أن يتباهى السيد بنكيران في معرض كلمته، خلال مؤتمر جمعية خريجي هارفارد بالرباط يوم: السبت 14 مارس 2015، بأن حكومته استطاعت الحد من الإضرابات، ليس معناه أنها نجحت في بلورة سياسة عمومية، أدت إلى رفع الظلم عن الطبقة الشغيلة، وساهمت في التخفيف من منسوب الاحتقان لدى الموظفين، عبر تحسين أوضاعهم المهنية والمعيشية. وإنما هو إقرار صريح بفشله في التعاطي مع المطالب الاجتماعية، واختياره تكريس سياسة التسلط، باتخاذ قرار تعسفي في حق المضربين، يقضي بالاقتطاع من أجورهم، غير مبال بمقتضيات الدستور ومستلزمات الحوار الاجتماعي الجاد…
فما يعتقده قرارا صائبا، أدى إلى انخفاض أيام الإضراب وتراجع أعداد المضربين، بعد هجومه الشرس على رواتب المدافعين عن ملفاتهم المطلبية وقضاياهم العادلة، رغبة منهم في تحسين أوضاعهم المادية والاجتماعية، مستندا إلى قاعدة “الأجرة مقابل العمل”، التي أخرجها وزيره في العدل والحريات السيد: مصطفى الرميد من قاع “خابيته القانونية”، وما يبديه من انتشاء في المجالس والمهرجانات الخطابية، بترديده: “واش باقي شي معلم تايدير الإضراب دابا؟” “واش مازال المواطن تايلقى المحاكم والمستشفيات والمقاطعات فارغة؟” “اللي بغى يدير الإضراب يتخلى على الأجرة ويمشي يجلس فالقهاوي”، هو انعكاس حقيقي لإرادة التجبر الساكنة في أعماقه، ومدى استخفافه بالحقوق والمكتسبات…
نحن لا ننازعه الاعتقاد بأنه يسير في طريق “الصواب”، وفق ما رسم له أو كما رسمه لحكومته، حفاظا على بريق كرسي السلطة الذي لم يكن يحلم يوما باعتلائه، لكن نرى من واجبنا عليه أخلاقيا تنبيهه إلى أنه يطرز كفن حزبه، بخيوط من وهم استطلاعات الرأي المخدومة، ساحبا معه البلاد والعباد إلى الانفجار. ودق ناقوس الخطر، عساه يعود إلى رشده ويراجع نفسه قبل فوات الأوان، بعدما ضقنا ذرعا بمغالطاته المتواصلة، ولم نعد نطيق التزام الصمت حيال سياسة الترقيع والارتجال، مهما حاول تكميم الأفواه وتكسير الأقلام وخنق الحريات.
فأي تدبير للشأن العام، ذاك الذي يعتمد على سياسة تستمد قوتها من ثقافة الاستبداد، وخطاب سياسي يؤلب الرأي العام ضد الموظفين، ويحملهم مسؤولية الاختلالات القائمة؟ وهل من المعقول، أن يتستر رئيس الحكومة وراء مناورات سياسية مكشوفة، ويأذن لحكومته باستنزاف ما تبقى في جيوب الضعفاء والطبقات المتوسطة، بالزيادات الاستفزازية في أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية، مدعيا إنقاذ البلاد من الغرق؟ وما الذي استفادته الجماهير المسحوقة من رفع الدعم عن المحروقات؟ فما يشغل باله هو البحث فقط عما يرضي الأسياد في المؤسسات المالية الدولية، ولتحترق أعصاب المغضوب عليهم…
ومن المفارقات الغريبة، تنكر الرجل لما كان يؤمن به حقا مشروعا لفائدة العمال والمأجورين، حين كانت نقابة حزبه تسارع إلى الانفراد بالإعلان عن الإضراب، بحثا لها عن موطئ قدم في الساحة النقابية، فأية نظارات ألبسوه وجعلته لا يرى في المضربين إلا فئة من المتقاعسين؟ إن ادعاءه العدل ورسمه على شكل ميزان، يتساوى في كفتيه العمل بالأجرة، مستشهدا بقوله تعالى: “والسماء رفعها ووضع الميزان”، يتعارض مع ممارساته اليومية، مادام عاجزا عن إقامة الوزن بالقسط ولا يتسع صدره لكافة الآراء. إذ كيف يقبل العادل باستخدام سياسة الكيل بمكيالين في معالجة عديد القضايا؟ وكيف يفسر تجاهله لتلك الفئة الصامدة من نساء ورجال التعليم، التي فرض عليها بغتة ومن دون حوافز، تمديد سن التقاعد إلى غاية نهاية الموسم الدراسي: 2014 /2015؟ ألم يكن حريا به، وهو يجوب البلاد طولا وعرضا في حملة انتخابية سابقة لأوانها، الالتفات إليها بالتقدير والامتنان عن تضحياتها الجسام؟ ألا يستحق المعلم منه عدا التنقيص، إما بالاتهام بإعطاء ساعات مؤدى عنها لتلامذته، أو المشاركة في الإضرابات والإدلاء بالشواهد الطبية، مفضلا الجلوس في المقاهي على القيام بالواجب؟ لقد أبان عن ضيق الأفق في تفكيره، واتضح أنه لا يجيد عدا ضرب القدرة الشرائية وإغراق البلاد في المديونية، الاحتماء بخطاب المظلومية واستغلال الدين في استمالة المواطنين…
فليست العبرة بتوقف المعلم وموظف الجماعة والممرض وكاتب الضبط وغيرهم عن الإضراب، والتواجد بمقرات عملهم تلافيا لأي ارتباك، وإنما العبرة بما سيقدمونه من خدمات، وإلا فما الفرق بين الحاضر شكليا والموظف الشبح؟ وكيف لمن يشعر بالغبن، العمل بارتياح والارتقاء بجودة إنتاجه؟ وإذا كنا نتطلع فعلا إلى رسم سبل التنمية الحقيقية والالتحاق بالدول الصاعدة، فإن الواجب الوطني يحتم علينا تكثيف الجهود من أجل استدراك الزمن الضائع، ورد الاعتبار للحياة السياسية والنقابية، وضمان الحرية والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم للمواطنين، بعيدا عن التشنجات والمزايدات السياسوية.
أكيد أن أياد خفية تسللت إلى هياكل القوى الديمقراطية، تروم إضعافها وبث الفرقة والتشرذم في صفوفها، وقد استطاعت فعلا العبث بالمشهدين السياسي والنقابي، والتمهيد لظهور بعض المتسلقين والمتهافتين على الزعامات، مما ساهم في تناسل أحزاب ونقابات بلا روح، وإفراغ الإضراب من حمولته النضالية. بيد أن هذا لا يشفع لنا باتخاذ موقف سلبي تجاه ما يجري حولنا، وترك الإضراب يفقد رمزيته ويتحول إلى عطلة أو فوضى. وعلينا تحمل مسؤولياتنا والانخراط في تعزيز صفوف النقابات الحقيقية، تحصينها من أي انحراف والمطالبة بتنزيل قانون النقابات والقانون التنظيمي للإضراب.
فدستورنا الذي أردناه خارطة طريق، نحو استكمال البناء الديمقراطي لمغرب حداثي، يقر بحق الإضراب في انتظار ظهور قانون تنظيمي، يبين الشروط والإجراءات اللازمة لممارسته، كما ورد في الفصل 29 منه. وها قد مر الآن ثلاث سنوات من عمر حكومة السيد بنكيران، فمن هذا الذي يقف دون تفعيلها لمقتضياته، إذا كان هناك صدق في النوايا، وطموح نحو إنهاء عشوائية الإضراب، دون المس بحقوق الطبقة الشغيلة ومكتسباتها، أم أنها ليست مستعدة إلا لإنهاك كاهل المواطن، برفع الدعم عن المحروقات، وتفعيل ما يخدم المصالح الضيقة للحزب الحاكم وأحزاب الائتلاف الحكومي، بالتعيين في المناصب العليا؟ قد نتفق على أن الإضراب غير المقنن، يعطل أنشطة المرفق العام ويهدد الاقتصاد الوطني، ويضر بمساعي جذب الاستثمار، وأن معدل النمو لا يتحقق إلا بسلم اجتماعي، يتأسس على التوفيق بين المحافظة على السير الطبيعي للمرفق العام، وتزويد الموظف بوسيلة للدفاع عن حقوقه المادية والمعنوية، لكننا لا نتفق على الاستمرار في نهش أجور المضربين، وإلا فلنهيء أنفسنا للحرمان مستقبلا حتى من رخص المرض والولادة، تحت طائلة “العمل مقابل الأجرة”.
ذلك أن الحكومة استطابت لعبة الاقتطاع من الأجور، بدل دعوة النقابات واتحاد المقاولات بالمغرب إلى حوار شامل ومسؤول، لإيجاد صيغة توافقية تضع حدا للحيف القائم ضد المأجورين، وتعجل بتنزيل قانون تنظيمي للإضراب. فليظهر لنا السيد بنكيران، مدى حنكته وقدرته على تقريب وجهات النظر بين جميع الأطراف، وتوفير مناخ اجتماعي كفيل بجعل الإضراب آخر الحلول الممكنة.