ليس المشهد الثقافي المغربي بتلك القتامة التي توحي بها بعض التقييمات والآراء . هناك فعلا اختلالات ومفارقات وظواهر مخلة بوظيفة الثقافة والمثقف ودورهما في المجتمع، ولكن قبل أي رصد لها وحديث عنها سيكون من بال الموضوعية والإنصاف الاعتراف بما راكمته الثقافة المغربية، فكرا وأدبا وفنونا من إنجازات هامة على طريق التحديث الفكري والنهضة الثقافية المأمولة وذلك رغم مختلف العوائق والإكراهات الموضوعية والذاتية، ورغم مقاومات قوى التقليد والمحافظة والاستبداد لكل جديد وتنويري في حقل الفكر والإبداع . وهاهنا تحضرني مشاريع ثقافية كبرى أضحت مرجعا لا غنى عنه ، أذكر منها على سبيل المثال مشروع عبد العروي ، ومشروع الراحل محمد عابد الجابري، ومشاريع عبد الفتاح كيليطو ومحمد مفتاح في الحقل الأدبي ، إضافة إلى إسهامات جيل جديد ونوعي من المفكرين والباحثين في مختلف المجالات الفلسفية والأدبية وفي العلوم الاجتماعية ، ومن المبدعين في الأدب والفنون ..
بناء على هذا الإقرار بخصوبة الحقل الثقافي المغربي ونوعية إنتاجاته وتنوعها ، يمكن وصف الوضع الثقافي بأنه دينامي ، تراكمي ومتعدد «، « يتبارى» فيه أكثر من مشروع ومدرسة، ويحتضن خطابات متنوعة ومختلفة بل ومتعارضة كذلك : الخطاب النقدي العقلاني التنويري التحديثي ، إلى جانب ، وفي مواجهة ، الخطاب الماضوي المكرس لقيم المحافظة والتقليد. ويمكن ملاحظة أن الخطاب الأول أكثر فاعلية وإنتاجية وجاذبية، كما يعكس ذلك مثلا الخطاب النقدي للتراث والخطاب النسائي و الخطاب الحقوقي والخطاب الأمازيغي.. ، وهي الخطابات التي حطمت الكثير من» الطابوهات»، وأسست لمقاربات أكثر جرأة لمظاهر تخلف مجتمعنا الفكرية منها والاجتماعية والقيمية .. ولا يسع المجال هنا لعرض أمثلة من تلك الخطابات والمقاربات ..
في ضوء هذا التوصيف العام للمشهد الثقافي من حيث نوعيته وإنتاجيته وتراكماته المعرفية والإبداعية ، يتضح أن الفاعل الرئيسي والمحرك لدينامية الحقل الثقافي المغربي هو المجتمع المدني بمختلف مكوناته وأطيافه : مبدعون ومفكرون ومتخصصون في العلوم الاجتماعية وحقوقيون ..الخ منتظمون في هيئات أو مراكز للبحث أو جمعيات واتحادات، وليس الدولة ، فالدولة يبقى دورها الثقافي جد محدود في هذه الدينامية والحيوية التي وسمت الفعل الثقافي بالمغرب منذ السنوات الأولى للاستقلال.

إن نقطة الضعف الأساسية للمشهد الثقافي المغربي هو الاستقالة شبه التامة للدولة من مسؤولياتها في توفير الشروط المادية والمؤسسية للنهوض بالفعل الثقافي وجعل إشعاعه متاحا في كل الفضاءات بربوع البلاد ، فدور الدولة في هذا المجال ينبغي أن يتمحور حول توفير البنيات التحتية الضرورية للممارسة الثقافية وتوزيعها بشكل متوازن وعادل بين المدن والقرى على الصعيد الوطني . إن سياسات الدولة العمومية فشلت خلال العقود الماضية في سن استرتيجية ثقافية مندمجة في مجهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، وتعاطت مع الشأن الثقافي بمنظور فولكلوري ومناسباتي للثقافة، وببخل ما بعده بخل في الإنفاق على مشاريع ثقافية جادة يتم تبريره دائما من طرف الوزارة الوصية بهزالة الميزانيات المخصصة لها، وفي ذلك اعتراف منها بأن الثقافة هي آخر ما اهتمت وتهتم به الحكومات المتعاقبة . وهكذا تحولت وزارة الثقافة في الحكومات المتعاقبة _ على اختلاف مشارب وانتماءات الوزراء المعينين _ إلى مجرد جهاز إداري يسير أضعف ميزانية ، ويبرمج كيفية تصريفها تحت عنوان « الدعم « الذي هو في واقع الأمر « صدقة» موزعة بمعايير لم تكن دائما مرضية ، ويشرف ( الجهاز الإداري) عل تنظيم مهرجانات بلا أثر ولا وقع ولا إشعاع، ليبقى المعرض ا لدولي السنوي للكتاب وحده أبرز منجزاته …
وإذا أضفنا إلى غياب سياسة ثقافية عمومية للدولة ، غياب مؤسسات ثقافية مهيكلة ونشيطة ومتجاوبة مع « الطلب على الثقافة «، فإن صورة المشهد المختل ستكتمل أمامنا ، خاصة وأن المؤسسة الثقافية التاريخية التي احتضنت المثقفين على مختلف انتماءاتهم ومرجعياتهم ومجالات تخصصهم المتمثلة في اتحاد كتاب المغرب ، دخلت منذ سنوات في حالة من التواري والتراجع بفعل أسباب لا ثقافية في جلها مما أفقد هذه المؤسسة التي أصبحت « ذات منفعة عامة» وهجها وإشعاعها ومصداقيتها في عيون نخب كثيرة من المثقفين والباحثين والمبدعين .. وما يجري اليوم داخلها وبين « أهلها « هو خير دليل على ما بلغته معضلة المأسسة للفعل الثقافي من مأزق حقيقي .. وأنا أطرح مسألة الحاجة إلى مأسسة المشهد الثقافي في ظل محدودية فعل وزارة الثقافة ، وتراجع دور اتحاد كتاب المغرب أتساءل هنا : ألم يحن الوقت لتعويض وزارة الثقافة « بمجلس وطني أعلى للثقافة» يأخذ فيه المثقفون الفاعلون أمور تدبير الشأن الثقافي بأيديهم، ويتمتع بالاستقلالية التي تفرضها طبيعة الممارسة الثقافية ؟

لاشك في أن المتابع للوضع الثقافي المغربي ستوقفه سمة أصبحت من سماته المميزة له تتمثل في تعدد وتنامي مراكز الأبحاث والدراسات في مختلف الحقول والتخصصات ، وهي سمة تعكس ما سميته دينامية المشهد الثقافي المغربي وتعدديته ، إلا أن هذا « الانفجار» للمشهد الثقافي برغم إيجابياته على المستوى العلمي التخصصي فإنه فتت هذا المشهد ، بحيث أصبح عبارة عن « أرخبيل من الجزر» : فلا تواصل ولا تفاعل بين هذه المراكز، ولا تركيب لإنجازاتها العلمية ، رغم ما لبعضها من إضافات نوعية في مجا ل البحث الاجتماعي والدراسات الاقتصادية والاجتماعية والقانونية والحقوقية ..
ولعل من المظاهر التي تضفي كثيرا من « الضبابية « عل المشهد الثقافي أيضا ظهور نمط من المثقفين ك « المثقف الخبير « و» المثقف الإعلامي « ، وهو نمط أصبح مغريا في عصر الصورة وتكنولوجيا الاتصال الجديدة ، ما جعل فئة من المثقفين من هذا النوع تنشغل أكثر بصورتها وكيفية تسويقها أكثر من اهتمامها بالخطاب ذاته المطلوب إتقان تبليغه ما يفسر تهافت هذا النمط من المثقفين على تناول جميع الموضوعات تحت صفة « محلل أو خبير « ، ولنا أمثلة كثيرة عن مهازل بعضهم وهم « يتعالمون « في ما يجهلون …
هناك أيضا نقيصة أساسية في الوضع الثقافي المغربي اليوم وهي التراجع الكبير للتناول النقدي للإنتاج الأدبي على غرار ما كان عليه النقد الأدبي خصوصا في السبعينات والثمانينات ، ما أدى إلى تراكم إنتاجات أدبية في الشعر والقصة والرواية وفي المسرح والسينما دون أن تواكبه عملية نقدية تساهم في التطور النوعي للعملية الإبداعية عموما ، وفي التواصل بين الفاعلين في المجال الثقافي بدل الميولات السلبية ، التي أضحت مهيمنة ، نحوالانعزالية والفر دانية و اللاعتراف بالآخر أو تجاهله.. وكلها مسلكيات تعبر، إلى جانب أخرى، عن اهتزاز في القيم لا يتلاءم مع غايات الفعل الثقافي عموما .
تلك بإيجاز بعض أعطاب المشهد الثقافي المغربي ، والتي بالإمكان تجاوزها بمأسسة التدبير العقلاني للشأن الثقافي، و بدعم مجهود ومشاريع الفاعل الثقافي ماديا ومعنويا ، أشخاصا وهيئات وجمعيات ومراكز أبحاث وأندية ثقافية …الخ ، و بالعمل الجماعي والإشعاعي التنويري الذي يربط الجسور بين الإنتاج الثقافي وبين أوسع فئات المجتمع ، و بإعادة الاعتبار لقيم التواضع والاحترام للاختلاف ، والحوار المنتج والمحفز على عطاء دائم ونوعي ، ثم بالانخراط الفاعل والموجه في دينامية التحولات الجارية في المجتمع بدل التعالي عليها ، وبكلمة : مثقفونا مطالبون اليوم ، جماعات وفرادى، كل من موقع تخصصه، أن « يشعلوا شمعة بدل أن يلعنوا الظلام ، و يستعيدوا المبادرة ، إذ لا تقدم ولا إصلاح ولا تغيير بدون الدور الفاعل والوازن والمؤطر للثقافة والمثقفين ..