أضحت الخارطة الجهادية في منطقة المغرب العربي تُنبئ بانتشار واسع للجماعات المتشددة التي أسهمت وحدة منطلقاتها الفكرية في زيادة درجة التنسيق والتشابك فيما بينها، ليخرج تهديدها من ثمة عن حيّزه الضيق ويتسم بالشمولية أكثر، ممّا أضحى يستوجب صياغة استراتيجية شاملة قائمة بالأساس على رفع درجة التنسيق بين البلدان المغاربية، تعمل على ضرب المفاصل الرابطة بين الجهاديين فكريا وأمنيا، من أجل صد هذا الزحف الجهادي المتنامي.

ثمة إدراك بالغ الأهمية لخطورة الهجمة الإرهابية الأخيرة التي طالت متحف باردو في تونس من حيث أهدافها وتوقيتها ومكانها، وهو ما يطرح ضرورة تحديد خارطة الشبكات “الجهادية” العنيفة الناشطة في المنطقة عموما والتحديات المحلية والإقليمية والدولية، بالإضافة إلى حصر أنماطها وطرائق عملها وتحركاتها وتمويلاتها واستراتيجياتها على المدى القصير والمتوسط من أجل استنباط الحلول الكفيلة بمعالجتها.

كذلك وجب الوقوف على الثابت والمتحول من هذه الجماعات، بما يحول دون تحوّل المغرب العربي إلى خزان للعنف الجهادي العابر للحدود وإلى بيئة عدم الاستقرار باستغلال هذه التنظيمات لعناصر التوتر الموجودة وتباين المواقف في العديد من القضايا السياسية المعلقة بين بلدانه، ثم مدى قدرة الأنظمة السياسية في المنطقة على التعاون للحيلولة دون تطور هذه الظاهرة وتمددها وخلق حاضنة اجتماعية وسياسية لها في نقاط تمركز يصعب القضاء عليها.

مؤشرات تطرح معها سؤالين محوريين مفادهما؛ ما هي المخاطر التي تتهدد بلدان المغرب العربي في ظل التشابكات المعقدة الموجودة بين التنظيمات الجهادية في الوقت الراهن؟ ثم ماذا عن استراتيجية المواجهة؟

 

مرجعية فكرية واحدة

تشير العديد من الأدلة إلى وجود ارتباط وتعاون قائمين بين التنظيمات الجهادية الناشطة في منطقة المغرب العربي منذ العملية الإرهابية التي شهدتها عين أميناس الجزائرية والتحديات الناجمة عن التنظيمات الجهادية الليبية المتزايدة منذ الهجوم على القنصلية الأميركية في سبتمبر 2012، وتمركز بعض الكتائب في جبل الشعانبي بتونس.

ارتباط يسير وفق دوائر متشابكة غير مرتبطة تنظيميا ومركزيا في الواقع، وقد تنامى خاصة في ظل ضعف السيطرة على الحدود وانتعاش شبكات تهريب السلاح باتجاه دول ساحل الصحراء أو البلدان المغاربية، فضلا عن بدء اختلاط المكون المحلي بجنسيات أخرى، يجعلها منصة استقطاب جهادي عابر للحدود.

وبعد ظهور تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” وتنظيمي “أنصار الشريعة” و”المرابطون” وجماعة “التوحيد” وتنظيم “كتيبة شهداء أبو سليم” و”اللواء البتار” في مدن شرق ليبيا، بات من السهل اليوم معاينة ظهور تنظيمات تدين بالولاء إلى تنظيم “داعش” كـ”كتيبة أبي محجن الطائفي” وتنظيم “عقبة بن نافع″ وحركة “التوحيد والجهاد”، حيث لا يخفى أن العديد منها أثبت القدرة على التأقلم وتغيير أسمائها والإعلان عن انشقاقات تنظيمية، بعضها حقيقية وبعضها وهمية يدخل في إطار التمويه لتفادي الضغوط الأمنية.

وتشترك شبكات العنف الجهادية في المغرب العربي في رفض مفهوم الدولة الوطنية وتبني نموذج إقامة “دولة الخلافة الإسلامية” سرا أو جهرا باعتبار أن المسارات السياسية القائمة هي مسارات كفر وتغريب يجب مناهضتها بالقوة.

كما تدعو الجماعات إلى إقامة الشريعة من منظورها الخاص، باستعمال قوة السلاح والعنف، متبنّية الجهاد كحجر زاوية في التصور النظري والتطبيقي لتغيير الواقع، بما يجعلها مرشحة لتبني أقصى حدود العنف.

 

انتشار جهادي وشبكات معقدة

تعددت الجماعات الجهادية الناشطة في منطقة المغرب العربي وشمال أفريقيا عموما، وعملت على الانتشار في بلدان المنطقة، مستغلة الظروف الأمنية المضطربة في بعض تلك البلدان وتتوزع كالآتي:

* ليبيا: برزت التنظيمات الإسلامية المسلحة على المشهد السياسي مستغلة ضعف المؤسسات الأمنية الليبية وظهور الميليشيات التي استغلت تراجع قدرات السلطات الليبية على ممارسة وظائفها الأمنية والسيادية، مما جعلها تلعب دورا محوريا في التفاعلات السياسية الداخلية التي تجلَت في بوادر انقسام حاد حول المسار السياسي للثورة الليبية. وقد ظهرت تنظيمات حينها شأن “أنصار الشريعة” في يونيو 2013 الذي استقر في درنة واكتسبت عناصره مهارة قتالية منذ تشكيل “الكتائب الثورية” في 17 فبراير 2011 عندما كانت عناصر التنظيم جزءا من كتائب الشهداء التي بلغ عدد أعضائها حوالي 500 مقاتل في الشرق الليبي. وقد حاولت تلك التنظيمات جلب الأضواء إليها عبر قيامها بتدمير أضرحة ومزارات في بنغازي بقيادة محمد الزهاوي الذي شارك في تأسيس الهيئة العليا لحماية ثورة 17 فبراير.

ويربط التنظيم علاقة وثيقة بتنظيم “عمر المختار” المتواجد في درنة وبنغازي وأجدابيا والذي يضم حوالي 200 مقاتل. ولم يخف هذا التنظيم تعاونه مع ميليشيات مسلحة مثل “درع ليبيا” التي استقرت في بنغازي ومصراتة والخمس وبني وليد وصبراتة، حيث تنتشر عناصرها في الشرق والوسط والغرب، ويبلغ عدد أعضائها حوالي 12000 مقاتل جلهم من مصراتة.

 

ويملك هذا التنظيم اتصالات وثيقة مع تنظيم “داعش” و”جبهة النصرة” بفضل تواجد جهاديين ليبيين في سوريا والعراق، فضلا عن وجود أكثر من 20 قياديا في لواء يدعى “الأمة الإسلامية” كانوا يقاتلون في سوريا وعادوا إلى ليبيا، ممّا يهيّئ هذا التنظيم ليوفّر سندا لوجستيا لنظرائه في الشرق الأوسط وفي البلدان المجاورة، وهو ما من شأنه أن يُعمّق أزمة عدم الاستقرار في بلدان المغرب العربي وهشاشة الوضع السياسي الليبي وعدم وجود تعاون إقليمي ودولي حقيقي لتحجيمه.

* تونس: يعود انتشار الجماعات الجهادية في تونس إلى الـتأثير الذي مارسه تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي في وقت سابق، وعودة الكثير من المقاتلين التونسيين من العراق وسوريا لاحقا. وفي ظل هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه البلاد، حاولت هذه التنظيمات في البداية الاستقرار بأحياء شعبية فقيرة لكي تكوّن لها حاضنة شعبية تستند إليها وتحتمي بها من الاختراقات والملاحقات الأمنية، وتتركز الجماعات الجهادية التونسية في تنظيمين أساسيين، هما “أنصار الشريعة” و”تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”.

ويعتمد تنظيم أنصار الشريعة على تكتيك يتمثل في تكوين خلايا عنقودية نائمة لا وجود لارتباط فيما بينها، ويصعب جدا تعقّب تحركاتها حين تتوزع خارطتها التنظيمية بالقرب من الحدود التي تربط تونس بالجزائر وليبيا، خاصة في جبل الشعانبي الذي يمثل نقطة تمركز كتيبة عقبة بن نافع التي سبق لها أن استهدفت عناصر من الجيش التونسي، هذا فضلا عن تركيزها على غابات محافظة جندوبة (أقصى الشمال الغربي) وجبل بوشبكة بين الحدود التونسية الجزائرية، لتسهيل تحركات المقاتلين وسرعة وصول الإمدادات. أمّا تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، فهو ينشط في مناطق متقطعة ويستهدف في تكتيكيه الحالي القيام بعمليات خاطفة ضد قوات من الجيش والأمن التونسيين، خاصة في الوسط الغربي من جبال الشعانبي بقيادة الجزائري “لقمان أبو صخر”، وله امتداد واضح يصل إلى الحدود الجزائرية – المغربية.

*الجزائر : حمل فرع تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي الناشط في الجزائر على عاتقه توسيع قاعدته بقيادة عبدالملك درودكال الملقب بـ”أبو مصعب عبدالودود”، حيث يتواجد أتباعه في عدة محافظات أبرزها: غرداية، قسنطينة وتبسة وجيجل وسكيكدة والمنيعة، ويتخذ من هذه المناطق نقطة انطلاق في التمدد والتوسع في المغرب العربي ودول الساحل، ولذلك أسّس أربع مناطق يطلق عليها “إمارات” تضم أكثر من 12 كتيبة مسلحة وتتوزع على؛

أولا، منطقة الصحراء التي تشمل جنوب الجزائر، وينشط فيها تنظيم بقيادة موسى أبو داود، أحد قياديي تنظيم الجماعة السلفية للدعوة والقتال، وهو من أبرز تنظيمات القاعدة وأشرسها وأكثرها خبرة قتالية،

ثانيا، منطقة الغرب التي تظل الأكثر تعتيما ولا يعرف هيكلها التنظيمي على وجه التحديد، ويتواجد بالقرب منها تنظيم يطلق عليه تنظيم “حماة الدعوة السلفية” بقيادة محمد بن سليم الملقب بـ”سليم الأفغاني”، وهو ينشط على الحدود الجزائرية المغربية.

ثالثا منطقة الشرق التي تضم سرايا قليلة العدد وهي في حالة إعادة هيكلة وهناك سرية كبيرة تطبع تحركاتها، حيث تقتصر على تأمين التغلغل في الوسط بعد نزوح كتائب الجماعة السلفية للدعوة والقتال إلى الجنوب.

أما رابعا، فمنطقة الوسط التي تضم معسكر “جند الأهوال” في المحافظات الداخلية، وتنظيم “المرابطون” بقيادة مختار بلمختار الذي يضم كلا من كتيبة الملثمين وحركة التوحيد والجهاد.

 

استراتيجية المواجهة

أصبح منطق التشابك والتنسيق العنكبوتي جليا بين سائر التنظيمات الجهادية في الآونة الأخيرة، حيث لم يعد خافيا أن الرابطة الجهادية في التفكير والممارسة أصبحت وظيفة تكوينية لدى أغلب هذه الجماعات وهي بمثابة عقيدة مشتركة بينها، فيما أصبحت تنهج الترانزيت الجهادي العابر للحدود والأوطان من خلال تنظيم انتقال المقاتلين من دولة إلى أخرى سواء من ليبيا إلى تونس ومن تونس إلى الجزائر ومن الجزائر إلى المغرب، أو بطريقة عكسية وصولا إلى سوريا والعراق. هذا فضلا عن تهريب قطع السلاح والمعدات في جميع الاتجاهات. وقد أضحى من المعروف اليوم أنّ هناك تعاونا وطيدا بين أنصار الشريعة في ليبيا وأنصار الشريعة في تونس وتنظيم المرابطون، كما أنّ تدريب المقاتلين ينذر بأن هذه التنظيمات بدأت تعد العدة لتبني عمليات مشتركة مستقبلا، ممّا يوحي بأن التنسيق جار على قدم وساق لجعل أقطار المغرب العربي مسرحا للفوضى.

التمركز الجغرافي على الحدود، وضرب المفاصل التي تربط بين الجهاديين فكريا وأمنيا، والذي يعد أساس أي استراتيجية ناجعة لصد الظاهرة.
هذا ويبقى الحل الأمني وحده غير كاف لصد هذه الأخطار المحدقة، ما لم يتم القضاء على أورام التطرف العقدي والفكري الذي تبشر به الجماعات من خلال حماية عقول الشباب من التدجين والشحن الديني. كما أن قوى المجتمع المدني مطالبة، بأن تلعب دور صمام الأمان لحماية النسيج الاجتماعي والسياسي من الاختراق، ثم إنّه على حركات الإسلام السياسي التي تدّعي أنها تؤمن بالديمقراطية والتداول السلمي على السلطة، أن تقوم بمراجعة فكرية وسياسية عميقة ترفض من خلالها صراحة “تديين السياسة وتسييس الدين”.

 

* باحث جامعي، مركز أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون

عن صحيفة العرب د. حسـن مصدق* [نُشر في 27/03/2015، العدد: 9869،