى تلك الممكنات من المستوى التصوري إلى المستوى الواقعي. من هذه المداخل اثنان يتصلان بواقعنا الراهن اتصالا مباشر: أحدهما يعود بنا إلى منتصف القرن الماضي، والثاني يعود بنا إلى بدايات هذا القرن. الأول كتاب للكاتب الأمريكي، الشهير بانتقاده للصهيونية، ألفريد ليلينتان وهو بعنوان “هكذا يضيع الشرق الأوسط” (صدرت الترجمة العربية له عام 1957) ألفه بعد كتاب له ذائع الصيت عنوانه “ثمن إسرائيل”. والفكرة الرئيسية في الكتابين، أو قل القاسم المشترك بينهما، هو أن الشرق الأوسط يفلت من يد الغرب، وبالتحديد من يد الولايات المتحدة الأمريكية، ليسقط في أحضان العدو (الاتحاد السوفيتي)، بسبب تأييده -أعني الغرب-ا للحركة الصهيونية بدءا من وعد بلفور عام 1917، إلى صدور قرار تقسيم فلسطين من الأمم المتحدة عام 1947. أما السبب الذي كان وراء وعد بلفور، وهذا ما يهمنا هنا، فيعبر عنه المؤلف بقوله: “في عام 1917 لم تجد الحكومة البريطانية بدا من إصدار وعد بلفور كتدبير حربي ضد الدول الوسطى” (ألمانيا، النمسا، المجر، بلغاريا، الدولة العثمانية، وهي الطرف الآخر   في الحرب العالمية الأولى ضد: فرنسا بلجيكا، إنجلترا إيطاليا روسيا… ثم الولايات المتحدة الأمريكية. إن هذا يعني أن زرع إسرائيل في جسم الشرق الأوسط كان تدبيرا أملاه الصراع الدولي/ الأوروبي الذي كان من وراء الحرب العالمية الأولى (والثانية أيضا). كان، في القصد الأول على الأقل، تدبيرا حربيا ضد العدو أملاه الصراع الدولي من أجل المصالح وليس العقيدة الدينية أو القومية. زرع إسرائيل في جسم العالم العربي لم يكن، في العمق، غاية في ذاته بل كان وسيلة لغايات أخرى.

وإذا نحن تتبعنا سلاسل الأسباب والمسببات التي تخص هذا المدخل سنصل في نهاية المطاف إلى النتيجة التالية وهي أن قضية فلسطين قضية تقع بالدرجة الأولى في قلب الصراع الدولي. أما المظاهر الأخرى مثلأن الاتحاد السوفيتي كان أول من اعترف بإسرائيل، ثم تحول إلى مناصرة العرب ضد إسرائيل، ومثل عداء الغرب للقومية العربية تارة وتعامله مع التيارات الإسلامية أو انقلابه ضدها تارة أخرى الخ، فتلك مجرد متغيرات، أو سلاسل صغرى ضمن السلسة المحور، أعني الصراع الدولي.

تلك هي النتيجة التي يقدمها لنا التحليل إذا نحن انطلقنا من المدخل الأول. وهي نتيجة صحيحة ولكنها تبقى مع ذلك قاصرة عن تفسير “القضية العراقية” كما هي الآن. ونحن نعني بـ”القضية العراقية” ما نعنيه بـ “القضية الفلسطينية”، ولكن مع هذا الفارق، وهو أن الصراع في فلسطين اتخذ شكل “صراع عربي إسرائيلي”، جوهره احتلال إسرائيل لأرض فلسطين وإقامة دولتها فيها مكان الدولة الفلسطينية. ومع أن الولايات المتحدة تحتل العراق الآن وتعمل من أجل إقامة “دولتها” فيه بواسطة من تختارهم وترضى عنهم وتثق فيهم، فإن الفرق بين حال القضية الفلسطينية وحال القضية العراقية هو أن الصراع الذي يجري الآن في العراق، بل من أجل العراق، ليس من نوع “الصراع العربي الإسرائيلي”، ولا من نوع “الصراع بين الغرب والإسلام”، ولا من نوع الصراع بين الإمبريالية والعالم الثالث الخ! وإذا كانت هذه الصراعات حاضرة –وهي حاضرة بالفعل- فإن حضورها الآن ليس بالقصد الأول، بل هو حضور بالتبعية أو بالنتيجة.

من هنا نجد أنفسنا مضطرين إلى البحث عن مدخل آخر للتحليل يضعنا في قلب الصراع الدولي الذي يجري الآن في الشرق الأوسط، لا بل من أجل “الشرق الأوسط الكبير”. ذلك ما عنيناه بـ “المدخل الثاني” الذي جاء على غرار تصريح بلفور، واضحا صريحا. إنه تصريح كولين باول وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية الذي أدلى به قبل أسابيع فقط وقال فيه: “إننا سنعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بالشكل الذي يتفق مع مصالحنا”. فماذا تعنيه بالضبط هذه العبارة؟

هناك معطيان رئيسيان في هذه العبارة، أولهما : قوله : “إننا سنعيد رسم خريطة الشرق الأوسط”. وثانيهما: قوله “حسب مصالحنا”!

المعطى الأول يطرح السؤال التالي: كيف! ألم تكن الولايات المتحدة الأمريكية حاضرة وفاعلة في خريطة الشرق الأوسط الحالية منذ أن رسمت، ألم تكن هذه الخريطة تخدم مصالحها؟

أما المعطى الثاني فيطرح السؤال التالي: ومن رسم خريطة الشرق الأوسط الحالية، وكيف جرى أن أصبحت  تتطلب إعادة رسمها لكونها لم تعد تخدم المصالح الأمريكية؟

خريطة الشرق الأوسط الحالية شكلتها أوروبا في أوائل القرن الماضي كتدبير حربي ضد “الدول الوسطى” في الصراع الدولي الذي كان يجري آنذاك -داخل أوربا- ليتطور إلى حرب عالمية لم يكن الشرق الأوسط طرفا فيها بل موضوعا لها. وبمجرد انتصار “دول التحالف” بانخراط الولايات الأمريكية المتحدة فيها أخذت بواقيها ومخلفاتها تتطور إلى حرب عالمية ثانية انتصر فيها الحلفاء بتدخل الولايات المتحدة. ولم يمر وقت طويل حتى تحولت هذه الحرب إلى “حرب باردة” بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وعندما انهار الاتحاد السوفيتي وانتهت الحرب الباردة بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن العدو الذي يحتمل أن يقف في وجهها غدا. وبسرعة فائقة عممت الدعاية الأمريكية فكرة أن العدو غدا هو “الإسلام”! ومع أن البلاد العربية، والشرق أوسطية، والبلاد الإسلامية عموما، كانت تحت الهيمنة الأمريكية فقد أصرت الدعاية الأمريكية على تكرار مقولة “الإسلام هو العدو غدا” وذلك حتى قبل أن يظهر اسم ابن لادن على المسرح.

الحقيقة أن مقولة “الإسلام هو العدو غدا”، كما كان يقال منذ انهيار الاتحاد السوفيتي أو مقولة “الإسلام هو العدو اليوم”، كما يتكرر القول منذ ظهور ابن لادن بمظهره الراهن، هي عبارة خادعة تخفي اسم العدو الحقيقي! إن الإسلام سواء كدين أو كأقطار وأمم، عربية وغير عربية، ليس هو “النقيض” الجدلي، لمصالح الولايات المتحدة حتى يكون عدوا لها، فالولايات المتحدة تقضي مصالحاها في العالمين العربي والإسلامي “مجانا” وأحيانا كثيرة بالتوافق والتراضي والتواطؤ!

عدو الولايات المتحدة الحقيقي هو من ينافسها في مصالحها وفيما تطمح إليه من الاستفراد بقيادة العالم. فمن هو إذن؟ إنه ليس الصين لأن الصين ما تزال في بداية الخطوة الأولى من الألف خطوة! إنه ليس الروس، لأن الروس لم يلملموا بعد جراحهم الناتجة عن انهيار الاتحاد السوفيتي! إنه ليس اليابان، لأن اليابان رغم قوتها الاقتصادية وحضورها التكنولوجي في عالم اليوم ليست منافسا للولايات المتحدة في الشرق الأقصى حيث موقعها، بله الشرق الأوسط!

المنافس الوحيد، بل العدو الاستراتيجي الوحيد الذي تخوض الولايات المتحدة الأمريكية ضده صراعا دوليا، خفيا تارة وظاهرا تارة، صراعا في مستوى الصراع الذي خاضته مع الاتحاد السوفيتي هو: أوربا. أوروبا، التي خرجت من الحرب العالمية الثانية منتصرة بفضل تدخل الولايات المتحدة، هي وحدها الطرف الذي يشكل اليوم بالنسبة لمشروع حكام بلاد “العم سام”، ما يوصف في الدياليكتيك بـ “النقيض الذي يخرج من جوف الشيء”. لقد تحولت أوربا مع الحرب العالمية الثانية –وبفضل التدخل الأمريكي ومشروع مارشال الخ- من أوربا “قديمة” إلى “مشروع أوربا جديدة”، وهي الآن فعلا أوروبا جديدة ، اسمه الاتحاد الأوربي: سكانه يفوقون عدد سكان الولايات المتحدة، وسيزداد عددهم بانضمام الدول المرشحة من شرق أوروبا بما في ذلك تركيا، الحليف التقليدي للولايات المتحدة! وليس من المستبعد أن يتحقق غدا طموح روسيا في هذا الاتجاه. والاتحاد الأوروبي ليس منافسا للولايات المتحدة في حجم السكان ككم عددي، بل أيضا وهذا هو المهم، في اليد العاملة المدربة والقوى الإنتاجية والمستهلكة، كما في العملة المرجع (واليورو اليوم متفوق على الدولار)، ويجب أن لا ننسى منافستها على مستوى القوى العسكرية المتطورة، النووية وغير النووية الخ.

بعبارة واحدة: الصراع الدولي القائم اليوم هو بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي (بقيادة فرنسا وألمانيا، وإسبانيا التي عادت إلى حظيرتها الأوروبية مؤخرا). وغير خاف أن الخصم المكروه الذي يحتل مكان الصدارة في الوعي الأوروبي، الشعبي منه والنخبوي هو أمريكا، مثلما أن وسائل الإعلام الأمريكية تغرس الكراهية للفرنسيين والألمان في صدور الشعب الأمريكي… وهذا شيء كشفت عنه بوضوح مظاهر الابتهاج، الظاهر والخفي، عندا أصيبت الولايات المتحد بضربة 11 سبتمبر: أغلبية أوربا شعوبا ونخبا “أرادتها فيهم”. وهذا لم يكن سرا لا من بعد، ولا من قبل.

خلاصة هذا النمط من التحليل إذن هي أن تصريح كولين باول الذي قال فيه “إن الولايات المتحدة ستعيد رسم خريطة الشرق الأوسط”، يعني شيئا واحدا هو التالي: لقد رسمت أوروبا عقب الحربين العالميتين في النصف الأول من القرن العشرين خريطة الشرق الأوسط بالشكل الذي يخدم مصالحها، وعلينا نحن الآن، وقد انتصرنا في الحرب الباردة التي تخللتها عدة حروب ساخنة خاضتها الولايات المتحدة… علينا الآن وقد اتضح أن أوربا شيء ونحن شيء آخر، يجب أن نعيد تشكيل خريطة الشرق الأوسط بما يخدم مصالحنا.

الصراع الدولي القائم الآن هو بين أوروبا والولايات المتحدة، والمظاهر الدالة في هذا الصراع هي الآن أكثر من أن تحصى: العقوبات الاقتصادية المتبادلة من خلال المنظمة العالمية للتجارة، الخلاف حول القضية الفلسطينية، الحيلولة دون قيام أوربا بأي دور في باكستان والعراق والسودان الخ. ردود فعل أوربا في مجلس الأمن ضد القرارات التي تصوغها الولايات المتحدة كـ”اقتراح”، وقد ظهر ذلك واضحا جدا قبل استفراد الإدارة الأمريكية ب”قرار” الحرب على العراق، التنافس على المغرب العربي، مشرع الشرق الأوسط الكبير مقابل مشرع حوض البحر الأبيض المتوسط الخ، الخ.

ويتساءل القارئ: وأين العالم العربي والإسلامي؟

الجواب واضح: إنه موضوع لهذا الصراع، وليس طرفا فيه.

بعبارة أخرى : لقد أدركت أمريكا أن الاستفراد بالشرق الأوسط، الذي تريد له أن يكون كبيرا ليشمل تركيا وإيران وباكستان الخ، هو وحده الذي يضمن لها تحقيق طموحها بالاستفراد بقيادة العالم.

من أجل ذلك قلنا ونعود فنقول: إن مصلحة أمريكا في هذا الصراع تقتضي “التصالح” مع أية جهة تقوم بأي عمل في الشرق الأوسط من شأنه أن يضعف مركزها ويترك المجال لمنافسة أوربا لها. والدور الآن هو مع الإسلاميين، لأنهم وحدهم يهددون اليوم، بواسطة ما تسميه “الإرهاب”، مصالحها في هذا الشرق الأوسط الكبير!

هذا النوع من التحليل اهتم بالصراع الدولي على الشرق الأوسط ولم يهتم بعلاقة الشأن الداخلي لبلدان هذا الأخير بهذا الصراع. وسيكون لنا في هذا الشأن قول، نختم به هذا الموضوع.