ما نقصده بالدولة هنا هو الدولة المدنية الحديثة, دولة الحق والقانون والمؤسسات. وكما هو معروف فإن هذا النموذج لكيان الدولة الذي عرفته اوربا في العصر الحديث جاء حصيلة تطور الفكر السياسي الإنساني عبر حقب التاريخ المتتالية. فمنذ نموذج المدينة-الدولة في المدن الإغريقية والرومانية وقبلها تجارب أنظمة الحكم في بلاد الرافدين وسورية ومصر وفارس والهند والصين مرورا بالعصور الوسطى والحديثة عاشت البشرية صراعا متصلا كان هدفه الأساس التوصل الى الصيغة الأفضل لتدبير الناس شؤونهم وكفالة الأمن والحقوق الأساسية وضمان حرياتهم ومصالحهم بما لا يتناقض أو يهدد مصالح الجماعة التي ينتسبون اليها.
في أوربا التي كانت السباقة في تدشين صيغة الدولة الديمقراطية الحديثة كما أسلفنا حصل ذلك نتيجة تطور صراع مجتمعي شمل مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والفكرية وحتى الدينية. فلقد شهدت نهاية العصور الوسطى في أوربا محطة نوعية في مسار الصراع بين الكنيسة ورأسها البابا من جهة, وبين الملكيات الإقطاعية الفيودالية من جهة ثانية, تميزت بتحديد سلطة الكنيسة وتعزيز سلطات الملكيات المطلقة في أوربا. وكان لويس الرابع عشر خير معبر عن هذا الوضع الجديد بقوله: أنا الدولة والدولة أنا. بعد ذلك تتابعت هذه المحطات في مسار التطور المجتمعي الأوربي فيما يتعلق بطبيعة السلطة والدولة ووظيفتها نذكر في هذا المجال الثورة الانكليزية ومن ثم ثورة الاستقلال الأمريكية وتوج ذلك بقيام الثورة الفرنسية التي تبنت مبادئ حقوق الفرد المواطن الأساسية في الحرية والمساواة والأخوة الإنسانية وطرحت لأول مرة صيغة العقد الإجتماعي في بناء الدولة الأمة (روسو) كما أرست مبدأ فصل سلطات الدولة الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية (مونتسكيو).إن هذا لايعني أن مسار الاجتماع السياسي والتقدم في بناء دولة المواطنة الحديثة قد تم في أوربا في منحى مستقيم ومتصاعد بل إن هذه العملية عرفت تراجعات وارتدادات عديدة ولنتذكر هنا مثلا أن مساواة المرأة في جميع الحقوق السياسية مع الرجل لم تتحقق في معظم الدول الأوربية إلا منتصف القرن الماضي ومثل ذلك يقال عن إنهاء قوانين التمييز .

أما بالنسبة لمسار تطور الفكر السياسي العربي فإن القراءة الموضوعية لتاريخ الحضارات العربية قبل الاسلام ومن ثم للحضارة العربية الإسلامية عبر مختلف مراحلها والممالك التي قامت في إطارها, تبين بكل جلاء أن هذه الحضارة قد قدمت للانسانية إلى جانب نشر الدعوة الإسلامية مساهمات متميزة في مضمار العلوم والفلك والطب والفلسفة, غير أن الفكر السياسي باعتراف معظم المؤرخين يمثل الجانب الأفقر في تراثنا الفكري. إن هذا الإخفاق والقصور الذي استمر وبدرجات متفاوتة بين مجتمع عربي وآخر في إرساء حياة ديمقراطية سليمة وبناء دول حديثة ليس مرده بالتأكيد نقص بنيوي في تكوين وقدرة شعوب هذه الأمة لكن هذا الأمر يرجع إلى ظروف تاريخية معينة عاشتها الشعوب والكيانات العربية, قرون ممتدة لم تمارس فيها السياسة واضطهد فيها الفلاسفة واصحاب الرأي المخالف لجبروت وسلطان الحكام, ومن جانب آخر فان العرب كما رأى بن خلدون في مقدمته قد حرموا خلال العصر الوسيط من وجود دول مستقلة مستقرة الأحوال, لأن الدولة هي مدرسة السياسة العملية في عرف فلاسفة الإغريق الأوائل الذين اعتبروا ممارسة السياسة جزءا أساسيا من واجبات المواطن الصالح وكامل الحقوق. هذا الوضع وما جر إليه من فشل الكيانات العربية في بناء دول حديثة حتى الوقت الراهن ماهي اسبابه؟
حاول علماء الاجتماع السياسي العرب تحديد هذه العوامل والأسباب بمجموعتين: خارجية تتمثل بالاحتلال والسيطرة الاستعمارية المديدة التي خضعت لها البلدان العربية واستمرت حتى منصف القرن الماضي والتي كان آخر حلقاتها المشروع الصهيوني. هكذا فإن استمرار هذا الوضع قد حرم الكيانات العربية من بناء دول عربية مستقلة واستنزف طاقاتها وثرواتها وحال بالتالي بينها وبين استكمال تطورها الطبيعي ومواكبة مسار التطور الحضاري الانساني في العصر الحديث. وهناك العوامل والأسباب الداخلية أو الذاتية فالدولة العربية لم تعد منذ القرن الثالث الهجري, أي منذ عهد المعتصم, دولة موحدة أضحت كيانات ودول وممالك متعددة في إطار حضاري مشترك وقد خضعت تلك الكيانات المذكورة إلى عملية التناوب في المجموعات والقبائل والأقوام التي كانت تحكمها الى جدلية البادية – الحاضرة أو الريف والمخزن كما أوضح ذلك ابن خلدون. علينا أن نضيف إلى جدلية الصراع المتكرر بين البادية والحاضرة عاملا موضوعيا آخر ساهم بلا شك في ركودة المجتمعات العربية وإعاقة تطورها وهو المتمثل بنمط الانتاج الآسيوي أي أسلوب الإنتاج الخراجي حيث الدولة السلطانية هي التي تملك الأرض والفلاحون يستثمرون الحصة الممنوحة لهم لحسابها وحيث لم تعرف الكيانات العربية حتى استقلالها نفس طبيعة المرحلة الاقطاعية التي عرفتها أوربا في مطالع العصر الحديث. والخلاصة فإن مسار التطور المجتمعي في الكيانات العربية وخاصة في بناء مجال الدولة الحديثة لم يكن مسارا موحدا من بلد لآخر ولم يكن مسارا متقدما على الدوام بل شهد ارتدادات وتراجعات أدت إلى الواقع الذي تعيشه الشعوب العربية اليوم والذي تواجه فيه تحديات المصير فإما أن تنجح في صنع المستقبل الذي هي جديرة به وإما أن تكرس عطالتها وتديم تخلفها عن ركب التطور العالمي.

كان الفكر السياسي في الحضارة العربية وبخاصة فيما يتعلق ببناء أنظمة الحكم ووظائفها فقيرا. فإذا كانت شرائع حمورابي في الدولة البابلية تعتبر سبقا مميزا في القوانين التي صاغتها البشرية في أقدم عصورها, فإن دولة العرب بعد الإسلام قد اعتمدت على الدواوين وأشكال الإدارة التي وجدتها قائمة في البلدان المفتوحة. ذلك أن الإسلام لم يطرح شكلا من أشكال الحكم ولا صيغة معينة لبناء الدولة. فإذا استثنينا مرحلة المدينة فإن ماأعقب ذلك أي زمن الخلفاء الراشدين ومن ثم الدولة الأموية وبعدها العباسية وبقية الدول المتعاقبة إنما كانت كلها في طبيعتها وبنيتها سلطات دنيوية وان اتخذت من الدين مصدرا لا ضفاء الشرعية على قيامها واستمرارها. بالمفهوم الحقيقي للدولة وتحديد مقوماتها ووظائفها واختصاصاتها لم يكن هناك شكل معين للدولة في الاسلام بل: وأمركم شورى بينكم- وكما جاء في الحديث النبوي: أنتم أدرى بشؤون دنياكم. وقد رأى طه حسين في كتابه الفتنة الكبرى أن الدافع الأساس وراء كل الصراعات التي كانت تدور داخل دولة الخلافة إنما هوتحقيق الغلبة والوصول إلى الحكم والتمتع بالجاه والسلطان وان اتخذت تلك الصراعات قناعا لها ادعاءها الإخلاص لرسالة الاسلام وقيمه السمحة. إنها في حقيقتها صراعات دنيوية وإذا كان سلوك الحاكم من حيث رغبته إقامة العدل والمساواة بين الناس وتدبير شؤون الرعية يختلف من واحد لآخر فذلك يرجع إلى مدى تمثل هذا الحاكم والتزامه بقيم الاسلام الداعية إلى الإخاء والعدل والتسامح والرحمة . كان يمكن للمعتزلة زمن المأمون أن يدشنوا بداية مرحلة متميزة في تاريخ الفكر العربي لكن هذه المحاولة لم يكتب لها الاستمرار طويلا وأجهضت أيام المتوكل. بعدها وعلى صعيد الفكر السياسي لم يشهد مسار الحضارة العربية الاسلامية إنجازات جديدة فيما يتعلق بطبيعة الدولة ووظائفها, فلا المدينة الفاضلة للفارابي ولا كتاب الأحكام السلطانية لأبي الحسن الماوردي أضافا شيئا هاما إلى تراث الفكر السياسي العربي. بل إن الماوردي في كتابه هذا قد كرس سلطة الحاكم المطلقة باعتباره ظل الله على الأرض وأنه مخول بتغيير أحوال الرعية التي يسوسها حتى تتوافق مع رغباته ومع الصورة التي يريدها لها, وإن كان أي الماوردي مثل غيره قد أوصى الحكام بالعدل والتسامح وأوصى الرعية بالقبول والطواعية التامة لهؤلاء الحكام,أما أفكار ابن رشد في أواخر العصور الوسطى, وبعد النكبة التي حلت به ايام الخليفة المنصور فانها لم تجد طريقها لرفد وإغناء الفكر السياسي العربي بل هاجرت إلى أوربا لتشكل إسهاما معتبرا في النهضة الأوربية الحديثة. أما ابن خلدون واضع اللبنات الأولى في تأسيس علم العمران البشري أي علم الاجتماع كما عرف فيما بعد فقد ركز في مقدمته على وصف الواقع الذي عاصره في تاريخ العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر, وذلك في محاولة التعرف على الأسباب التي تؤدي الى زوال الممالك والسلطات والحلول مكانها وقد تركزت نظرته كما هو معروف في تصور أن تطور المجتمعات والدول التي تحكمها تستمر في دائرة مغلقة فبعد أن تحقق القوى والقبائل الغازية التي توحدها وتشدها العصبية الدينية أو القبلية, الغلبة على الدولة القائمة التي تكون قد ترهلت وفسدت وضعفت فإن الدولة الجديدة تمر بعد فترة قوة وازدهار بنفس الدورة التي سارت فيه سابقتها لتواجه بعدها نفس المصير ’تلك هي جدلية البادية الحاضرة التي استند إليها ابن خلدون في تفسير دوال الحكومات والأحوال في زمنه وفي البلاد التي عاش فيها وهو تفسير لا يتفق مع تطور المجتمعات الأخرى في عصره وخاصة في البلدان الأوربية التي عرفت تطورا وتقدما مطردا, كما رأينا, نقلها من سلطة الكنيسة المطلقة إلى الملكيات المطلقة في إطار مجتمع إقطاعي لا مركزي ثم إلى الثورات الاجتماعية التي أرست أسس ودعائم بناء الدولة الحديثة. وعندما جاءت الصدمة الكيانية, إثر غزوة نابليون بونابرت إلى مصر أوائل القرن التاسع عشر, كان لها في الواقع جانبان أحدهما إيجابي وهي تواصل وتعرف مجتمعات البلدان العربية على مختلف مجالات حياة المجتمعات الأوربية الصاعدة في طريق الرقي والتقدم, وثانيهما ضرورة مواجهة نتائج هذه الصدمة التي ترافقت بمطامع الهيمنة والاحتلال. إذا حاولنا هنا استرجاع السياق التاريخي لسيرورة الفكر السياسي العربي ابتداء من مطلع القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين تاريخ استقلال معظم البلدان العربية وخلاصها من الاحتلال الإستعماري المباشر سواء العثماني ومن بعده الغربي, وذلك في احتكاكه وتفاعله مع الفكر الأوربي الذي كان يشهد سيادة دور العقل وانحسار الفكر الغيبي من جهة وصعود الأفكار اللبيرالية والديمقراطية والعلمانية من جهة ثانية, فلا بد أن نقف عند محطات مهمة شكلت في وقتها دعوات جادة لكي تأخذ شعوب المشرق وخاصة شعوب البلدان العربية بالأساليب والمناهج التي أخذت بها وطبقتها الشعوب الأوربية في أنظمة الحكم وفي مجال الحريات الفردية والعامة فحققت بذلك نهضتها وانتقلت من الظلمات إلى النور وأصبحت تضطلع بدور المركز والقيادة بالنسبة للحضارة الإنسانية الشاملة. من هذه المحطات المهمة لا بد أن نشير هنا إلى الخلاصة التي جاء بها رفاعة رافع الطهطاوي بعد انتهاء رحلته التعليمية إلى باريز كما لابد من الإشارة إلى أهمية الأفكار التي طرحها خير الدين التونسي في كتابه: “أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك” ,مرورا بالدور التنويري لرواد النهضة الآخرين وفي مقدمتهم بطرس البستاني وجمال الدين الأفغاني وشكيب أرسلان ومحمد عبده وفرح انطون ونجيب عازوري وعبد الرحمن الكواكبي وآخرون..



هكذا ظلت أوضاع المجتمعات العربية عشية الاستقلا ل وبعد مرور نصف قرن على استقلالها وحتى تفجر انتفاضات الربيع العربي أمام تركة مجتمعية ثقيلة وفي ظل أنظمة سلطانية تتحكم بمصير البلاد والعباد. وخلال هذه المرحلة خاضت الشعوب العربية كفاحا متصلا وعرفت تجارب متعددة للتحرر من واقع التخلف والتجزئة والتبعية واللحاق بمسار العصر، غير أن هذا الكفاح لم يكلل حتى الآن بالنجاح المطلوب وهذا راجع من وجهة نظرنا إلى تخلف الفكر السياسي العربي في تياره الرئيسي الذي ظل حتى الوقت الراهن ضحية صراع الإشكاليات والثنائيات التي شلته وأفقدته القدرة على القيادة وبناء المستقبل المنشود. فمن الصراع حول اعتماد طريق الاصلاح التدريجي وتراكم المنجزات إلى انتهاج سبيل الانقلا ب والثورة وحرق المراحل, إلى المناداة بالعدالة والمساواة أومايسمى بالديمقراطية الاجتماعية بديلا عن الديمقراطية السياسية, إلى المناداة بتحقيق الوحدة العربية ومن ثم التوجه لتحرير فلسطين أم أن تحرير فلسطين أولا وبقية الأراضي العربية المحتلة سيفتح الطريق نحو الوحدة العربية, وكيف نتجاوز حالة التخلف هل بالرجوع إلى التراث والتمسك بأصالتنا وخصوصيتنا أم بالقطع مع هذا الماضي الذي يعتبر قيدا على قدرتنا في امتلاك مقومات وشروط المعاصرة ؟ والأخطر من ذلك أن المجتمعات العربية ما تزال تياراتها السياسية تتصارع ونحن في القرن الواحد والعشرين حول طبيعة الدولة التي تجسد إرادتها وتحقق لها أهدافها في الحرية والكرامة والتقدم: دولة دينية تعيدنا لعصر الخلافة الراشدة أم دولة عسكرية تضمن لنا الأمن والأمان في ظل حاكم مستبد عادل أم أننا نستحق بديلا آخر بفضل وعينا وتصميمنا شأن أمم العالم المتحضرة. وإذ يستمر صراع الثنائيات المدمر في مجتمعاتنا التي تواجه اليوم أقسى التحديات الوجودية, ألا يجدر بنا أن نطرح على أنفسنا هذا السؤال المقلق: ألسنا ما نزال نعيش في نهايات العصر الوسيط ؟ 

هكذا كان واقع المجتمعات العربية عشية خلاصها من السيطرة الاستعمارية المباشرة ونيل الاستقلال الوطني لكي تدخل بعدها في مرحلة صنع المستقبل الذي تستحقه. وأول التحديات التي واجهتها في هذه المرحلة تمثلت في بناء دول مدنية حديثة تستجيب لإرادة شعوبها في استكمال شروط التحرر الشامل وامتلاك مقومات الإستقلال الحقيقي. لم تكن تلك بالمهمة يسيرة الإنجاز أمام التركة التاريخية الثقيلة التي ورثتها في كافة قطاعات المجتمع بكل ماتتطلبه من موارد وطاقات وما تستدعي تنفيذه من خطط وسياسات. وأول تلك المهام المطروحة كان ضرورة اعتماد سياسات تنمية بشرية مستدامة تشمل كافة قطاعات المجتمع الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. سياسة تستهدف في مقدمة ما تستهدف القضاء على الأمية والجهل ومكافحة الفقر والمرض والبطالة, وردم الهوة بين الطبقات, وتركيز اهتمام خاص على تنمية الزراعة والصناعة الانتاجية, وتعزيز دور الطبقة الوسطى والمجتمع المدني والحرص الدائم على تحسين مستوى عيش وتأمين حقوق الطبقة العاملة.
ولم تنقض سوى سنوات معدودات على الحصول على الاستقلال الوطني حتى تم إجهاض مسار التطور الطبيعي في معظم تلك الدول مثل سورية ومصر والعراق واليمن والجزائر والسودان.. بفعل الانقلابات العسكرية. لكن تلك الأنظمة التي جاءت في مرحلة الخمسينات والستينات من القرن الماضي حيث كان العالم يعيش مرحلة تنافس وصراع محتدم ين المعسكرين الرأسمالي أو الغربي من جهة والمعسكر الاشتراكي أوالشرقي من جهة ثانية, تلك الأنظمة التي أقامتها الانقلابات العسكرية التي ترافقت مع موجة مماثلة طالت العديد من دول العالم الثالث وحركات التحرر الوطني لم تنجح في تحقيق الأهداف الأساسية التي نادت بها نتيجة انعدام الحياة الديمقراطية في الأقطار التي حكمتها ونتيجة التحديات والأعباء التي واجهتها بعد هزيمة الخامس من حزيران، كما أنها لم تستطع المحافظة على نواة الوحدة العربية التي قامت بين سورية ومصر ولا تحقيق أية خطوات جدية في مواجهة المشروع الصهيوني.
لقد تسبب النمو الديمغرافي بل الإنفجار السكاني غير المخطط الذي ترافق مع قصور مشروعات التنمية وعجزها عن تلبية متطلبات واحتياجات مجتمعاتها المتصاعدة بالإضافة إلى ظاهرة ترييف المدن وتوسع العشوائيات وأحزمة الفقر وما ترتب على ذلك من تزايد إفقار الطبقة الوسطى بكل فئاتها وتراجع حجمها ودورها باعتبارها ركيزة الاستقرار في المجتمع وعماد كل بناء ديمقراطي سليم. يضاف إلى ذلك ظاهرة هجرة الأدمغة والكفاءات ونزوحها إلى البلاد الصناعية المتقدمة مما أفقد البلدان العربية المعنية أهم أرصدتها وأدواتها من أجل النجاح والفوز في رهان التقدم والحداثة. وهذا ما أدى بدوره إلى تهميش منظمات وهيئات المجتمع المدني وتغييب أي دور فاعل لها، وعندما يغيب دور المجتمع المدني تفقد السلطة أي صفة تمثيلية لمواطنيها كما تفقد الدولة شرعية وجودها باعتبارها تجسد الإرادة الجماعية للشعب الذي تتولى إدارة شؤونه. لقد أدى تصحير الحياة السياسية ووأد الحقوق والحريات العامة طوال العقود الأربعة الماضية في الدول التي شهدت انتفاضات الربيع العربي إلى أن يظل مفهوم المجتمع المدني ودوره وإلى فترة قريبة بعيدين عن أن يحظيا بالاهتمام المطلوب في وعي وممارسات النخب الفكرية والثقافية والسياسية وفي الوقت الذي شهد فيه العالم خلال هذه الفترة الموجة الثالثة للتحولات الديمقراطية ظلت المجتمعات في المنطقة العربية تمثل حالة شذوذ واستثناء. لكن ما هو موضع إجماع اليوم بين كل القوى الوطنية والديمقراطية العربية ان عملية الانتقال الديمقراطي من أنظمة الاستبداد والقهر والفساد إلى الحياة الديمقراطية السليمة لا يمكن أن تنجح في الوصول إلى غايتها إلا بوجود مجتمع مدني مزدهر وفعال يرتبط أعضاءه برباط الإرادة الوطنية الواحدة ورباط المهنة والمصلحة الواحدة في تجاوز لكل أشكال الروابط ماقبل الوطنية.
قبل سنوات أربع عندما انطلقت الثورة السورية من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية كان الشيء المطلوب ومايزال, التعامل مع هذا الواقع المعاش والذي كان حصيلة التطور العام للمجتمع السوري وبخاصة في مرحلتي ما قبل وما بعد الاستقلال. مثل هذا التحدي الكبير كان ومايزال يتطلب من القوى الوطنية السورية أن تتسلح بالوعي وتمارس السلوك المطابقين لمهمات هذا الواقع والمؤهلين لبناء سورية الديمقراطية الحديثة. ولعل أول تلك المهمات الانطلاق إلى المستقبل المنشود على هدي رؤية استراتيجية واضحة ومقنعة, رؤية مجسدة لطموحات شعبنا وارادته ومستندة إلى قواه الحية وقدراته الذاتية قبل أي طرف آخر, وليس الدوران في متاهات الأجندات الأجنبية, الإقليمية والدولية, ولا الرهان على المنظمات الإرهابية بجميع مسمياتها التي تزرع الدمار والخراب في كل مكان والتي تشكل أخطر امتهان لقيم وتقاليد وهوية شعبنا ودوره المتميز عبر مراحل التاريخ المتعاقبة وإسهاماته الهامة في مسار الحضارة الانسانية.