لا يمكن أن نسلم ذكريات 23 مارس 1965 إلى الحنين لكي يدبرها بقانون الورشات المنسية، لأن هناك، اليوم ما هو حي في ذكرى الخروج الكبير في ذلك اليوم الحار من شهر معتدل المزاج.
نحن الذين باعنا تجار الذهب الجدد، مثل لوحات مسروقة، نعرف، بفعل التقادم أن هناك فائضا من الواقع الحي ، مازال في ذكرى نصف قرن على تمرد شعبي طلابي سياسي هز أركان البلاد، ونعرف أيضا أن شباب ذلك اليوم الرهيب . عبر خمسين سنة، مليئا بالأحلام، وأنه اليوم يطل على الستين والسبعين، بعيون تمرق في العتمة، مثل نجمات هاربة، لكنه يستعيد الذي فات بالكثير من الجدل المترنج، والبعض نسي ذلك اليوم من فرط ما تراكم عليه من غبار أو .. ثروات!
ما تبقى، فيه جزء من الموت الذي لم يعرف طريقه إلى النسيان كحل:جثة المهدي بنبركة، التي تتعقب الانتفاضة الطلابية والعمالية مثلما تتعقب شجرة اللوز الباهرة، شهرمارس المؤسس للربيع، تحمل بياض الحقيقة مثلما يحمل اللوز بياضه.. في يوم رمادي.
وجثث أخرى، تراكم عليها التراب، والأسئلة..
وما تبقى من ذلك اليوم أيضا ، هو جيل كله قاوم النظام ، بكل أنواع المقاومة (بما فيها الأدوات المشروعة أحيانا !!) ودخل المناطق السوداء فيه، وعرف المنافي وبقي في الزنازن، وكان عليه، في لحظة تلعثم التاريخ فيها بحس حقيقي، يستشرف به المستقبل، أن يدل المغرب على احتمال آخر غير الاستمرار في العنف والاستبداد. هذا الجيل قاد البلاد إلى مصالحة كبيرة، وهو جيل أيضا كان موضوعها من زوايا مختلفة.
وكان عليه أن يكون الجيل الشاهد بعد أن ظل جيل الشاهدة!
كان عليه أن يطوي الصفحة، أو الكتاب بدون أن يطلب ثمن الدم الذي كتب به كل حرف وكل نزف فيه..
وهو جيل مؤسسات عديدة في بلاد مرتبطة بالأفق الكوني، أو بالنافذة التي تطل على العالم (حقوق الإنسان، ومجلس الجالية كمثال..).
كان على الدولة، في لحظة صحوتها أو واقعيتها لا فرق أن تكتشف يساريتها في بناء الاحتمال الجديد للمغرب..
جيل آخر، عاد الى المعادلة الأولى في البداية الأصل:نحن من واد كبير سنرى فيه وإليه بما جزأنا به من روافد، من الشعر إلى المقالة ، مرورا بالتمارين الدراسية للسهر على العقل المغربي في الدراسة.
وبنى جيل من الجيل ذاته هوية أخرى مما وصل إليه المد اليساري الوطني من أدبيات أصبحت الآن تراث الدولة واليسار معا:المسلسل الديموقراطي.
كل مكونات هذا الجيل، كان عليه ، في الفترات الأخيرة أن تمتحن يقينياتها، على ضوء التطور الحاصل في المجتمع:يقين الثورة العارمة، يقين البروليتاريا، يقين الشعب الذي يوجد دوما على حق، يقين المدينة الفاضلة، يقين مناهضة الحرية البرجوازية.. ويقين الامتلاك النهائي والمطلق لحقيقة الأخلاق وحقيقة .. البديل من مواقع مناهضة النظام والتراث أيضا.
الجيل نفسه لم يستوعب فائض الحنين، وهو يرى البلاد تفيض عنه، ويهرق منسوبها على الجهة التي اعتبرها انتهت مع نهاية الخلافة الأولى، وإذا بها تعود وتمد لسانها طويلا وتضع في الخانة نفسها مع الآخرين (نظاما، وغربا .. وغرباء!) بدون أن يجد الأدوات لكي يصرح طويلا:إنا من صناع هذا القرن!
جيل اعتقد بأن أقدامه راسخة جدا، لكنه اكتشف أنها كانت راسخة في .. الهواء.
لا فضل في هذا بين الإصلاحي والثوري والغيفاري والتروتسكي و الباكونيني والفوضوي وو .. البروليتاري الجديد!
كلنا في الحنين سواسية.
من أفضال التاريخ أنه يعطي فرصة للأوفياء له:كان جيل 20 فبراير الذي أعلن نفسه وريثا شرعيا لما سبق من تضحيات، فرصة جديدة لكي تحيي القيم التي من أجلها كان الأجداد: أو التي عمرت معم طويلا…
نفض الجيل الجديد الغبار عن الأخلاق القديمة واستعملها شعارات في التغيير وفي استعادة الحياة مجددا..
جيل الربيع الدائم. الذي سينتقل من الاعمار إلى البنيات.
 

* عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

23 مارس 2015